كان من الممكن أن ينتهي المعرض، وألا نجد في أكثر مناطق التشاؤم ما يمكن أن نسميه خالا أو شامة !
كان من الممكن أن ينتهي أبيض، بلا نتوء ، في اللون أو في المتعة…
كان من الممكن أن يحافظ المعرض الدولي للكتاب على روتينه الخاص، وأن نظل في المنطقة الحائرة: كيف نجعل من الكتاب العصري تحفة تنافس الكتاب التقليدي، وأن نحصي اعداد القادمين الجدد الى الاروقة، ثم نعود، بغير قليل من الكسل الى روتين التعاليق الجاهزة كموت في الطرقات؟.
كان من الممكن أن نخرج منه بطريقة متشابهة، ونغتنم ما بعده لكي نقرأ من جديد العناوين التي اشتريناها و نتحسر على التي أضعناها في زحمة الطواف بين الأروقة..
كان من الممكن أن نعد نقط الخلاف ونقط الاتفاق في معرض يحاول أن يكون محطة للتعددو الاختلاف، ويسقط، بدون سوء طوية في التكرار احيانا..
كان يمكن ألا نعلق على معرض سيعود في السنة القادمة، وبالاسماء ذاتها تقريبا وببعض الدرر.. وننتظر أن تزداد الثقافة سمنة أو نحافة حسب عدد المعروضات، ونقتسم ما نراه يليق بالارث الثقافي للعارضين..
لكن شاء قرار أمني ألا يكون ذلك، وأن .. نقرأ من جديد خيال «عيشة قنديشة» وهي تخرج من دواليب الادارة الترابية وتمنع المؤرخ معطي منجب من توقيع كتابه..!
أي حماقة هاته، تمنع مؤرخا من توقيع كتاب، بقرار إداري، وتدوس على الجهة المنظمة نفسها، وزارة الثقافة؟.
لم يخبرنا أي أحد ، لحد الساعة بأن الكاتب المؤرخ ممنوع من مواطنته،
وأن بينه وبين خياله الأدبي منطقة منزوعة المواطنة…
ولا أن جنسيته قد سقطت، بفعل تعاون خارجي أو بسبب فعل إرهابي هو الآن في علوم الغيب يتشكل مثل الغيوم!
لم يخبرنا أي أحد أن كتاب «عيشة قنديشة» تهمة تمنع صاحبها من دخول رواق دار نشر تقاوم من أجل ثقافة الاطفال.
ولا أن التوقيع على الكتاب يمكن أن يبعث «عيشة قنديشة» من خرافتها، وتخرج إلى بهو المعرض تتفرج على سحناتنا المذعورة.
لم نكن نعتقد بأن القنديشة التي تشتهي من تشاء من رجال الضفاف والبحارة المكتئبين، يمكن أن تعود إلى الحياة من جديد وتغري زماننا بتجره من حاضره الى ماضيه القريب، حيث يمكن أن يُمنع كاتب من توقيع كتاب!
المعضلة أن القصة لا تخلو فعليا من جانب خرافي:الكتاب الذي كتبه معطي منجيب، تلقي دعما من وزارة الثقافة، وجاء قرار المنع الترابي لتوقيع كتاب دعمته الوزارة!
وْهاذي ، حتى عيشة قنديشة ما ْتحلْهاش!!
لهذا نريد مقابلة خاصة معها لشرح الاسباب.
لهذا ايضا لا بد من أن نرفع حجم الغضب الى أعلى ما يمكن أن يسمح به العبث..
أحاول أن أصدق ولا أصدق: السلطات الترابية في الدار اللبيضاء تجتزيء تراب المعرض من التراب الوطني و وزمن المعرض من الزمن المغربي الحالي وتمنع كتابا للاطفال دعمته وزارة الثقافة المنظِّمة للمعرض!
أحاول ألا اصدق وأخمن، بدون توفيق بلاغي مُعْجِز،بأنه فصل غير مكتوب من القصة الخرافية..
وتعود بي الذاكرة الى المعرض الدولي للكتاب بالرياض…لثلاث سنوات خلت.
