1-من أجل إشراف تشاركي يهيء لدورة سياسية جديدة..

من نافل القول إن الانتخابات السياسية التي رافقت تكريس مبدأ التناوب السياسي في مغربٍ كان يخرج بصعوبة من سنوات الرصاص، في نهاية القرن الماضي كانت السبب في انطلاق ديناميكية سياسية مسَّتْ، من بين مامسَّتْه إعطاء المسألة الانتخابية، وفي قلبها الإشراف على الاستحقاقات المرافقة للانفراج السياسي، أهمية قصوى.
ومن المنطقي أن تكون بلادنا، وهي تسعى إلى إنضاج انتقالها الديموقراطي، والارتقاء ببنائها المؤسساتي، ضمن دورة جديدة من التناوب السياسي، بقاعدة دستورية جد متقدمة عن تلك التي فتحت دورة التناوب الأولى ، مستعدة للدخول في نقاش يمس الإشراف السياسي والديموقراطي على الانتخابات.
ومن المنطقي أيضا أن يشترك المغاربة عوما في تقدير الموقف من زوايا أربع أوردتها مذكرة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حول الاستحقاقات القادمة وتتعلق بـ:
1- تطلع الشعب إلى ممثلين تتوفر فيهم المصداقية والكفاءة
2- اعتبار مجلس النواب، حسب الإصلاح الدستوري لسنة 2011، محوريا في الهيكلة العامة للسلطات، و في الأدوار الأساسية المنوطة به، خاصة وأنه المصدر الأول للتشريع ومنه تنبثق الحكومة.
3- الصورة الفعلية للنضج الديمقراطي لبلادنا، لاسيما وأن الانتخابات الأخيرة كانت محل تشكيك كل الطيف السياسي بما في ذلك رئيس الحكومة نفسه، وقادة أحزاب من الأغلبية الحكومية، ناهيكم عن اجماع أحزاب المعارضة البرلمانية، وباقي القوى المجتمعية من هيئات نقابية وسياسية وحقوقية
الشيء الذي يفرض، من جهة الشروع في زمن سياسي جديد، السعي إلى التوافق على تشكيل هيئة وطنية لمصاحبة الحكومة في الإشراف على الانتخابات التشريعية المقبلة.
وهذا اصطلاح جديد ، يزكي، من جهة أحقية الحكومة في الإشراف، ومن جهة أخرى يواصل الروح التشاركية التي كانت وراء إعداد الشرط الدستوري للعملية الديموقراطية، في ما قبل وما بعد يوليوز 2011.
إن هذا الاشراف المشترك، لا يرمي فقط إلى تجنيب البلاد الفورة التي عرفتها ما بعد انتخابات 4 شتنبر، من حيث الشك المبرر في العملية الانتخابية، بل يتعداه إلى توفير شرط من شروط الارتقاء بالحقل السياسي إلى ما عمقٍ و بعدٍ آخرين في مستقبله السياسي.
وخلاصة القول إننا نقول إن مغرب ما بعد دستور 2011، والمنهجية الديموقراطية التي طبعته لا يمكنه أن يظل محكوما بعقلية وبأدوات ما قبل دستور 1996 في الإشراف على انتخابات 2016.

