وحيد مبارك

في مثل هذا اليوم من سنة 2011، وبعد أن احتضن الفضاء الأزرق لموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» دعوات للاحتجاج والتعبير عن الغضب السلمي، ورفض جملة السياسات التي تم وصفها بكونها زادت في تفقير المغاربة والرفع من منسوب معاناتهم اليومية، واستهداف حقوقهم الإنسانية، الدستورية، الاجتماعية، المادية والمعنوية، في سياق عربي يوحده الاحتجاج، صدحت حناجر يافعين، شابات وشبان، مواطنين من مختلف الأعمار، في الشوارع العامة عاليا، هتفت مرددة شعارات للمطالبة بالحرية، الكرامة وبالعدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتغيير الدستور، من أجل ربيع ديمقراطي، تهبّ نسماته العليلة على كل الحالمين بغد أفضل.

مسيرات خرج فيها البعض بخطو متردّد، والبعض الآخر بأمل متجدّد، وبينهما مسافات من المشككّين والمخوّنين، ممن هاجموا الحركة من أجل وأدها في مهدها، ومن أرادوها لها الهلاك وأن تزيغ عن مساراتها، وتحيد عما رُسم لها، وآخرون كانوا حالمين بأكثر من السقف الذي رفعته أرضيتها المتمثل في الملكية البرلمانية، وأرادوا أن تكون غاية ومطيّة ليدركوا بها ما ظلّوا يمنّون به النفس لسنوات دون أن يحققوا منه ولو نسبة ضئيلة! احتجاجات تطور شكلها، وذاع صيتها، وانتشر مداها وصداها، رفعت من وتيرة احتجاجات فئة معينة، ونتيجة لها قضى البعض، وسجن البعض الآخر، فالحراك العشريني، كسر حاجز الخوف، وصالح فئات عريضة من الشعب المغربي مع شارعهم الذي تشبثوا بشرعيته في مواجهة كل أشكال التدخلات الأمنية التي كانت تحول بين الفينة والأخرى دون استمرار التظاهر، مستعملة لغة الهراوات التي كانت تنهال على الأجساد، كما هو الحال بالنسبة ليوم 13 مارس، على سبيل المثال لا الحصر، على مستوى زنقة أكادير بالدارالبيضاء.
نضال عشريني اتخذ في العاصمة الاقتصادية شكل وقفات بساحة محمد الخامس المعروفة بساحة «لحمام» وبساحة «نيفادا»، وتُرجم إلى صيغة مسيرات تمركزت في البداية بوسط المدينة، واتخذت لها مسارا ما بين ساحة النصر ومحج الحسن الثاني، قبل أن تتخذ الجموع العامة قرارات بالنزول إلى الأحياء الشعبية، بكل من البرنوصي، الحي المحمدي، درب السلطان، اسباتة، سواء على شكل وقفات أو مسيرات، التي لم تخل من «مفاجآت» لم تكن بالضرورة سارّة، دون إغفال الورشات التكوينية والندوات الصحافية والأوراش البيئية، التي كانت مناسبات لإفراز منتوج نضالي بنفس فكري وبعد فني.
خروج العشرينيين إلى الشارع في اليوم الأول، قابله تحفظ سياسيين وأحزاب، في حين انبرى آخرون لمهاجمتهم، فدُبّجت البيانات، وتوالت المداخلات في التجمعات الحزبية واللقاءات الإشعاعية التي وضعت بين مناضلي بعض التنظيمات وشباب 20 فبراير الحواجز والمسافات، وكال لهم بعض هؤلاء «الفاعلين» و «النخب» جملة من الاتهامات، وإن انقلبوا اليوم وباتوا يهددون ويتوعدون بلسان عشريني، وكأن التاريخ هو بدون ذاكرة أو عبارة عن مريض مصاب بمرض «الألزهايمر»!
واليوم، وبعد 5 سنوات من مسار نضالي متميز، ودون الخوض في العوامل التي أدت إلى خفوت وهج حركة 20 فبراير، التي توارى بعض «قادتها»، مقابل استمرار آخرين وظهور شباب جديد، ودون الوقوف على مسببات طلاق بعض المكونات بها، سواء بنواتها «الصلبة» أو تلك التي ووجهت لحسابات ما، فإن النفس العشريني ما يزال حاضرا، وإن كان بدرجات متفاوتة، وروح الاحتجاج هي تعرف تناميا في دواخل فئات عريضة من الشعب في صمت أو من خلال سيناريوهات مختلفة، وما الاحتجاجات القطاعية التي قادها طلبة كليات الطب والصيدلة، والأطباء الداخليون والمقيمون، والممرضون، والأساتذة المتدربون، وسكان شمال المملكة ضد «أمانديس» وغيرها، هذا الوعي الاحتجاجي الذي يزيد من تعاظمه سياسات لاشعبية تستهدف حقوقا دستورية ومعيشا يوميا لشرائح عريضة من المغاربة، هو في حاجة إلى إعادة فتح نقاش مؤطر، عكس ما يتم ترديده من محاولة إحياء تجربة بالاعتماد على حنين ورغبة نوستالجية من البديهي أن تتسبب في تيه وإخفاق قد يزيد من تأزيم اللحظة.

