يؤمن معظم العرب نظرياً بصدق قوله تعالى {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران 110)، ويؤمنون بأن فعل “كنتم” يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، لكنهم عملياً يقتصرونه على الماضي فقط، فيعتبرون أن خير أمة أخرجت للناس هي أمة القرون الأولى، ولا يوجد من هو أقدر منها على الفهم والاجتهاد والتحليل، وغالباً ما يمضون أبعد من ذلك فيكفرون بالتطور، لا بل نرى اليوم من يريد إعادة الناس بالقوة إلى القرن السابع الميلادي، متجاهلاً سيرورة التاريخ، ومتناسياً أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وأنك لن تجد لسنة الله تحويلا.
وغير الواعي فقط هو من يعتبر أن التاريخ وحركته لا قيمة لهما، فكل الكائنات تخضع لتلازم محاور ثلاث، هي: الكينونة – السيرورة – الصيرورة، أي: كان- سار- صار، ولا وجود بلا تطور، ولا تطور بلا وجود {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (الأنعام 11)، والمجتمع السكوني الثابت لا يكون إلا في الجنة، أما المجتمعات الدنيوية فيجب أن تكون ثلاثية الأبعاد، ومن يهمل أحد هذه الأبعاد فلا مكان له تحت الشمس، فمثلاً أعطانا التنزيل الحكيم في قصة أهل الكهف مثالاً عن إلغاء التاريخ (السيرورة)، إذ دعا الفتية المؤمنون بالله قومهم إلى الحق، فاضطهدوهم، فهربوا إلى الكهف، وناموا ثلاثمائة عام، أي توقف الزمن بالنسبة لهم، في حين استمر لدى الناس، فلما استفاقوا وجدوا ما هربوا به أصبح شائعاً، لكنهم لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع الوضع الجديد، فماتوا.
أما المجتمعات العربية اليوم، فهي موجودة فعلاً (كينونة) ويمر عليها التاريخ (سيرورة)، لكن البعد الثالث المفقود لديها هو (الصيرورة)، وفقدت معه الغاية، ولذلك تستمد قواها من نقاط تطور الحضارات الأخرى، وعلى مجمل الأصعدة، إذ أن العقل العربي الجمعي عاجز عن إنتاج المعرفة، فمن حيث الاكتشافات العلمية نحن مستهلكون فقط، ولا يغرنك أعداد الخريجين من الجامعات، فجامعاتنا تلقن العلم وتحث على الحفظ، لا الاكتشاف، وامتحاناتها هي امتحان للذاكرة فقط، ومن حيث التكنولوجيا فالصيرورة لدينا صفر، أما في العلوم الإنسانية فتكمن آفة الآفات، مهما اختلفت اتجاهات المجتمع العربي وأقسامه.
فالإسلاميون انطلقوا من مبدأ “الحفاظ على التراث” ورفعوا شعار “من تمنطق فقد تزندق” وأحكموا العداء مع الفلسفة، علماً أن الفلسفة الإسلامية ازدهرت في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، لكن قضي عليها، وثبت الفقه الإسلامي عند القرون الأولى، بعيداً عن مجريات الحياة وتطورها، ونرى اليوم التناقض بين الفقه والقانون المدني مثلاً، إذ أن علوم النفس والإحصاء والاجتماع والاقتصاد لا تعني شيئاً عند أصحاب الطرح الإسلامي، فيما اختصرت الثقافة الإسلامية بالتركيز على الشعائر وإضافة أموراً أخرى لها كالحجاب مثلاً، والطامة الكبرى هي طرح شعار حاكمية الله الذي يلغي أي مفهوم للخيار الإنساني، والغاية في كل ذلك هي الآخرة، فالدنيا مزرعة الآخرة، ونسوا أن الغاية الدنيوية في الحياة الدنيا هي أساس الآخرة، وأن الأمانة التي حملها الإنسان هي ممارسة حريته في طاعة الله ومعصيته {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات 56).
أما الليبراليون العرب فنبذوا الثقافة التاريخية للأمة برمتها، وأخذوا كل ما أنتجته الثقافة الغربية كاملاً وألصقوه بهم، فيما أخذ الماركسيون نظرية ماركس في التاريخ وحاولوا تطبيقها على الثقافة العربية، وأول ما تبنوه هو الإلحاد كغاية بحد ذاته، أما القوميون فقد أخذوا صيرورتهم من ثقافات مختلفة، غير مهتمين بالإسلام، وتركوه للمؤسسات الدينية، فلم يقدموا أي تصور للتشريعات والعلاقات الإنسانية، وبقيت ثقافتهم مسطحة ذات بعدين.
وإذا أردنا البحث في أسباب عجز العقل العربي عن انتاج المعرفة، نجد أنه:
– عقل ترادفي، والعقل الترادفي تشوبه الدقة، فالأب هو الوالد، وجاء هي أتى، والقسط تعني العدل، ولذلك يستخدم العرب الشعر في التعبير، إذ لا يعيبه الترادف ولا الخيال ولا الكذب، بينما المنهج العلمي أحوج ما يكون للدقة، لذلك نجد القرن الماضي مليئاً بالشعراء العرب، في حين لا نجد عالماً عربياً واحداً.
– هو عقل قياسي، يحتاج لنسخة أصلية ليقيس عليها، وهو بالتالي غير قادر على الإبداع أو الابتكار، وفي هذا يستوي المؤمن والملحد، فالمؤمن بحاجة لمثال من القرن السابع يقيس عليه، والملحد بحاجة لمثال من الماركسيين السابقين.
