«ضمنا إليك أيها الملك».

إنها نفس العبارة..
ونفس المعنى …..
ولكن من منطق مختلف: بدت كما لو أنها وليدة بوهيمية شعرية لتنتهي إلى رجاء إعلامي..
الفرق هو أن العبارة نفسها قيلت في البداية هنا، بالمغرب في مناسبة ثقافية، لعلها معرض الكتاب سنة 2011 أو 2012.
والتكرار الذي بدأ مرحا، عاد جديا.
ففي المرة الثانية اكتسى مسحة تراجيدية.. عندما جاءت العبارة نفسها في مقال صحافي جدي للغاية.
كما لو أنها تخضع لقانون الملهاة والمأساة في تعريف ماركسي يمس التكرار…
لازلت أذكر اللقاء الذي‮ ‬ساهمت فيه شاعرة جزائرية‮ (‬لم أستسمحها لذكر اسمها)‬،‮ تقيم بين الضفتين، الجزائرية والفرنسية، متعددة الاهتمامات ‬عندما كان مجموعة من الشعراء‮ يحيطون بها، بحيوية ومرح طفوليين، وقتها قالت «أقترح أن يكون محمد السادس ملكا على شمال إفريقيا كلها….».
وضحك الجميع وأصبح كل واحد يردد العبارة لكل من يلتقيه:‬ هل سمعت ما قالته هذه الشاعرة (‬لنسميها داهيا)؟..
ولأنها جزائرية الأصل كان لوقع الكلمة مغزى خاص للغاية.
ويكرر التاريخ نفسه، وما كان.
وقد جاءت مقالة الصحافي بأكبر صحف الجزائر (الخبر) لتقول وتعبر عن هاته الروح بعد سنين من اللقاء الذي تحدثت عنه..
«ضمّنا إليك أيها الملك؟!».
كتبها في المرة الثانية سعد بوعقبة
«ضمّنا إليك أيها الملك» استجابة بعدية لما أرادته الشاعرة! وفيها يقول الكاتب بوعقبة إنه تحدث قبلا، في المقال «عن خيبة نظام الجزائر الذي يتعرّض للحصار العالمي بسبب الحرب الأهلية التي نشبت في الجزائر، في وقت كان الملك المرحوم الحسن الثاني يتفاوض مع الاتحاد الأوروبي حول مشاريع اقتصادية واعدة، وصيغ تفضيلية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي في مجال التبادل التجاري في الزراعة والصناعة والصيد البحري».
وعاد ليرفعها في وجه النظام الجزائري، بعدما سجل “نهضة حقيقية في المغرب الشقيق، دون بترول ولا غاز.. أنجز المغرب عدة مصانع للسيارات الأوروبية والآسيوية، هي الآن تنتج عشرات الآلاف من السيارات تغطي السوق المغربية وتصدر الفائض للخارج.. وشغّلت هذه المصانع عشرات الآلاف من العمال المغاربة”.
الحديث من هذا النوع محرم في الجارة الشرقية، لهذا سألني صديق الشاعر جلال الحكماوي عندما ذكرته بما قالته الشاعرة صديقته وما قاله الصحافي بنفس الكلمات، ونحن بالمعرض الدولي للكتاب: «… وهل ما زال الصحافي حيا؟».
أشياء محرمة تقع في الجارة الشقيقة ومحورها بلادنا.
فلأول مرة،‮ ‬منذ إغلاق الحدود المغربية الجزائرية،‮ ‬سنة‮ ‬1995،‮ ‬طالب رئيس حزب سياسي‮ ‬جزائري‮ ‬بفتحها؛ وهو استثناء لم تجرؤ عليه لا أحزاب المعارضة ولا احزاب الأغلبية منذ التاريخ الرسمي‮ ‬للإغلاق‮.‬
فقد اعتادت الهيآت السياسية أن تجاري‮ ‬القرار الرسمي‮ ‬في‮ ‬كل ما‮ ‬يتعلق بالمغرب،‮ ‬ولا سيما قضية السيادة الوطنية وقضية الحدود‮. ‬وهما قائمتا المركب العسكري‮ ‬الصناعي‮ في مشروعه ‬ضد المغرب‮.‬
غير أن قضية الحدود قد طرحها زعيم حزب الثقافة الأمازيغي‮‬،‮ ‬سعيد سعدي‮ ‬المعارض،‮ ‬في‮ ‬سياق متوتر للغاية بخصوص القضية الأمازيغية نفسها‮..‬
وتعود حيثيات التحول إلى ‬الدفع الرسمي من طرف بلادنا إلى اعتراف المجتمع الدولي‮ ‬بوضع القضية الأمازيغية والاستقلال الذاتي لـ «القبايل» .. ولا شك أن موقف حزب سعيد السعدي ‬سيقرأ داخل الجزائر من هذه الزاوية ومن غيرها، وسيكون له ما بعده!
والحقيقة أن القضية الوطنية الكبرى بدورها تعرف تململا غير مسبوق من طرف نخبة الجزائر، فقد سبق أن صدرت عن سعداني رئيس جبهة التحرير وزعيم أكبر حزب جزائري تصريحات غير مسبوقة دفعت الصحافة في بلادنا إلى أن تتساءل:هل بدأت الجزائر مراجعة سياساتها تجاه المغرب؟
فقد شارك سعداني في برنامج «قضية ونقاش» الذي بثته قناة النهار الجزائرية، وقال إبانه، «أنا شخصيا أقول بأن التصعيد ليس في صالح المغرب ولا الجزائر». وأضاف «وقضية الصحراء الغربية عندي فيها ما أقول ولابد أن نصارح فيها الشعب الجزائري…ولابد سيأتي يوم وسأتكلم فيها». ورفع السعداني الإيقاع عندما أجاب الصحافي بالقول «أنا عندي رأي والقضية من 1975 لم تجد طريقها للحل…هذا الموضوع لو تكلمت فيه سيخرج الشعب إلى الشارع».
زعيم جبهة التحرير، والذي عادة ما يعتبر رأيه مقدمة رأي الرئيس، بل بالون اختباري لما سيفعله الرئيس (كما هو حال الإقالات في صفوف المخابرات العسكرية والجيش) تحدث عن خطاب جلالة الملك بمناسبة المسيرة الخضراء وقال «لا بد من مراجعة الحسابات بخصوص العلاقة مع المغرب».
كل هذه المؤشرات التي ختمت الجزائر بها سنتها المنصرمة لا يمكن أن نغفلها في تحليل العلاقة مع جيراننا.

* عمود كسر الخاطر  .عن جريدة1

                                    الاربعاء 17 فبراير2016