الشبيبة الاتحادية تدعو إلى إحياء الذكرى الخامسة
دعت الشبيبة الاتحاديات جميع المناضلات والمناضلين، إلى الانخراط التام والمبدئي، في كل الأساليب النضالية والحركات الاحتجاجية الرافضة لضرب مكتسبات وتراكمات الشعب المغربي، وإلى المشاركة الفعالة في إحياء حركة 20 فبراير الصامدة، التي جددت المطالبة بقيم كانت الشبيبة الاتحادية دائما في طليعة المناضلين لإحقاقها.
وفي بيان صدر عن اجتماع كتابَ فروع الشبيبة الاتحادية المجتمعين يوم السبت 13 فبراير 2016، بمقر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالرباط، أكدت الشبيبة على مواصلتها دعم الأساتذة المتدربين في نضالاتهم ضد «حكرة» وتعنت الحكومة المغربية، مشددة على أن نجاح النموذج الديمقراطي المغربي رهين بمدى احترامه للمبادئ الموجهة للديمقراطية وأهمها التشبيب خصوصا أن الشباب كفئة عمرية تعتبر أساس أي إرادة جادة لتحقيق التنمية. كما نبه البيان لخطورة وضبابية مآلات البلد نتيجة ارتجالية الحكومة المغربية في تدبيرها لمجموعة من القضايا الاجتماعية، وطالب بالمناسبة بالإفراج الفوري عن عضو الشبيبة يوسف بلدي المتابع على خلفية جريمة قتل واهية، اتضح في جلسة محاكمته الأخيرة أنه لا دخل له فيها.
وكان اجتماع كتاب فروع الشبيبة الاتحادية قد تميز بالكلمتين التوجيهيتين لكل من سفيان خيرات ومحمد درويش، عضوي المكتب السياسي، اللذين أوضحا رؤية المكتب السياسي بخصوص العديد من الملفات المطروحة على الحزب وعلى البلاد، أعقبتهما كلمة المكتب الوطني، حيث تم بعدها التداول في مجمل القضايا التنظيمية والسياسية التي تهم المنظمة عبر نقاش مفتوح همّ بشكل مستفيض الوضع السياسي المغربي المشحون والمتأزم والمتجه نحو تكريس النزعات المخزنية الهادفة إلى الهيمنة والسيطرة على الفعل والمشهد السياسي المغربي عبر تمييعه وإفساده خدمة لمصالح فئات صغيرة وعلى حساب الكادحين والفقراء من أبناء هذا الشعب، وكذا الوضع الاجتماعي الذي ازداد رداءة نتيجة السياسات اللاشعبية لهذه الحكومة الإخونجية المذهب والمطبقة بشكل تام لإملاءات المؤسسات المالية العالمية،هذا الوضع الذي أدى إلى احتقان اجتماعي رهيب كان عنوانه ولا يزال العديد من الحركات الاحتجاجية لمجموعة من الفئات الاجتماعية، ثم واقع الشبيبة المغربية المغرقة في دوامة التجهيل والتفقير والتعطيل والاستلاب من أجل إبعادها عن مصالحها الحقيقية ودفعها للابتعاد عن الممارسة السياسية في شموليتها عبر خلق انطباع عام مموّه أساسه أن السياسة ليست إلا مظهرا للانتهازية ومنبعا رئيسا للريع.

