ليس للتغيير مسلكٌ واحد، أو مشهد واحد، تكون فيه الحركاتُ الاجتماعية والمعارضاتُ السياسية حاملَهُ الوحيد وأداتَه الرئيسية. لا شك في أن هذا الخيار هو الغالب في تجارب التغيير التي حصلت في العالم: قديماً وحديثاً، ومنها التجربة العربية الحديثة والمعاصرة، غير أن سوابق أخرى من التاريخ -الماضي والراهن – تُطْلِعنا على أن وجوهاً أخرى من التغيير ومن الانتقال السياسي، حدثت من طرقٍ أخرى غير إسقاط «الشارع» والمعارضات لنظم الحكم القائمة، أي من غير طريق القطيعة والثورة بل من طريق الاستمرارية التاريخية المتكيفة مع موجِبات التحوّل.

إذا كان النموذج الإنجليزي في بناء النظام الديمقراطي الحديث مرجعياً في هذا الباب؛ حيث وقع ما يُشبه التسوية بين الأرستقراطية والبرجوازية الصاعدة والتفاهم على الانتقال إلى نظام الملكية الدستورية البرلمانية، من دون صدامٍ كبير كالذي شهدته فرنسا في ثورتها التي اندلعت بعد الديمقراطية الإنجليزية بعقود، فإن المثال الجنوب إفريقي والمثال الأمريكي اللاتيني، في التغيير والانتقال الديمقراطي، بات يؤكد ما كان يبدو- سابقاً- في حكم الاستثناء، أي إمكان الانتقال من طريق التسوية والتوافق بين قوى المجتمع المختلفة، وتحديداً بين النخب الحاكمة والنخب المعارضة على السواء.

من النافل القول إن مثل هذا المشهد التوافقي ليس مستبعَداً، تماماً، في بلادنا العربية ولا هو بالأمر المستحيل: مثلما قد يخال البعض ممن يفترض أن الفجوة وسيعة بين النظم الحاكمة والمعارضات ، ذلك أنها لن تكون أوسع من تلك التي كانت بين الديكتاتوريات العسكرية والمعارضات في أمريكا اللاتينية، ولا بين نظام الميز العنصري والشعب و«المؤتمر الوطني الإفريقي» في جنوب إفريقيا ، والجراحات والمرارات هنا ليست أشد غوراً وإيلاماً مما كانته في البلدان المذكورة. وإلى ذلك فإن التضحيات التي قدّمتها شعوب أمريكا اللاتينية عقوداً، وشعب جنوب إفريقيا قروناً، من أجل نيل حرياتها وحقوقها لا تقل عن تلك التي قدمتها شعوبنا منذ نيلها استقلالاتها الوطنية. لا مجال، إذاً، لحسبان الفارق في التجارب كابحاً أمام الذهاب إلى النتائج السياسية عينِها، بالوسائل والخيارات عينِها.
غير أن تجارب التوافق تلك تُطلعنا على كلمة السرّ في نجاحها، والتي تبدو- حتى الآن -الغائب الأكبر والعقبة أمام أي تغيير سلمي متفَاهَم عليه في بلادنا العربية، وكلمة السر تلك ليست شيئاً آخر غير وعي الحاجة إلى الانتقال التوافقي، وتوفر الإرادة الشجاعة لتحقيق ذلك. حصول ذلك الوعي، وميلاد تلك الإرادة، هما ما أسسا لإنجاز الانتقال التوافقي في البلدان المذكورة، وغيابهما عندنا هو ما يهدد بتبديد هذا الخيار، وتكريس المنازعات الصِّدامية شكلاً وحيداً لسعْي المعارضات إلى التغيير، وسبيلاً وحيداً لمدافعة النخب الحاكمة عن سلطتها. وما أغنانا عن كبيرِ شرحٍ لبيان الحقائق المرتبطة بخيار التوافق الوطني على التغيير والانتقال السلميين. ولكنّا نُؤْثِر أن ننوه بها في عجالة:

*أُولاها أن وعيَ الحاجة إلى التغيير والانتقال السلميّين، وحيازة الإرادة الصادقة في ذلك، لا يمكنهما إلاّ أن يكونا متبادليْن، أو بشكل متبادل، بين السلطة الحاكمة والمعارضة. لا يكفي أن تنضج الفكرة في وعي فريقٍ واحد كي يُسَاغ تحقيقُها. ومن نافلة القول إن حدوث ذلك وقْفٌ على ممارسة تمرينٍ طويل، متبادل، من إجراءات الثقة المتبادلة التي تُطَمْئِن كلَّ فريقٍ على مصالحه، وتؤسِّس لفكرة الشراكة في صنع المستقبل الجماعي. وهذا، بالذات، ما قام بين نيلسون مانديلا و«المؤتمر الوطني الإفريقي» و(بين) فريديريك دوكليرك وحكومته ونخبة الأبارتهايد الحاكمة، كما بين النخب الأوليغارشية العسكرية الحاكمة والمعارضات الديمقراطية في بلدان أمريكا اللاتينية.

