تحيل مفاهيم السلطة في القواميس العربية إلى السلط والتسليط، أي إلى طويل اللسان. فالسلطة تستمد معناها (لغويا) من فصاحة اللسان وقوة الإقناع، كما تحيل إلى السلطان (موئل السلطة ومركزها) أي الحجة والبرهان، وكأن السلطة تقوم عليها بالإضافة إلى قيامها على التسلط(1) والإكراه.

وفي القواميس الغربية، تعود كلمة السلطة إلى أصلها اللاتيني Potestas وتعني أهلية التصرف/ القدرة على حق التصرف لحساب الآخرين.
وفي معجم Oxford نجد تفسيرا وافيا لكلمة السلطة Power في كلمتين Ontrol Authority وتعني قوة من يوجد في الحكم على إعطاء الأوامر وإخضاع الآخرين واتخاذ الإجراءات.

أما في المفهوم الإسلامي، وعلى المستوى الديني، يختلف الأمر تماما، إذ ينكر العديد من الفقهاء وجود كلمة “سلطة” في الفقه الإسلامي/ ولكنهم في الغالب يؤيدون وجود نصبها، وجعلها أساسا تنظيميا للدولة، وفق أحكام الدين الإسلامي وأخلاقه.

إن السلطة عند العديد من فقهاء الشريعة، هي تطبيق حقوق الله في الأنفس والأموال وفي الأخلاق والتنظيم الاجتماعي، كما في جمع الزكوات والخراج وأحكام النفقة والميراث(2) لذلك تشترط السلطة في صاحبها، العمل بمبدأين: الأول أن تكون سلطة دينية في أحكامها مستندة في تنظيمها وتشريعيها إلى التصوير الاعتقادي الإسلامي، والثاني أن تكون محكومة بقيم الأخلاق الإسلامية.

وفي نظر العديد من الفقهاء وعلماء الشريعة، تكمن قوة “السلطة” في حيادها، ففي نظرهم يجب أن تبقى، في كل الظروف والأحوال، أداة محايدة، لا هي بالخير ولا هي بالشر، ولا توصف بذاتها من صفات التحسن، ولكنها تستخدم لقصد السبيلين في الشريعة الإسلامية(3).

وبناء على هذا المفهوم السهل والواضح والشفاف، حدد الفقهاء وعلماء الشريعة الإسلامية قواعد السلطة في خمسة شروط، تشمل تنظيم العلاقات بين الفرد والمجتمع والدولة وهي:

– المساواة بين أفراد المجتمع/ العدل بينهم/ تمتيعهم بكامل حقوقهم الإنسانية/ دعم تكافلهم الاجتماعي/ طاعة أفراد المجتمع (حمل الكافة على الطاعة بمقتضى النظر الشرعي).

– وفي تفسير الفقهاء لهذه الشروط، تأكيد وإصرار على أن الإسلام يجعل من السلطة قوة (أحكام نظرية، أمر وطاعة) ولكنه يحددها بقواعد وضوابط تستمد أهميتها وقيمها من الأحكام الإسلامية، من القرآن والسنة التي تجعل المسلمين/ المواطنين سواسية أمام أحكام الشريعة، تنفذ الأحكام في الأغنياء والفقراء/ في الشرفاء والضعفاء، تطبق المساواة بين الرجل والمرأة، تحمي الدين والأخلاق، وتكفل العيش الكريم لكافة المواطنين، وتلزمهم بالطاعة فيما لا يحرمه الله في دينه الحنيف(4).

وفي المفاهيم الغربية للسلطة مقاربات متعددة، يعرفها ماكس فيبر، بأنها (الإمكانية المتاحة لأحد العناصر داخل علاقة اجتماعية معينة، يكون قادرا على توجيهها حسب مشيئته)، ويعرفها تالكوت بارسونز: بأنها (القدرة على القيام بوظائف مدنية أو سياسية، خدمة للنسق الاجتماعي، باعتبارها وحدة واحدة) وفي نفس الاتجاه، سار الكتاب الاجتماعيون والسياسيون والغربيون، مع إغناء مفهوم السلطة، من حيث وظائفها السياسية والقانونية والإدارية، أو من حيث مكوناتها وشرعيتها ومشروعيتها(5).

وانطلاقا من هذه المفاهيم، توزعت أنظمة السلطة على ثلاث مستويات(6).
1- السلطة التقليدية: وتستمد نظمها من التاريخ القديم، تقوم على الاعتقاد بأن أحكامها متصلة بقوة شرعية نهائية ومطلقة، إذ يعتقد أصحابها بأنهم يمارسونها من خلال شرعيتهم التاريخية، وأنهم يعملون بنظم وأحكام تلزم متلقيها بالطاعة والولاء.
2- السلطة الكرزماتيكية: وترتبط نظمها بالمقدس الديني.
3- السلطة الشرعية العقلية: وتعتمد على الأنظمة والأحكام القانونية العامة القائمة على العقل والتوافق السياسي والاجتماعي.