مسيرة من الرباط
فرع الرباط لحزب النهج الديمقراطي، دعا بدوره إلى تخليد مرور خمس سنوات على انطلاق حركة 20 فبراير، داعيا إلى المشاركة في المسيرة، التي تبنّتها حركة 20 فبراير، بالعاصمة الإدارية يومه السبت 20 فبراير انطلاقا من الساعة الثالثة زوالا من ساحة «باب الأحد». وشدّد الحزب في دعوته لمناضلاته ومناضليه، وكل القوى الديمقراطية، والحركات الاحتجاجية المتضررة من السياسيات اللاشعبية، على المشاركة المكثفة في هذه المسيرة تأكيدا على ما أسماه «استمرار نضال الشعب المغربي من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والمساواة وضد الفساد والاستبداد». وهي الدعوة التي توافقت والنداء الذي وجّهه فرع الرباط للجمعية المغربية لحقوق الإنسان لنفس الغاية والتي تتمثل في المشاركة المكثفة بنفس المسيرة، الذي أكّد بدوره على أن هذه الذكرى تتزامن مع إحياء المنتظم الدولي لليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وبأن جوهر المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير لم يتحقق حتى الآن، مشددا على أن هذه اللحظة هي «فرصة للنهوض بالحركة وتقويتها والعمل بروح وحدوية للتصدي للاستبداد والظلم والقهر والفساد، والنضال من أجل بناء الدولة الديمقراطية، دولة حقوق الإنسان التي تتحقق فيها الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية بين المواطنات والمواطنين، والتي تحترم فيها جميع الحريات للأفراد والجماعات، وتتحقق فيها كل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية».

بدورها الجبهة الوطنية الموحّدة ضد البطالة، دعت إلى تنظيم مسيرة بالرباط يومه السبت، في نفس المكان والتوقيت، داعية إلى تشكيل جبهة وطنية موحدة ضد سياسات الحكومة اللاشعبية واللاجتماعية، التي اختارت الانصياع التام لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وتطبيق سياساتها وتوصياتها الرامية على الإجهاز على كل المكتسبات التي تمت مراكمتها، مؤكدة أن المطالب العمالية والشعبية العادلة والمشروعة التي تم التعبير عنها في مسيرات واحتجاجات 20 فبراير لها راهنيتها اليوم في ظل ما وصفته بالجنوح الحكومي نحو تفكيك أنظمة التقاعد عبر مثلث إصلاح مشؤوم قائم على الرفع من سن التقاعد والرفع من مساهمات الموظفين وتخفيض المعاش، مع كل ما يعنيه ذلك من إجهاز على مكتسبات الموظفين في التقاعد، وحرمان لآلاف المعطلين من حقهم في التوظيف وفي تعويض الموظفين المتقاعدين، فضلا عن المراسيم التراجعية التي تسعى إلى تفكيك الوظيفة العمومية وشرعنة العمل بالعقدة، وتفكيك النظام الأساسي للوظيفة العمومية، والذي من أهم تجلياته المرسومين المشؤومين الخاصين بالأساتذة المتدربين.

ووقفة بالدارالبيضاء
نشطاء فبراريون وبعد اجتماعين لهم بحر هذا الأسبوع، قرروا تفعيل دور اللجان والاتفاق على موعد لإحياء الذكرى بساحة «ماريشال» انطلاقا من الساعة السادسة من مساء يومه السبت، في خطوة لإعادة الصلة بالروح العشرينية، والتواصل مع عموم المواطنين الذين سيتواجدون بهذا الفضاء، بغاية التعريف بظروف ونشأة الحركة، وبوضعيات المعتقلين السياسيين، وفتح نقاش حول القضايا الحقوقية وموضوع الحريات بالمغرب، وغيرها من الملفات التي تتطلب نقاشا مجتمعيا نتيجة للردة التي تحكمت فيها والمسار النكوصي في هذا الباب.

