كل المؤشرات تؤكد اليوم استمرار التفكك السياسي في منطقة الشرق الأوسط. لا زالت مجموعة من الدول تعاني الحروب وويلاتها. إن تطور الصراع العنيف في كل من اليمن وسوريا والعراق لا تبشر اليوم باقتراب مرحلة خلق التحول في اتجاه البناء الديمقراطي. وعدد ضحايا هذا الصراع الإقليمي الدموي العنيف في تزايد مستمر، يعرف العالم تطورات سياسية جديدة، تطورات تعطي نوع من الانطباع وكأن إيديولوجية النظام العالمي الجديد، ذات القطب الواحد، لم يكتب لها الاستمرار بنفس الحماس السياسي الذي تلا إعلانها في عهد جورج بوش. كل المتتبعين يقرون اليوم نشوب حرب باردة جديدة، لكن هذه المرة في إطار شعارات موحدة بتعبيرات متنوعة مرتبطة بالديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق.

لقد تطورت الأوضاع بسرعة حيث ساهمت صراعات الأمس إلى ظهور داعش في منطقة الشرق الأوسط. لقد عرف العالم أحداثا مأساوية ساهمت في ظهور التطرف والنزعة الجهادية المسلحة وأصبحت السلط المضادة مرتبطة أكثر بظاهرة الرجوع إلى النزعات الهوياتية بشقيها العقائدي والمذهبي والطائفي والعشائري …. لقد تم سحق الثورة الشيشانية من طرف روسيا… وتم التدخل بقوة في أفغانستان والعراق من طرف أمريكا… وعرف العالم قبل ذلك أزمة البوسنة والهرسك والأزمة الجزائرية… وأزمة سراييفو…. وأعلن أبو بكر البغدادي تأسيس تنظيم الدولة الإسلامية في ظرفية جد حساسة…. وتم ربط ما يسمى بالبترودولار بنشر الأصولية العنيفة أو ما تم نعته بالإسلاموفوبيا…. المثير في كل هذه التطورات هو نقل نتائج كل هاته الصراعات التاريخية إلى منطقة الشرق الأوسط بحيث ساهمت الأهداف الجيوستراتيجية للدول العظمى واعتباراتها المتناقضة في اشتداد حدة العنف لتصبح سوريا ميدانا للاقتتال وتراب شمالها منطقة جد حساسة قد تؤثر لا محالة على مستقبل العلاقات الدولية في الشهور القادمة… فنيران الحرب تتفاقم، وأوضاع الجالية العربية والمغاربية في الغرب تزداد صعوبة… بل أكثر من ذلك، يرى المتتبعون أن الهجوم الإعلامي والشعبي غربا على المسلمين قد يساهم في تقوية النزعة الأصولية…

إن النجاح الذي حققه أكراد العراق في بناء فيدراليتهم العرقية حول الخلاف في المواقف في شأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا إلى مصدر خوف للمعسكر السني. فأمريكا تعتبر تركيا حليفا استراتيجيها، لكنها تختلف معها ولا تعتبر هذا الحزب منظمة إرهابية. في نفس الوقت تعددت التصريحات والتصريحات المضادة في شأن الالتقائية في موقفي أمريكا وروسيا في شأن هذا الحزب، التقائية يرى المتتبعون أنها تقوي حظوظ نظام الأسد في تحقيق التفوق على المعارضة.

لقد تفاوضت أمريكا من قبل مع أكراد العراق قبل الإطاحة بنظام صدام احسين، وتذمرت تركيا من لقاء كوباني، ويزداد انزعاجها كلما تم ترجيح تحقيق حلم الشريط الكردي الذي وعد به بوتين أكراد سوريا… كل هذه التطورات جعلت تركيا والمملكة العربية السعودية ترى في الحرب البرية (رعد الشمال) السبيل الوحيد لحماية الأمن القومي التركي، ولقلب الكفة لصالح المعارضة السورية.

ومنطقة الشرق الأوسط تعرف هذا الدمار الشامل، كل المتتبعين يتساءلون متى سيتم إنضاج شروط خلق التحول في بلدانها المتضررة في اتجاه البناء الديمقراطي. لقد دعونا غير ما مرة إلى ضرورة انفتاح الشعوب العربية والمغاربية والفارسية والعثمانية على الثقافات الكونية، والاستفادة من المسار التحديثي والتقدم التكنولوجي الكونيين، والبدء في المفاوضات في شأن تأسيس وحدة اقتصادية إقليمية، لكننا نرى في نفس الوقت أن موعد خلق التحول وإعادة إعمار الدول المتضررة يجب يكون قريبا جدا لوقف استمرار التفكك السياسي في المنطقة بروافدها السنية والشيعية والعثمانية…نقول هذا لأننا نرى من الصعب أن يكون التطور التاريخي للمادية المدعومة روحيا سببا مباشرا في تقوية مشاريع بديلة بدون أسس فكرية وإيديولوجية.

المطلوب اليوم من القوى الدولية الإسهام بكل الوسائل في إعطاء الانطلاقة لبناء الديمقراطية على صعيد كل قطر في المنطقة، ديمقراطية بأسس ثقافية جديدة تساهم في سعادة الشعوب وإحلال السلام والأمن على المستوى الإقليمي والكوني. إن النجاح الذي تم تحقيقه في التفاوض مع إيران ورفع العقوبات على هذا البلد الفارسي، والتقدم الذي ميز المفاوضات في موضوع المناخ والذي توج باتفاقية باريس، والوصول إلى الاتفاق الليبي المدعوم دوليا لتشكيل حكومة ائتلاف وطني في ليبيا….. كلها مؤشرات جد إيجابية قد تساهم في التقدم في خلق التحول في منطقة الشرق الأوسط ومن تم إعطاء الانطلاقة لأسس جديدة في العلاقات الدولية ما بين الشمال والجنوب.

*عن صفحة

      الثلاثاء 23 فبراير 2016