تطرح السنوات الخمس التي تفصلنا عن جذوة الحراك المغربي، المسافة التي قطعتها البلاد، منذ ذلك الحين، في تفعيل بنود التوافق الوطني الذي نتج عنه، والذي ترجمه ، أولا الحوار الوطني المتعدد الأطراف حول الدستور، ثم التصويت الساحق عليه، وما ترتب عنه من تدبير سياسي ومؤسساتي كان من المفترض أن يواصل التوجه نفسه ويتابع إعمال نفس جدول الأعمال والذي يلخص في »الانتقال الديموقراطي«.
ولنا أن نطرح سؤالا استشرافيا :هل كان من المتوقع، تاريخيا ووظيفيا أن ينجح من كانوا معارضين للحراك المغربي وحيويته بل استعدوا الدولة عليه، بوهم أنه جزء من أجندات أجنبية، هل كان من الممكن أن يحرصوا على تفعيل مقتضيات هذا الربيع ، وجدولة أهدافه، بما يجعلها حقيقة وطنية، سياسيا ومؤسساتيا وديموقراطيا؟
إننا نطرح السؤال ونترك للرأي العام أن يحكم على درجة تطور الممارسة السياسية في البلاد ومدى الجدية في شعارات محاربة الفساد والاستبداد التي كانت قوام الخطة السياسية للعديد من القوى، ومحاكمة برنامجها وصدقيته على ضوء المنجز ميدانيا؟.
– لا يمكن أن نقرأ الحدث، ونحن نحتفي بالسنة الخامسة لهذا الحراك، من زاوية غير زاوية التراكم الإيجابي الذي حققته البلاد في مسيرتها العامة، ولعل من مميزاتها الشروع، قبل الحراك في تجويد المناخ الديموقراطي وتأصيل فكرة الإصلاح في النسيج الوطني، إداريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا …إلخ .
وقد كان الاتحاد في صلب هذا المجهود الوطني، ولسنا نجانب الصواب إذا قلنا إنه كان الحزب الوحيد الذي وضع مشروعا متكاملا للإصلاح الدستوري في البلاد قبل الحراك المغربي، وهو قد استشعر الحاجة إلى ضخ هواء جديد في منظومتنا السياسية ، واستعادة النفَس الإصلاحي الذي بدأ مع التحولات العميقة التي عرفها العالم آنذاك (مع نهاية الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشرقي)، وتمكين البلاد من تناوب سياسي فتح الآفاق الجديدة للإصلاح.
– كما ربحت البلاد رهانها بأن جنَّبتْ نفسها السقوط في منطق الاستحالة السياسية للبحث عن حلول سياسية سلمية للخلافات والقضايا الإشكالية في السياسة الوطنية، ومنها الإصلاح الدستوري.
ومن هنا جاء التقدير الدولي الكبير لأسلوب المغرب وتفاعله مع تقلبات المحيط، ومع ديناميته الداخلية.
وما زال على بلادنا ضرورة تدبير تبعتات التقلبات المذكورة والتطورات التي عرفها المحيط الاقليمي والاستراتيجي للمغرب، سواء في شمال إفريقيا أو في جنوب الصحراء، ناهيك عن تطورات الوضع في قلب الشرق الأوسط. وهو ما يفرض على بلادنا تقوية قدراتها وتحصين استقرارها لكي تقدر على تدبير التطورات المتلاحقة والمعقدة في القريب والبعيد على حد سواء.
– وهذا ما يطرح في النهاية تجديد التعاقد الذي تم في البلاد بإرادة ملكية واضحة لا غبار عليها وباستجابة شعبية قوية ، من أجل الاصلاح وتعميق الخيار الديموقراطي وإنجاح الحلقات الأخيرة من الانتقال نحو الديموقراطية، وفي قلب هذا الهدف هناك ولا شك الإصلاح السياسي والمؤسساتي وفي صلبه إصلاح المنظومة الانتخابية من ألفها إلى يائها، حتى تستقر البلاد على قواعد لعب نهائية ومستقرة تضمن سلامة العمليات السيادية ، وتعزز الثقة في المسلسل السياسي برمته.
إن حراك 20 فبراير هو في البدء والمنتهى، حالة ذهنية تواقة للإصلاح وتحسين جودة المؤسسات وتنقية العلاقة بين الفاعل السياسي والمجتمع، على قاعدة الديموقراطية والتشارك والفصل بين السلط وتقوية المناعة البرلمانية للقرار السياسي..

*رسالة

                          السبت 20 فبراير 2016