عجيب امر بعض الحكام الذين  بمجرد الجلوس على مقاعد الحكم الا و يعمدون الى التناسي و التنكر لكل نضالات الشعب التي لم يساهموا فيها ولو بقطمير لا في مواجهة الاستعمار القديم و مخلفاته ولا الصراع مع  جماعات التحريفيين في مجالات السياسة والفكر  ممن يسعون الى التحكم الشامل من اجل اخضاع الانسان وجعله من ضمن “الامتعة ” التي تمتلك  واتخاذ الناس اقنانا اي عبيدا واماء ..

..فاذا كانت كل الديانات السماوية ومنها  الاسلام تؤمن  بفضيلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من اجل الاصلاح والتغيير.. وتؤمن بمنهجية الدفع باللتي هي احسن المتعارف عليها عرفيا  وحقوقيا في العالم عبر التاريخ ..اي الاحتجاج الاستنكاري او المطلبي او المنبه للغافلين والساهين  عن فعل المطلوب والافضل للشعب  … فان البعض من الذين ينتشون بما هو  لحظي وزائل  يذهب بهم خيالهم الى ان يفسروا للعامة الصالح العام بانه هو  مايوافق اهواءهم وميولاتهم وقراراتهم وما يصرحون به ويذبجون به خطبهم  … وان يفسروا  الفساد والافساد بانه هو كل كلام او كتابة او عمل  يوجه اليهم يدعوهم  الى تغيير واصلاح انفسهم وسياساتهم ومواقفهم  التي لا قدر الله سيطال شررها كل الفئات والطبقات وستفتح نتائجها المباشرة وغير المباشرة  ابواب الاحتجاج والاستنكار والتظاهر  على مصراعيها ..

…فاذا كان تاريخ تطور البشرية تحقق  بما سمي في ديننا  “بالتدافع “..بالمواجهات الفكرية المتنورة  ودحض سياسات البطش والتحكم بالاستدلال  بالثراث الحقوقي ..وبروح الدعوة العادلة  التي جاءت من اجلها كتب الله وصحفه  وسنن الانبياء واخلاق الصلحاء والصالحين ..فان السعي نحو الاصلاح والتغيير في زماننا هذا كذلك لايمكن ان يتحقق  بعد الاصطدام بالاذان الصماء او الافكار المتعصبة الا  بحركات احتجاجية ومطلبية مناهضة  لكل اشكال  الظلم والقهر السياسي والاستغلال الاقتصادي ورافضة لترسيم  تعطيل التفكير والوصاية على الارادات الحرة لابقاء الحال على ماهو عليه بالنسبة لفقراء الامة والكادحين…الخ

وهنا لابد ان ننبه الى خطورة  استصغار المشاكل والمطالب وتحقير اعمال الجاهرين بالحق والاستهزاء بقراراتهم ومواقفهم وتحذيراتهم ..بمبرر انهم اقلية او فئات معزولة ..فالحق حق ولو حمل مشعله فرد واحد والباطل باطل ولو كان خلفه جمهرة من الناس ..وهذا الاستصغار المعتمد في التعامل مع الاختلاف والصراع جعل   الإسلام  يحذر من الظلم صغيره وكبيره  حيث ان التمادي فيه قد يؤدي الى زوال حكومات وانهيار سياسات ..ولقد وثقت الكتب السماوية والتاريخ  انهيار حضارات وامبراطوريات وصلت درجات كبيرة من القوة والنفوذ والسلطة  ..قال  تعالى (فقطُع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)  سورة الانعام ..وقال تعالى (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا )  سورة يونس

 
 ان كل عمليات التغيير والطفرات التي عاشتها البشرية منذ بدايات التاريخ  تحققت بوعي ايجابي شجاع ومبادر لاقلية صامدة مستعدة للتضحية من اجل الاخرين الذين يرغبون في التغيير ويعانون من القهر والفقر والمحسوبية والظلم والتهميش لكن لايستطيعون  تحمل فرضيات المواجهة والاستنكار وعلى راسها القمع وفبركة الاتهامات والملفات …ولنا جميعا في حياة الانبياء والرسل ونضالهم من اجل التوعية واخراج الناس من ظلمات الجهل الى نور المعارف والعلوم  العظيمة …
ان الاخطر على الحاكم هو ان لايجد من ينصحه وينتقده ويردعه ان تمادى في اخطائه فيعتقد انه على صواب وان الناس معجبون بمواقفه وقراراته وسياساته لانهم صامتون او لايحتجون ..فلو استحضر كل مسؤول دلالات ومعاني الحديث النبوي الشريف : (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم) لاستبشر خيرا بان بالمجتمع من لايخشون في الله لومة لائم ولا كيد ماكر ولا انتقام ظالم ..ولفتح عقله وسمعه على منتقديه ونصائحهم التي قد يكون فيها نجاحه وخلاصه وخلاص الوطن من تبعات سياسات تبنى على تفقير الفقراء واضعاف الطبقات المتوسطة والتخلص من مسؤوليات الخذمات العامة الضرورية والاساسية من صحة وتعليم وشغل وعدل و..  ليحيى الشعب حياة كريمة طيبة ..

ان القاعدة العامة الشرعية والانسانية  التي يحكم بها على صحة السياسة من ضعفها  او فشلها هي التي تستخرج الياتها وقواعدها من الحديث النبوي : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماء… ))

ومن هنا يجب ان يسائل  كل مسؤول نفسه  اين الرحمة في  سياساته وقراته ومواقفه…؟ ومن المؤكد انه سيجد نفسه في مواجهة وتعارض مع رحمة الله والسنن الكونية التي بها تستمر الحياة وتستقيم الامور وتستقر الاحوال وتزدهر الشعوب …

*الخميس 26 فبراير 2016