وقتها تزامن الحدث الثقافي مع صدور كتب جريئة ، بالنظر إلى مواضيعها ومضامينها، وبالنظر الى السياق السعودي الداخلي.. ومنها كتاب «الخلافات السياسية بين الصحابة، رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ»، لمحمد بن المختار الشنقيطي عن «الشبكة العربية للابحاث والنشر»، وأخرى عن نفس الدار يدور حول الدولة والوهابية والقبيلة ومنها «السعودية: الدولة والمجتمع:محددات تكّون الكيان»…والسعودية: السياسي والقبيلة أضافة الى كتاب بعنوان مفاجيء في معرض الرياض«الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة ».
وقتها أخبرنا المسؤولون عن دار النشر، وكنا مجموعة من الصحافيين المغاربة ضمن الوفد، بأن قرارا عطل عرض الكتب إياها، وأنه كان عليهم انتظار ثلاث ساعات الى أن اتخذ وزير الداخلية قرارا بالترخيص لها وإلغاء قرار إدارة المعرض!
فكيف نفكر، نحن في منع توقيع لمغربي مؤرخ معارض أو مساند للدولة أو لوزاراتها ، والحال أن كتاب «عيشة قنديشة» للاطفال لن يكون خطيرا الى الحد الذي يهدد توازن المجتمع؟
اللهم اذا كان هناك من يعتقد بأن «عيشة قنديشة» يمكنها أن تعود، وكما تقول قصتها لتهدد أسس الدولة.!
و إذا صدقنا المنع، فعلينا أن نعلن للأطفال، بأننا نصدق بأنها تفتن الرجال بجمالها وتستدرجهم إلى وكرها حيث تمارس الجنس معهم ومن ثم تقتلهم فتتغذى على لحوم ودماء أجسادهم…
ونصدق بقناعة الأطفال بأنها تخاف من شيء واحد وهو اشتعال النار أمامها،
وأن علينا أحراق عمائمنا أمامها
وبطائقنا الوطنية …
وأعصابنا ايضا، فذاك هو السبيل الوحيد للنجاة منها!
وعلينا أن نصدق بأن عيشة قنديشة، هي الرواية المغربية لقصص خرافية في العالم، مشابهة لأسطورتها:
– أسطورة أم الدويس في الخليج العربي
– وأسطورة النداهة في مصر
-وأسطورة ذات الفم الممزق في اليابان
وكلها تلتقي في عنصر الإغواء الأنثوي وعنصر الرغبة في القتل والجنس…… وعنصر المكان الذي يكون عادة نائياً … مثل المعرض الدولي للكتاب!
كان يكفي المسؤول الذي اتخذ القرار أن ينقر على «ويكيبيديا» ويقرأ، ما روته عن بول باسكون ، وسيشعر بأن قراره سيعيد إحياء الاسطورة من جديد، ويعيد الناس الى أجواء إحراق الكتاب بإحراق يد الكاتب.
كان سيقرأ مثلا فقرة من هكذا نوع:«لا ينحصر تداول هذه الأسطورة في أوساط العامة فقد كتب عالم الاجتماع المغربي الراحل بول باسكون عنها في كتابه أساطير ومعتقدات من المغرب حيث تتداول أوساط العامة أسطورة تحكي كيف ان أستاذا أوروبيا للفلسفة في احدى الجامعات المغربية كان يحضر بحثاً حول عيشة قنديشة فوجد نفسه مضطراً إلى حرق كل ما كتبه حولها وايقاف بحثه ثم مغادرة المغرب، بعدما تعرض لحوادث عدة غامضة ومتلاحقة».
وربما سيسأل: هل قراري لن يفسر كما لو أنه دعوة الى حرق الكتاب الذي كتبه مؤرخ للاطفال عن قنديشة!
فأي مكر بيروقراطي هذا يجعل الدولة رهينة أسطورة لم يعد يصدق أحد أنها تحرق كتابا عنها؟
أي مكر هذا الذي يجعلنا نحتفظ من المعرض كله بقصة مطاردة الساحرة «عيشة قنديش» في شخص كاتبها؟..

*رسالة

   عن

         السبت 20 فبراير 2016