عقب التطورات المتسارعة التي يشهدها الحقل السياسي الإسباني منذ “دوخة” الانتخابات الأخيرة التي لم تفرز أغلبية كاسحة لحزب معين، وما تلا ذلك من “بروز” نجم حزب “بوديموس” الذي فتح شهية المراقبين لمعرفة موقفه من تشكيل الحكومة وقضية الصحراء المغربية، اتصلت “أنفاس بريس” بالقيادي الاتحادي محمد بنعبد القادر لتسليط الضوء على المستجدات بإسبانيا، بحكم أن بنعبد القادر يعد أحد المتمكنين بتفاصيل الحياة السياسية والحزبية بالجار الشمالي. فكانت هذه المساهمة:

تجتمع اللجنة التنفيذية للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني في هذه الأثناء من أجل اتخاذ قرار هام يتعلق بالمصادقة على نتيجة تصويت قواعده الحزبية المؤيد بنسبة 70 %لاتفاقية الائتلاف الحكومي مع حزب سيودادانوس “مواطنون”. وبذلك يكون الاشتراكيون الإسبان قد زاوجوا في تجربة رائدة بين الديموقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية في سياق إعداد القرار الحزبي بخصوص قيادة الحكومة المقبلة بعد شهرين من المفاوضات العسيرة التي فرضتها الانتخابات التشريعية الأخيرة. وإذا كان حزب بيدرو سانشيس يتجه بخطوات تابثة ومحسوبة نحو رئاسة الحكومة المقبلة، فان حزب بوديموس يتجه بخطوات مرتبكة تارة ومتهورة تارة أخرى نحو العزلة الذاتية وافتقاد المصداقية السياسية.

ذلك أن هذا الحزب الفتي الذي رتبته نتائج الانتخابات كقوة ثالثة واختاره الناخبون في اتجاه تشكيل ائتلاف حكومي تقدمي بقيادة الاشتراكيين، سرعان ما وجد نفسه موزعا بين شعاراته الرنانة والواقع العنيد من حوله، حيث رفعت قيادته الشعبوية سقف المفاوضات مع الاشتراكيين قبل أن تنتبه الى أن مسار المفاوضات التمهيدية لتشكيل الحكومة بدأ ينفلت من يدها، وعندما تيقنوا أن تصويتهم ضد تنصيب الاشتراكي بيدرو سانشيس رئيسا للحكومة سيجعلهم يصطفون مع اليمين المحافظ الذي سيصوت في نفس الاتجاه، مما سيشكل لهم حرجا سياسيا كبيرا كحزب ناشئ يطرح نفسه بديلا عن الأحزاب “التقليدية”. وهاهم زعماؤه هذا الصباح بعد أن أفرغوا جعبتهم الراديكالية واستنفذوا قاموسهم العدمي ، عادوا يطلبون ود الاشتراكيين ويقترحون عليهم تشكيل حكومة تعددية وتقدمية من أجل الإصلاح السياسي وإخراج الزعيم المحافظ ماريانو راخوي من قصر لامونكلوا، والحال أن حزب بوديموس في محنة حقيقية تشبه الدائرة المفرغة : فان هو ظل على نهجه الراديكالي تقهقر نحو العزلة والانزياح الذاتي عن مدار اللعبة السياسية ، وان هو تخلى عن أفكاره المبدئية بوازع البراغماتية الانتخابية فانه سيواجه خطر التماهي مع الأحزاب التقليدية وسياستها القديمة التي جاء هو أصلا كبديل عنها.

ومهما كان السبيل الذي سيتخذه فان حزب “نستطيع” في نهاية المطاف لن يستطيع ، ولعله سيخيب آمال بعض الرفاق المغاربة الذين طلع عليهم البدر قبل بضعة شهور!

 

*المقال عن أنفاس بريس * بقلم :  محمد بنعبد القادر

     الاثنين 29 فبراير 2016