وفي العصر الحديث تحولت السلطة في الفكر الغربي، إلى اصطلاح دستوري، يتوزع في كافة الأنظمة على ثلاث مستويات/ السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، يناط بكل واحدة منها (حسب نظام الحكم وطبيعته) مهمة من المهمات، تؤمن للدولة سيرها القانوني والسياسي.

أ/ السلطة التشريعية (ويمثلها البرلمان) يناط بها مهمة وضع القوانين في حدود إطارها الدستوري.
ب/ السلطة القضائية ويناط بها تفسير القوانين وتنفيذها، وتتمثل في القضاة وأعضاء النيابة ومعاوينهم من المحامين، ويشترط في أعضاء هذه الهيئة (بالدول الديمقراطية) استقلال أعضائها، من حيث اختيارهم أو عدم قابليتهم للعزل، وغيرها من العوامل التي قد تؤثر في تحقيق العدالة واستقلالها.
ج/ السلطة التنفيذية فتعرف في القوانين الدستورية بسلطة الحكومة (السلطة الإدارية) وهي الهيئة المنوط بها تنفيذ القوانين وعلى رأسها رئيس الدولة (الملك/ رئيس الجمهورية) الذي يمارس سلطاته بواسطة وزرائه: أصحاب السلطة الفعلية.

وقد دفع هذا التقسيم بعلماء السياسة في الغرب، تكريس الاهتمام بإشكالية السلطة من حيث شرعيتها ومن حيث تقسيماتها وعلاقة كل منها بالأخرى، واعتبر هؤلاء العلماء أن أهم تقسيم للسلطة هو التقسيم التخصصي، وضمانا لعدم التعسف، أصرت العلوم السياسية الغربية على أن تكون السلط منفصلة عن بعضها البعض، وعلى أن تكون كل أشكال السلطة، الأخرى تابعة لواحدة من هذه السلط.

ففي النظام البرلماني (الذي يستمد وجوده من مفاهيم الفكر الغربي)، تتكون السلطة التنفيذية من الوزير الأول والوزراء، يكون الوزير الأول رئيسا فعليا للوزراء الذين يضعون السياسة العامة للدولة، ويشرفون على تنفيذها، وقد أطلق الفقه الدستوري على هذا النموذج، السلطة التنفيذية الأحادية الرأس، بحيث يصير مفهوم السلطة التنفيذية مرادفا لمفهوم الحكومة، لا تشكل مرادفا للسلطة التنفيذية التي تضم إلى جانب الوزير الأول والوزراء ورئيس الجمهورية أو الملك، بحيث يصبح مفهوم الحكومة أضيق من مفهوم السلطة التنفيذية التي هي سلطة مزدوجة الرأس، لكن من الناحية الشكلية فقط، إذ وعلى الرغم من رئاسة الجمهورية أو الملك، للمجلس الوزاري، فإن تحديد وتوجيه السياسة العامة للدولة، يبقى من اختصاص الوزير الأول وحكومته (النموذج الفرنسي) أما في النظام الرئاسي فإن السلطة التنفيذية تختزل في شخص رئيس الجمهورية المنتخب في اقتراع عام، حيث يعين عند انتخابه مساعدين له يمسون كتاب الدولة، وليست لهم أية سلطات قرارية خارج توجهات وأوامر الرئيس.

وفي نظر فقهاء الغرب المعاصرين، أن السلطات بتوزيعها الثلاثي المتوزان (تشريعية وتنفيذية وقضائية) تحولت (في النهج الديمقراطي) إلى أنواع من القوة، تنظم جهود وواجبات الآخرين، من خلال القوانين والتشريعات والأوامر التي تصدرها باعتبارها سلطة شرعية، وهي بالمعنى الديمقراطي، تختلف (بطبيعة الحال) عن السيطرة القسرية أو الجبرية التي تلزم الأفراد على التكيف لمشيئتها من خلال استعمال العقاب، ذلك لأن “السلطة الشرعية” بالمعنى الديمقراطي، أصبحت تتأثر في فعاليتها بالأجهزة التي تعتمدها لتنفيذ شرعيتها، وفي تحقيق الأهداف التي تربطها بالمواطنين/ الأفراد الخاضعين لقوتها، وهو ما يفرض علاقات قوية متكافئة بين الطرفين.

في المغرب يختلف مفهوم “السلطة”، عن مفاهيمها في البلاد العربية الإسلامية، أو في البلاد الغربية، ذلك لأنها اختارت مفهومها المغاير الخاص، يطلق المغاربة عليها اسم “المخزن”.
والمخزن كمفهوم لغوي، يعني المكان الذي يتم فيه الخزن (المستودع) وخزن الشيء، يعني الاحتكار له أو التفرد به.

