ظهرت الفلسفة الوجودية في منتصف القرن العشرين على يد مؤسسها الألماني مارتن هيدجر ( 1889* 1976) وفق عبدالرحمن بدوي في كتابه ( دراسات في الفلسفة الوجودية ) وأن كانت لها إرهاصات في منتصف القرن التاسع عشر على يد رائدها الدنيماركي سيرن كيركجر ( 1813*1855 )

والوجودية تعني بالأساس أن الوجود يسبق الماهية ” فماهية الكائن هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده، ولهذا هو يوجد أولاً، ثم تتحدد ما هيته ابتداء من وجوده ” وتنقسم الوجودية إلى قسمين رئيسين :

1- وجودية حرة.. 2- وجودية مقيدة ..الأولى حرة من كل المعتقدات الموروثة، أما الثانية فلتزم بعقيدة، ويمثل الأول منها هيدجر وجان بول سارتر أما الثانية فيمثلها كارل يسبرز وجبريل مارسيل.

من أهم مبادئ الوجودية الحرية، الإنسان حر يختار، “وفي اختياره يقرر نقصانه، لأنه لا يملك الممكنات كلها ” ” والذات الوجودية تسعى بين الإمكان وهو الوجود الماهوي وبين الواقع وهو الوجود في العالم “، والذات الوجودية تعلو على نفسها بأن تنقل من الممكن إلى الواقع ما ينطوي عليه، وفي هذا التحقيق تخاطر، لأنها معرضة للنجاح والإخفاق، ومن المخاطرة تولد ضرورة التصميم، وهذا التحقيق ضروري، ووفق عبدالرحمن بدوي أن القسم الأول وهو الوجودية الحرة يرى الوجود مأساة جاثمة لا معنى لها تأخذ بمخنق الإنسان أما القسم الثاني الوجودية المقيدة ترى الوجود هو الله الذي يسكننا. الأول يرى في الغير مصدر عذاب الذات، فيقول وفقاً لسارتر ( إن الجحيم هو الغير ) أما الوجودية المقيّدة، فتقول بالمشاركة والمحبة.

والقلق والمسؤولية وموقف الإنسان في العالم والفعل والانفعال بالإضافة إلى الحرية هي المعاني التي تنطوي عليها الوجودية، بل أن من المفكرين من يعتبر سقراط وبرمنيدس وأفلوطين في العصر اليوناني، والحلاج والسهروردي في العصر الإسلامي، والقديس أوغسطين في العصر الأوربي الوسيط، وبسكال في العصر الحديث، من أوائل من مثّل الفكر الوجودي من خلال حياتهم وأفكارهم التي طبقوها في معاشهم

ويعتبر سيرن كيركجور أول من صاغ مذهب الوجودية عندما أعترض على هيجل قائلاً ” لا يمكن أن يكون ثمت مذهب في الوجود ” ” والفلسفة ليست أقوالاً خيالية لموجودات خيالية، بل الخطاب فيها موجه إلى كائنات موجودة ” ويعقب بدوي على هذا بقوله بإن الفلسفة الحقة ليست بحثاً في المعاني المجردة، بل في المعاني التي من لحم ودم، فمثلاً ( الموت ) ليس مشكلة فلسفية بل المشكلة ( إني أموت )، إذن الذات الموجودة لا العقل المجرد هي التي يجب أن تكون العامل في إيجاد الفلسفة. وهذا يقضي إلى توكيد الفرد في مقابل المعنى الكلي، والفرد الذي هو الذات في مقابل الموضوعات الخارجية.

أن أهم خصائص الذات هو الاختيار بين الممكنات، ولكن الاختيار يقتضي الحرية، فلا اختيار حيث لا حرية، وهذا يتطلب المسؤولية، ولهذا وضع كيركجور الأسس الأولى للوجودية، فالإنسان بوصفه الذات المفردة، هو مركز البحث، وأحواله الوجودية الكبرى مثل الموت والخطيئة والقلق والمخاطرة وغيرها هي المقومات الجوهرية لوجوده، والحرية والمسؤولية هي المعاني الكبرى في حياته، وعلى هذه الأسس أقام هيدجر ثم يسبرز بناء الوجودية بعد أن تأثرا وفقاً لبدوي بمذهب الظاهريات الذي وضعه أدموند هسرل.

ويعتبر مصطلح الديزاين الذي سكه هيدجر من أهم المصطلحات الفلسفية التي بنى عليها هيدجر فلسفته والذي ترجمه عبدالرحمن بدوي بالآنية وهو الوجود – في – العالم، أي وجود الذات في عالم ليس إياها، وهذا العالم يبدو لها مجموعة من الأدوات تستخدمها الذات في تحقيقها لإمكانياتها، فلا وجود للأشياء إلا بوصفها أدوات. يقول كيركجور ” أن أجد حقيقة، حقيقة ولكن بالنسبة إلى نفسي أنا، أن أجد الفكرة التي من أجلها أريد أن أحيا وأموت “

والديزاين ” الآنية ” هي ( وجود – في ) أي انها محاطة أو في حالة تعين مع الغير، وهذا الغير يستولي على وجود الذات بما يفرضه عليها من أحوال وأوضاع، حتى لينتهي الأمر إلى أن تذوب الذات في الغير أو في الناس فلا تفكر الذات إلا كما يفكر الناس ولا تفعل إلا كما يفعل الناس، ولا تشعر إلا كما يشعر الناس، وهذا يفضي إلى ما يسميه هيدجر باسم ( السقوط ) والسقوط ضروري لأنه لا سبيل إلى التخلص من الناس، ولا وسيلة للفعل إلا في إطار ” الوجود – مع – الناس “. وفي هذا الوجود ” الزائف ” للذات تفقد وجودها الحق. على إنها تلجأ إلى هذا الوجود الزائف فراراً من الأحوال الوجودية الحقيقية التي تواجهها مثل الموت، والعدم. وغيرها من ضرورات الوجود.

إذن الافراد في الفلسفة الوجودية وحدهم هم المهمون، والوجود ذو طابع فردي، والإلتزام والمسؤولية من المبادئ المهمة في فلسفتها، وأن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فإن الإنسانية لا توجد، وإنما الممكنات الإنسانية الفردية الموجودة. والواقع الوجودي لا يقوم في الجنس أو النوع، بل في الفرد العيني. والكليات شأنها شأن الجماهير، هي تجريدات لا أيادي لها ولا أرجل حسب قول بدوي وأن يوجد معناه أن يكون فرداً، لكن أن يوجد معناه أيضاً أن يكون في عملية صيرورة وتغيّر، ولما كان يتضمن الفردية والصيرورة فإنه طبعا يتضمن المستقبل، وهذا المستقبل يولد القلق وعدم اليقين.

والطابع الأساسي للوجود الإنساني هو الهم : فالوجود الإنساني مهموم بتحقيق إمكانياته في الوجود وهو في حالة صراع مع الغير في العالم والذي يؤدي بدوره إلى التوتر وفي هذا التوتر يقوم المعنى الأعمق للحياة.