وفاء لذكرى فبراير
الناشطون في الحراك العشريني التأموا في مناطق عديدة على امتداد ربوع المملكة، واختار عدد منهم المشاركة في مسيرة الرباط، كما هو الحال بالنسبة لتنسيقية القنيطرة، التي ستعاود الخروج يوم 23 وتنظيم وقفة بساحة النافورة، على أن تعقد جمعا عاما يوم فاتح مارس، متبوعا يوم دراسي لمناقشة آفاق الحركة بالمدينة يوم الأحد 6 مارس.
وذهب أغلب الناشطين في مجموع التنسيقيات إلى الخروج في الأماكن التي شهدت أول احتجاج عشريني للحركة في 2011، كما هو الحال بالنسبة لبني ملال التي من المرتقب أن تنظم بها مسيرة جهوية على مستوى ساحة المسيرة، بعد وقفات يوم السبت 20 فبراير، وهي الأشكال التي تروم إعادة إحياء الروح العشرينية التي ما تزال كامنة في صدور العديدين مترقبة لحظة شهيق عميقة واسترجاع للنفس النضالي الذي لم يخب وهجه.

لحظة 20 فبراير جعلت المشهد السياسي أكثر وضوحا

لا يمكن الحديث عن تقييم حقيقي لمآلات الحراك إلا بعد أن نعطي لأنفسنا، نحن من عايشنا هذه المرحلة بكل تفاصيلها، مسافة من الموضوعية وزمنا سياسيا يسمح برؤية كل الأحداث، القرارات والنتائج، التي لم يحسم في تحقيقها بعد. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن لحظة 20 فبراير، هي لحظة تاريخية في حياة المغرب المعاصر، وبأن هذه اللحظة سرّعت الكثير من القرارات المصيرية في المغرب، ولكن الأهم أنها جعلت المشهد السياسي أكثر وضوحا، وجعلت الفرز يُظهر المواقف الحقيقية لكل الأطراف والقوى، كما أنها كانت عنوانا على ذكاء الحكم وحنكته في تدبير الأزمات، وقدرته على توجيه النخب والفاعلين وصناعة نوعية الصراع الذي يريد.
تبقى كل هذه الأفكار مجرد ملاحظات بسيطة، قد تكون غير علمية، لكن ربما هي فقط بعض الخلاصات التي تراها العين المجردة. فبالنسبة لي من أجل المراكمة، لأن ذلك الحلم مازال قائما، وما يزال هناك أمل كبير في تحقيقه، رغم كل التبريرات التي يعطيها البعض، من أجل إحباط هذا الجيل الذي كذّب كل الفرضيات والأطروحات التي آمنت بعجزه و كسله، والتي معها يتعين علينا أن:
نطالب أولا بمصائر تلك الأرواح التي فقدناها أيام الحراك والتي لم يعد يتحدث عنها أيا كان.
ندعم كل المبادرات الراغبة في التغيير والتي تلتقي في إحدى أهدافها مع مطالبنا.
نقاوم الاحتواء وتلك الأفكار التي أصبح الكل مسلّما بها لتدجيننا.
نقاوم كل فكر متطرف ومتعصب ونحترم تعددنا وتنوعنا وحق كل منا في الوجود.
نحافظ على تلك الهوية المتمردة والرافضة للاستسلام والخنوع والمتشبثة بأن غد التغيير قائم.
نقتنع بأن الحركة هي حركة سياسية جريئة قادرة على الحفاظ على نسبية استقلاليتها، ومرتبطة بالشريحة المعنية، ومعبرة عن مطالب المرحلة.
وما دون ذلك، فلن نجد أنفسنا إلا في دوامة إعادة إنتاج نفس نمط الاستبداد بأشكال متورطة وفي خدمة أجندة معينة قد تكون أحيانا غير وطنية.