ويرى بعض الباحثين في اللغة، أن “المخزن” مصطلح مشتق من فعل خزن، بمعنى جمع، وقد كان يشار به إلى ما كان يجمع في بيت المال من ضرائب وجبايات، إلا أن هذا التحديد اللغوي في نظر باحث مغربي في العلوم السياسية(7) لا يفي بالغرض ولا يقدم تحديدا كافيا عن “المخزن” المصطلح الذي يقدم في الواقع السياسي مرادفا لمفاهيم الدولة والسلطة والنظام مجتمعة.
ومنذ القدم احتل هذا المصطلح (المخزن) مساحة واسعة من الخطاب السياسي، وارتبط بمضامين التسلط/ الحكم خارج القانون/ العنف، ومع ذلك ظلت مفاهيمه تكتنز دلالات تاريخية وسياسية عديدة، لما يمثله من سلطة وطقوس وضوابط تقليدية ومحافظة، هي المصدر الطبيعي لإنتاج الخوف والهيبة والامتثال الدائم والترهيب.

لأجل ذلك، شكل “المخزن” مصطلحا وسلوكا وقضية، محورا للعديد من الكتابات والدراسات، التي تناولته من مختلف جوانبه التاريخية والقانونية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وارتهن العديد منها على مستوى النتائج والاستخلاصات بزوايا المقاربة والانتماء المعرفي والثقافي والسياسي لأصحابها، وهو ما سنحاول الاقتراب منه في عجالة.

1/ في نظر موسوعة الإسلام: المخزن مفهوم اشتق من فعل خزن (أخفى وحفظ) وكان يشير عند الممالك العربية القديمة، إلى الصندوق الذي احتفظ بداخله الأمراء بالضرائب التي توجه إلى خليفة بغداد، تم تحولت فيما بعد وأصبحت مرادفا للخزينة.
أما البيت “دار المخزن” فهو الذي تجمع فيه الأموال، فكان “البيت” يعني السلطة المركزية، وأضحى أداة للإشارة إلى البيوقراطية.

2/ في نظر الأستاذ عبد الله العروسي: (في كتابه الآليات الاجتماعية والثقافية الوطنية) فإن المخزن هو تلك النخبة التي تشارك في بيعة الملك واختياره وتنفيذ قرارته، وهو كل الأفراد الذين يحصلون على أجورهم من خزينة السلطان.
3/ أما في نظر الأستاذ عبد الكبير الخطيبي: (في كتابه التناوب والأحزاب السياسية) فإن المخزن هو نظام للسلطة والتحكم، متجدر في البيئة الاجتماعية وهرمها، وهو ثقافة وسلوك وقواعد للعلاقات والتحالفات السياسية والاجتماعية وأشياء كثيرة أخرى.
4/ وفي نظر الحقوقي المغربي الأستاذ فؤاد عبد المومني: (في حوار معه) أن المخزن يرمز أيضا إلى احتكار واسع للسلط المادية والرمزية، وإلى هيكلة فضائها العام في محيط السلطة المركزية، وإلى ترتيب الفضاءات الاقتصادية على مدى قربها منه ومن مركزه ومحيطه.
5/ وفي نظر رجل السلطة العريق والمتجدر في “المخزنية” الصدر الأعظم على عهد السلطان المولى عبد العزيز، أحمد بن موسى المدعو (باحماد) أن المخزن خيمة كبيرة، عمودها المحوري وصاريتها التي ترفعها، هو السلطان وأوتادها التي تحيط بها وتشد جوانبها حتى لا تقلعها الرياح هم القياد/ رجال السلطة(8).

*

1 – إبراهيم أبراش/ من مستجدات الحياة السياسية بالمغرب.
2 – إبراهيم محمد زين/ السلطة في فكر المسلمين (الدار السودانية للكتب/ الخرطوم 1983)
3 – إبراهيم محمد زين/ السابق الذكر
4 – إبراهيم محمد زين/ السابق الذكر
5 – إبراهيم محمد زين/ السابق الذكر
6 – دلكن ميشيل/ معجم علم الاجتماع (ترجمة الدكتور إحسان محيي الدين) منشورات وزارة الثقافة والإعلام/ بغداد 1980.
7 – عادل بن حمزة/ المخزن والمؤسسات الاجتماعية (جريدة العلم/ 28 فبراير 2001 ص: 7)
8 – خطاب للصدر الأعظم أحمد بن موسى (باحماد) نقله الأستاذ الحسين اللحية في مقالة السلطان الذي يحكم على صهوة الجواد/ جريدة الصحفية (عدد 57/15 مارس 2002).

 

*عن صفحة

       محمد أديب السلاوي
      الجمعة 19 فبراير 2016