من بين القضايا الأساسية التي لم ينصب النقاش حولها، بالشكل المطلوب، مسألة المرجعية الدينية الإسلامية، الواردة في الدستور المغربي، والتي ينص عليها الفصل الأول ك»ثوابت جامعة»، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، بالإضافة إلى الوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية والإختيار الديمقراطي.
لا يخفى على أحد أن هذا النقاش يكتسي أهمية بالغة، في السياق الحالي، الذي يعيشه المغرب، والعالم العربي، بل والعالم أجمع، حيث أصبحت لمسألة الهوية، أهمية قصوى، في تحديد الإنتماءات، وفي التمثلات الثقافية.
غير أن التوجه الذي يتم الترويج له من طرف الذين يدعون إحتكارهم للهوية الدينية الإسلامية، يحتاج إلى فحص ودراسة عميقة، حيث أن تضاريس هذه الهوية، ليست واحدة، بل تختلف من بلد لآخر، إنطلاقا من تاريخه وبنياته الإجتماعية، بل والأنتربولوجية، وتقاليده الثقافية والتأثيرات المختلفة لمحيطه الحضاري.
وقد عمل الدستور على التفصيل في هذه المسألة، حيث نص بوضوح في ديباجته، على أن مقومات الهوية الوطنية متنوعة، ثقافيا وحضاريا، وأنه بالرغم من أن الإنتماء الإسلامي، يحتل مكانة الصدارة، فقد ربطه بقيم الإنفتاح والإعتدال والتسامح والحواروالتفاهم المتبادل بين الحضارات الإنسانية.
قد يعتقد البعض، وهو مُحِقٌ في ذلك، أن الدستور قد حسم في مسألة الهوية، وأن كل القوى السياسية التي توافقت على النص الدستوري، قبلت بهذا الحسم، غير أن التجربة أثبتت أن هذه الفرضية غير صحيحة، حيث عادت الأطراف التي تستغل الدين في الممارسة السياسية وفي العمليات الإنتخابية، إلى توظيف قراءة خاصة للهوية، تستحق من الباحثين دراستها وإخضاعها للتدقيق العلمي.
و من بين الملاحظات الأولية التي ينبغي أن نقدمها في هذا الشأن، هي أن التيارات الإيديولوجية «الإسلاموية»، التي أخدت تغزو المغرب، منذ سبعينيات القرن الماضي، لا علاقة لها نهائيا، بالسلفية المتنورة، التي تبنتها قوى أساسية في الحركة الوطنية، مستلهمة المدارس التي نشأت في عصر النهضة، وخاصة في مصر.
على النقيض من مدارس عصر النهضة، جاءت حركة الإخوان المسلمين، في مصر، ومثيلاتها في بلدان إسلامية أخرى، متبنية مرجعية متخلفة وظلامية، من فقهاء ما سمي بعصور الإنحطاط، وهي التي تتقاسمها اليوم، كل التيارات الإسلاموية المعتدلة والمتشددة.
لذلك، ينبغي فتح نقاش جريء من الباحثين والمتخصصين، حول مرجعية الهوية، كما وردت في الدستور، وحول الثقافة الدينية في المغرب، من أجل إزالة الغشاوة، التي تبرع في بسطها التيارات الرجعية، تارة بالترهيب الفكري وتارة أخرى بالتكفير.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

     الخميس 25 فبراير 2016