– في بنية هذا العقل كل شيء ممنوع حتى يثبت العكس، وبالنسبة للمسلم كل شيء حرام إلا ما حُلل، وهذا يناقض التنزيل الحكيم تماماً، حيث الأصل في الأمور الإباحة (فيما عدا الدماء)، فنحن نسأل عن المسموح والممنوع قبل أن نسأل عن الموجود وغير الموجود.
وبالنظر إلى الأسباب الثلاثة السابقة نجد أن واحداً منها يكفي لعرقلة انتاج المعرفة، فكيف بها مجتمعة.
وإني حملّت وأحمّل أئمة الفقه الإسلامي مسؤولية تكريس هذه العقلية، أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل، وأبو حامد الغزالي، فالثقافة العربية توقفت مع توقف الفلسفة “أم العلوم”، فألف أبو حامد الغزالي “تهافت الفلاسفة” وسمي حجة الإسلام، وفيما حرقت كتب ابن رشد، كان فكره من نصيب أوروبا، التي اعتمدت عليه لكنها لم تتوقف عنده، بل تجاوزته بأشواط، أما نحن حيث حسمت المعركة عندنا بين الفلاسفة والفقهاء لصالح الفقهاء، بقينا نرزح تحت ثقافة أنكر ونكير، والشجاع الأقرع الذي يتكفل في القبر بتمزيق من يبول واقفاً، فلا يغرنك آلاف كتب التراث التي تصدر في طبعات أنيقة براقة، ولا يغرنك أعداد خريجي الجامعات الأجنبية، فالبعد الإنساني لديهم غائب، فترى طبيباً متخرجاً من أرقى جامعات العالم لكنه يحدثك كيف أن الولي الفلاني قدس الله سره يتحدث مع أوباما من تكة سرواله، وأن حرية الرأي تفتح أبواب الإباحية، والمرأة خلقت لتفتن الرجل، فهذا الخريج ما زال يعاني عقدة الانفصام بين ما تعلمه في الجامعة وبين سلوكه في حياته اليومية.
وما زال العقل الاتصالي (المسموح والممنوع) يسيطر على عقولنا، دون أن يرافقه العقل العلمي النقدي (الحقيقة والوهم)، فنحن نرى الموبايل فنسأل إن كان استعماله حراماً أم حلالاً، ولا يعنينا كيف تم صنعه، ونجد الأثرياء في بلداننا يتبرعون لإقامة المساجد لا المدارس أو معاهد البحث العلمي كأبحاث مرض السرطان مثلاً، وفي مجال الجماعات تنظر مجتمعاتنا للعقل الاتصالي على أنه العقل الديني، فالإسلام بالنسبة لهم جاء فقط من أجل التقوى، ويغفلون جانب الحق والباطل وهو الأهم في التنزيل الحكيم.
فالنبي (ص) قاد معاركه في بدر وأحد والخندق من أجل الحق والباطل، لا من أجل الحلال والحرام، أي لسحق الأفكار الجاهلية لا لترك الخمر والميسر، علماً أن العرب في الجاهلية كانوا يتحلون بمكارم الأخلاق، وجاء الإسلام وثبتها، لكنه نسف الوهم والباطل لديهم، واليوم حتى على مستوى الدول العربية نرى الأموال التي تنفق على صياغة العقل الاتصالي عند المواطن هي أضعاف ما ينفق على البحث العلمي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى جمالية طروحات العقل الاتصالي، الذي تمثله الأخلاق والقيم، لكن يجب ألا تكون الطروحات طوباوية، بل أن تترافق مع العقل العلمي وتوافقه، بحيث يتم دعم أي طرح بالبينات المادية والإحصائية التي تناسبه.
أضف إلى ذلك أن تكريس حدية الشريعة الإسلامية وليس حدوديتها، أوقع العقل العربي في مواقف حدية دائماً، فهو يصادق ويعادي بشكل حدي، ولا يقبل الأمور الوسط، مما أدى إلى عدم تقبله لكثير من المفاهيم، كالديمقراطية مثلاً.
وقد يتهمني البعض بالمبالغة في جلد الذات، لكن علينا قراءة الواقع لمعالجته، فمنا ما زال إلى اليوم يقضي الوقت لمناقشة قضايا من نوع “هل لبس البنطال حلال أم حرام؟” و”أليس لبس البنطال تشبهاً بالغرب؟” والأنكى من ذلك، أن السائل يركب سيارة صناعة غربية، ويراسل عبر كمبيوتر صناعة غربية، ويلبس بيده اليمنى ساعة صناعة غربية، لكنه يدعو على هذا الغرب الكافر بالأسحار والأصباح.
ورغم ما نعانيه، تظهر أصوات تنادي بـ”الصحوة الإسلامية”، لكن هذا الشعار برأيي هو مؤشر على استمرار الغفوة، ما لم يتم هدم المفاهيم وإعادة صياغتها من جديد، بالاعتماد على الأرضية المعرفية التي نحن عليها اليوم، ولنحترم تراثنا كما نشاء لكن لا نقدسه، ولا نعطيه أكثر من دوره، فأصحابه اجتهدوا مشكورين في عصرهم، وعلينا أن نجتهد لعصرنا وفق ما نراه مناسباً لهذا العصر، ووفق ما دعانا إليه الله تعالى مراراً وتكراراً في تنزيله الحكيم {أفلا تعقلون}، {أفلا تتفكرون}، {أفلا يتدبرون}، فنحن أحوج ما نكون إلى ثورة فكرية تخرجنا من ثقافتنا المسطحة، وتعطي غاية لوجودنا، أكثر من كوننا عالة على العالم، لا بل مصدرين لأفكار العنف والإرهاب أيضاً.
وكم كنت أتمنى لو كان أبو حامد الغزالي من نصيب أوروبا، لا لتنعم بالتخلف بل لعلنا نعمنا بفكر ابن رشد بدلاً عنها.