20 فبراير: الذكرى والأمل

لن تختلف أن مغرب ما بعد 20 فبراير ليس هو ذات المغرب قبلها، وبالمقابل لا بد أن نقر بأن دينامية النضال والانتصار للقضايا العادلة لم تنطلق مع الحركة ولم تتوقف مع توقفها، فهي لم تكن بالحراك، لكنها ألهمته وغدت شرايينه، واستطاعت أن تكسر جدار الخوف، مما اضطر معها النظام السياسي إلى لعب أوراق كانت مؤجلة إلى حين.
20 فبراير لحظة وحركة أثبت فيها الشباب نضج الاعتراف بالآخر، والقبول ببعض المشترك، مع القدرة على قسمة التضحيات، هذه الحركة التي تنكّرت لها أحزاب، وتيارات، وقيادات، وهي التي لم تستحي اليوم أن تنسب جلبابها للحركة. ونحن اليوم في ذكراها الخامسة نقف لها ولمناضليها ولشهدائها تقديرا واحتراما وإجلالا.
نعم لم يكن بالإمكان تحقيق أكثر مما تحقق من حركة 20 فبراير وذلك بعد استحضار السياقات وحجم التحالفات وعمق الالتفافات وطبيعة الانتظارات. لقد أخفق الفاعل السياسي للشأن العام في استثمار مخرجات الحراك وفي الدفاع عن مكتسباته، وهو أمر منتظر، فمن أنفق قبل الفتح ليس كمن أنفق بعده، ومن لم يجب شوارع المدن هاتفا بشعارات الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية لا يطمع فيه أن يكون مترافعا عليها.
الأكيد أن الحراك لن يتوقف، والأكثر تأكيدا أن شباب الوطن قد نفض عنه «الغبار»، ومن أراد التأكد فليراجع حراك الأطباء والطلبة الأساتذة، والأشد ملحاحية هي كون المغرب في حاجة لجهود جميع أبنائه، أما لغة الإقصاء وفقه الالتفاف فسيزيد الطين بلّة.

«حراك بغير رؤية هو محض تنفيس للضغط»

نعيش اليوم الذكرى الخامسة لميلاد حركة 20 فبراير، التي شكلت لحظة تاريخية في مسار نضالنا الوطني الديمقراطي التقدمي، وهي ذكرى وإن كانت تحرك فينا كمناضلين سابقين في الحركة نوعا من الحنين النوستالجي، فإنها لحظة تقتضي تقييم الحركة وإعادة النظر في مآلاتها على ضوء كل التحولات التي عاشتها الدولة والمجتمع منذ «الحراك المغربي».
لقد جاءت حركة 20 فبراير في سياق ما عرفه العالم العربي من «رجّات ثورية»، وحراك شعبي سياسي واجتماعي، أطرته الثلاثية الجدلية الشهيرة «كرامة – حرية – عدالة اجتماعية»،
وبحكم أن المغرب لا يشكل استثناءا ضمن مستنقع الاستبداد واللاديمقراطية والسلطوية الذي تعيش فيه المجتمعات العربية، فإن 20 فبراير كانت مشتلا حقيقيا لإفراز حركة احتجاجية اجتماعية بأرضية تأسيسية مطلبية سقفها السياسي هو إقرار ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، خاصة وأن المغرب آنذاك، كان يسير في طريق النموذج التونسي القائم على حكم حزب الدولة والتحكم في مفاصل المجتمع والحقل السياسي. فالحركة وإن كانت قد أخطأت في تقديرها السياسي للحظات أساسية في مسارها خاصة لحظتي الاستفتاء على الدستور والانتخابات التشريعية، فإنها قد فتحت الباب لنـثر بذورها في مجالات متعددة ثقافيا واجتماعـيا وسياسيا وهو ما تمثل في المبادرات والدينامـيات الشبابية التي انخرط فيها الشباب العشريني بعد خفوت الحركة.
إن اللحظة السياسية التي نعيشها اليوم مع كل التراجعات السياسية والحقوقية منذ 2011، تقتضي منا كمناضلين عشنا تجربة الحراك العشريني، وفاعلين سياسيين، الفهم العلمي الدقيق لأي تجربة نضالية سابقة بروح نقدية تؤمن بفكرة وروح 20 فبراير، وتعتبر ولادتها من جديد بأساليب بالية ضرب من تكرار أخطاء الماضي، لذا فإن بناء حركة اجتماعية جديدة بنفس احتجاجي تتطلب منا صياغة تصور سياسي مرحلي واضح وواقعي وأرضية مطلبية تلائم تحولات الحقل السياسي والمجتمع بعد خمس سنوات، وتجعل من عملية الولادة الجديدة أفقا نحو التغيير الديمقراطي السلمي، وإلا سنسقط فيما قاله المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه «السلطة والمعارضة: المجال السياسي العربي المعاصر (حالة المغرب) «وما أغنانا عن القول إن حراكا بغير رؤية محض تنفيس للضغط».