*و ثانيتها أن لخيار الانتقال التوافقي ما يَحْمل عليه ويفرضه في بلدان عديدة مثل بلادنا العربية، وأن هذا الذي يحْمل عليه ليس أفكاراً سلْمية متحضرة ومسؤولة فحسب، بل أوضاع سياسية – اجتماعية ليست الأفكار تلك إلاّ ترجمة لها وتعبيراً عنها. الأوضاع التي نعني هي موازين القوى بين الأطراف المتصارعين، وتَكَافُؤُها الموضوعي الذي لا يسمح لفريقٍ بحسم الصراع لمصلحته حسماً نهائياً. إن مثلَ هذا التوازن في القوى، ووعْيه من الجانبين، كثيراً ما يُنْضِج خيار التوافق ويقود إليه بما هو السبيل الوحيد للخروج من نفق الاستنزاف المتبادَل غير المفتوح على أي نهايةٍ انتصارية ، وذلك عين ما حصل في البلدان المذكورة التي اهتدت إلى سيناريو التوافق: وبلداننا تشهد أيضاً وجوهاً مختلفة من ذلك الاستنزاف المتبادل.

*وثالثتها أن كلفة التغيير السلمي التوافقي أقل بكثير من كلفة التغيير بالعنف أو إخماد التغيير بالعنف ؛ فالتغيير التوافقي يجنّب المجتمع والدولة مشهد الصدام والحرب الأهلية، ويوفّر القوى والموارد والمقدرات والأرواح، فضلاً عن حفظه مصالح الجميع من دون عزلٍ أو إقصاء.

نسلّم بأنّ إنضاج شروط هذا الخيار وقفٌ على وعْي أمورٍ مختلفة من قِبل طرفي العلاقة الصراعية في الدخل:

أ- أن تُدرك النخب الحاكمة أنه لا يمكنها أن تحتكر السلطة إلى ما شاء الله، وتمارسها من غير قيود، وتستبعد مَن عداها من القوى ، ذلك أن الواقع الإنساني الكوني تغيَّر ومعه تغيّرت قواعد الشرعية، وزاد معدل الوعي السياسي لدى المواطنين في امتداد زيادة معدلات التعليم واتساع نطاق الاندماج في شبكة المعلومات، وتعاظم تأثير الإعلام المفتوح.
ب- أن تُدرِك النخب إياها أنّ الردّ الأمني على مطالبات الشعوب والمعارضات لن يُجدي نفعاً في إخماد حقوقها المشروعة ، قد يردعها- بثمنٍ قاسٍ- ولكنه، قطعاً، لن يُنْهيَ إرادتَها في انتزاع حقوقها ؛ فضلاً عن أنه قد يقود البلاد إلى حروب أهلية، ويؤسِّس لحالٍ مديدة من التأزم السياسي وفقدان الأمن والاستقرار.
ج- أن تدرِك المعارضات أن خيارات التغيير متعدّدة وليست واحدة، بحيثُ تُختصَر في مشهد الثورة ؛ وأن أسلوب التغيير ليس خياراً ذاتياً وإنما يقرّره الواقع الموضوعي وحقائق ميزان القوى، وأن تدرِك أن أي تغيير ينبغي أن يَلْحَظ حقوق الجميع لا حقوق فريقٍ واحدٍ في المجتمع، وأن هذا يمتنع حصولُه من دون الجنوح للتوافق. إنّ هذا كلّه يقتضيها إجراء مراجعة شاملة لخياراتها ويقينياتها السياسية وأساليب عملها انطلاقاً من مكتسبات تجارب غيرها ودروس تلك التجارب.
د- أن تكف المعارضات-بعضُها أو جلها-عن ركوب مرْكب العصبيات (الطائفية والمذهبية والقبلية) في معركتها من أجل السلطة ؛ فهذا مرْكب انتهازي، وخطر، يمزّق النسيج الاجتماعي ويطيح بالوحدة الوطنية، ويُدخل المجتمع الوطني في مجاهلَ كالحة. وكما أن عليها أن تعيد النظر في استراتيجية التغيير من طريق توسل العنف، لأن العنف حمالُ أوجه، عليها أن تكُف عن محالفة الأجنبي والاستعانة به، واستدراجه للتدخل، في معركتها من أجل السلطة ؛ لأن ذلك يطعن في وطنيتها، وعندي أنه لا وجود لمعارضةٍ ديمقراطية أو يسارية أو إسلامية فقدت وطنيتها.
ه – أما أم الشروط جميعاً فهو انتشار ثقافة سياسية ديمقراطية حقّاً في المجتمع ؛ وهذه مسؤولية الجميع: من مؤسسات الدولة إلى مؤسسات الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية.
أضعنا وقتاً طويلاً في إفناء بعضنا من دون نتيجة. ها قد حان الوقت للذهاب إلى كلمة سواء، تضع بها حروبُنا الداخلية أوزارها، ونصوغ فيها القواعد السياسية لبناءٍ مشترَك لمستقبلٍ مشتَرَك.

*بدون عنوان

         نشر بها 15 فبراير 2016