2 – نمط الاقتراع وعلاقته بالدورة الديمقراطية

من الواضح أن جزءا أساسيا من العملية الانتخابية يقتضي إعمال النظر في نمط الاقتراع والتقطيع، باعتبارهما عنصريْ توازن في كل عملية تريد أن تحظى بقدر يسير من المصداقية.
ومن المحقق، في هذا المضمار أن نمط الاقتراع اللائحي، هو اجتهاد ديموقراطي وتمرين انتخابي كان الغرض منه، في لحظة من لحظات تطوير النظام الديموقراطي، الحد من تدخل الادارة في صناعة الخريطة السياسية والحد من استعمال المال، وكذا البحث عن تقاطبات كبرى يمكنها أن تدفع بالدمقرطة إلى مستويات أرقى.
كما أنها تزامنت، في الوقت نفسه مع تجربة أرادت من ورائها النخبة الوطنية الرفع من منسوب السياسة في الاختيارات لدى المواطنين، وتقليص هوامش لا مؤسساتية ولا برنامجاتية ، علاوة على تقليص التحفيزات الما-دون سياسية ( الانتماء الضيق للفرد أو النزوع إلى مجالية ضيقة باسم كيان من الكيانات ..مثلا)، وكل ذلك ضمن مفهوم الانتقال الديموقراطي في بلادنا والدخول الواعي والمسؤول في زمن سياسي يعتمد التعاقد السياسي الواعي والهادف كقاعدة للعملية الاقتراعية.
غير أن ما مضى من تجارب في هذا الباب تدفعنا إلى طرح السؤال:هل حققت التجربة كل ما سطرته لنفسها؟
والجواب الذي يقدمه الاتحاد في مذكرته، التي يروم منها فتح نقاش عميق وخصب حول النمط والتقطيع كان هو:
1- اعتبار نظام الاقتراع باللائحة، المعتمد لحد الآن لم يحقق النتائج التي توخاها واضعوه.
2 – النظام اللائحي المعتمد، أبان عن عيوب تستوجب مراجعته.
3- المراجعة تشمل في المقام الأول العتبة، بحذفها نهائيا لأنها تجعل بعض المقاعد لاشرعية لها من حيث عدد الأصوات.
4- المس بالتعددية وخلق قطبية مصطنعة، بوسائل وأساليب تحكمية وغير ديمقراطية. وهو ما معناه ، أن البلقنة السياسية لم تنته ، بقدر ما نشطت مجددا بشكل أكثر، الشيء الذي أثر عميقا على معنى التعددية السياسية في البلاد.
5- محاربة القطبية المصطنعة لن يتأتى إلا بتعددية حقيقية، منتجة للمشاريع ومعبرة عنها.
– 6 ومن هنا، فإن مناقشة العتبة يجب أن تتم انطلاقا من فتح المجال لتمثيلية اليسار في البلاد باعتباره كيانا مجتمعيا وتاريخيا وديموقراطيا ما زالت تمثيليته في المؤسسات السياسية دون عذاءه النضالي ومجهوده الديموقراطي والمدني.
وما ينطبق على فلسفة النمط الانتخابي ينصرف أيضا إلى التقطيع الانتخابي، الذي يكتسب نمط الاقتراع اللائحي معناه منه بالذات، خاصة في المدن ذات الكثافة السكانية الكبيرة .
إن النقاش حول العتبة يمكن أن يختزل الاشكال الديموقراطي في النسبة، في حين أنه مطروح ضمن شبكة واسعة لقراءة المستوى الذي بلغته التجربة الديموقراطية من ناحية نضجها.
العتبة هي أيضا عتبة ديموقراطية دستورية وقراءة في التراكم السياسي، وليست تموجا ، يخضع للمد والجزر، كما قد يقرأها البعض وما كان للاتحاد أن يقدمها، كما وردت في المذكرة بدون أن يكون لها مبرر سياسي في المرحلة الحالية، وفي بناء علاقة جديدة مع الالتزام السياسي.
من المحقق أن، كل مكونات الحقل السياسي مطالبة بأن تعيد النظر في الكثير من مسلماتها، بل بنقد ذاتها في ممارسة الفعل السياسي نفسه، لتبيان مكامن العجز الذاتي، لكن الجميع أيضا يجب أن يستحضر المعطى الموضوعي في تقييم التجربة بل التجارب الماضية.
إن النظام الذي يكف عن مساءلة أنظمته الانتخابية هو النظام الذي رسا فعليا على قواعد نهائية لا تتأثر بالتقلبات ولا بالحسابات والضغوطات ولا بالتوازنات المصنعة، ولنا أن نسأل هل تحقق ذلك في البلاد حتى لا نطرح أيا من قواعد اللعب الديموقراطي للنقاش؟
إننا على كل حال نريد أن يكون الجواب الإيجاب ونحن ننظر إلى النتائج وإلى قبول الجميع بالقواعد التي نأملها جميعا..حتى تستقر بلادنا على سكة نهائية تقودنا إلى محطة جديدة من تقوية ديموقراطيتنا الفتية.

3 – وسائل الإعلام العمومية: حتى تكون مرآة للتعددية

لا يستقيم أي نظام سياسي بدون إعلام حر ، مستقل ونزيه يوفر الخدمات المتوخاة من المرفق العمومي، ولهذا ظل الانتقال الديموقراطي مرتبطا ارتباطا شرطيا بالانتقال الإعلامي.
و نجاح الديموقراطية غير وارد، بدون نجاح الإعلام في مهامه، ولكي يكون هذا النجاح، فقد اتفقت كل الشعوب أن تجعل من الاعلام انعكاسا حيا لما يكون من تيارات داخل الرأي العام.
وبالرغم من إنهاء الاحتكار رسميا وقانونيا في المغرب، منذ حكومة التناوب التي قادها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، فإن واقع الامر الذي ينبه له الاتحاد هو احتكار وسائل الإعلام العمومي من طرف الأغلبية ، ومصادرة الصوت التعددي لفائدة النشاط الحكومي.
وقد اقترحت مذكرة الاتحاد »تفعيل دور وسائل الإعلام العمومية، في تطوير الوعي السياسي، من أجل حث المواطنات والمواطنين، على المشاركة في الانتخابات، بالإضافة إلى فتح المجال أمام الهيئات والنخب السياسية والثقافية، في مناقشة القضايا العامة، كما يحصل في كل الدول المتقدمة، وتجنب القيام بالدعاية لصالح الحكومة وأغلبيتها، بشكل غير متوازن، من خلال الامتناع عن التغطية المفرطة لأنشطة الوزراء، أسابيع قبل الحملة الانتخابية، وهو تقليد معمول به في بلدان ديمقراطية«.
إنه مقترح-برنامج لكي يساهم الاعلام العمومي ، بعيدا عن ترسيخ الفكرة الدعائية (البروباغاندا) الاعلامية المعروفة ، والتي تجعل الحياة السياسية مرادفة للحياة الحكومية والرسمية عموما.
إن المطلوب هو جعل الإعلام العمومي قلبا نابضا للتعددية الفعلية في المجتمع وفتح الآفاق للتنشئة السياسية السلمية لعموم المواطنين والمواطنات.. و”خلق أجواء تمكن من تعبئة أوسع فئات المجتمع للمشاركة في هذا الاستحقاق، بما يضمن الانتقال النهائي للديمقراطية الحقة”….

*بدون عنوان

            1و2 و3 مارس 2016