حركة 20 فبراير …كفاح مستمر !!
تعيش حركة 20 فبراير في المرحلة الراهنة خفوتا نسبيا، يظهر جليا في تراجع التخليد للذكرى في العديد من المدن، إذ أعلنت، لحدود اللحظة، أكثر من عشرة تنسيقيات .. عن برامجها لتخليد الذكرى الخامسة، بكل من الدارالبيضاء، الرباط، طنجة، بني ملال، القصر الكبير،الجديدة والقنيطرة….الخ..
لكن من المبكّر ومن باب التهور أن نجزم بنهاية الحركة أو توقفها، فحركة 20 فبراير ليست بتنظيم سياسي ليتم حلها، وإنما هي وعاء وإطار لكل الشعب المغربي، تعبر عن طموحه في التحرر والانعتاق من نير الاضطهاد والاستغلال الفاحش الذي يتعرض له، ومادام الاستغلال قائم، فمقاومة الجماهير الشعبية مستمرة كذلك. وهي امتداد لانتفاضات الشعب المغربي التاريخية ومقاومته الباسلة للاستعمار وعملائه، ومثلما لم تنته هاته المقاومة إلى يومنا هذا، فالحركة كذلك لن تنتهي بدورها أبدا، بالرغم من كل ما يروّج له خصومها.. وهذا لا يعني أنها لا تعرف موجات مد وجزر، وإن كان من الجلي أنها تعيش في المرحلة الراهنة وضع جزر، فهذا راجع للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية، في مقدمتها الدور التخريبي الذي لعبته بعض الهيئات «الحزبية والنقابية» التي عملت على احتواء الحركة وتوجيهها من الخلف بما يخدم مصالحها الضيقة بعيدا عن الأهداف الحقيقية، والآن تعميقا لهذا الهجوم، بدأت في خلق إطارات موازية لتشتيت لحمة الحركة، واستقطاب الطاقات المناضلة لها.. ليظهر جليا أن التشبث بالحركة لم يكن إلا لغوا وكلاما فارغا، وإلا بما سنبرر إفراز كل هاته الإطارات، حيث كان من المفروض تركيز كل تلك الطاقات داخل الحركة وليس خارجها.
وحتى لا نكون ممن يكتفون بالقاء اللوم على الغير، لا ننكر أن شباب الحركة في مجملهم، لم يكونوا من ذوي التجارب السياسية، إذ أفرزهم الحراك وبدؤوا مشوارهم النضالي للتو، وهذا الضعف النظري والتنظيمي سهل احتواء الحركة وليّ عنقها، وأؤكد ليس قتلها.. فالأوضاع والبواعث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت خلفية لبروزها لازالت قائمة، بل تعمقت بشكل خطير، وأبناء الطبقات الكادحة، وفي مقدمتهم المعدمين من أبناء العمال والفلاحين لازالوا حاضرين، وما تشهده المدن المغربية من حركات احتجاجية ومسيرات شعبية كل يوم، في تحد لكل أشكال القمع، لخير شاهد على ذلك. وفي الأخير أؤكد كناشط في حركة عشرين فبراير تشبثي بالحركة، واستمراري في النضال ضمن صفوفها إلى غاية تحقيق أهدافها.

*عن جريدة 2

       السبت 20 فبراير 2016