يمكن أن نعود إلى البداية ونطرح السؤال:عندما نتكلم عن نفس الاصلاح في هذه البلاد،هل نتكلم عن نفس الشي؟
هل نتكلم عن نفس الشيء ونحن نتحد ثعن اصلاح المنطومة التعليمية والمنطومة الدستورية والمنطومة الاقتصادية واللغوية؟
لا أعتقد.. المصطلح هو نفسه ومآلاته ليست تشابهة!
ففي ترتيبات الإصلاح، للأطراف التي تدعيه اليوم في الساحة العامة معاني تتناقض وتتصارع:
فالاصلاح عند الذي تربى في البحث عن العصر الذهبي للأمة يعني العودة إلى السلف الصالح ، ولن «يصلح» حاضر هذه الأمة إلا بما صلح ماضيها .. ونحن هنا أمام رؤيا تريد أن تنزع التاريخية عن التاريخ وتجعل كل ما جاء من بعد السلف الصالح فسادا وجب استئصاله.
وأول ما يجب التحرر منه هو .. العصر وعوالمه وثقافته، كَرًديفيْن للبدعة والضلالة.
لهذا فعندما يتكلم الداعية السلفي باسم الإصلاح، أو يتكلم الفقيه المبشر بهكذا إصلاح اليوم، فهو في الواقع لا يختلف عن الدعوات التي رافقت سقوط الخلافة الاسلامية، حتي وإن كان المغرب لم يكن معنيا بها في صيغتها العُثْمانية..
ومن غريب تعقده، أنه في العمق يواجه وعارض كل مسارات الجديد في الحياة العامة للناس، وهو في عمقه مناهضة للإصلاح تتقدم مقنعة بشعارات الصلاح!
فهذا التوجه المناهض للاصلاح يجد غلافه وتأطيره في حركة واسعة للمناداة بالإصلاح تعبر المغرب اليوم..في الوقت الذي تكون فيه قناعا لمناهضة الاصلاح.la contre réforme كما عرفها التاريخ الديني !
فلسنا خارج التاريخ الديني للبشرية في هذه النقطة!
فالمناهضة للاصلاح، جاءت في أوروبا على يد الكاثوليك، كرد فعل على الاصلاحات التي نادت بها وحققتها البروتيستانتية.. و من غرابة التطور، انها بذاتها اندرجت في اطار تطلع ورغبة واسعين للاصلاح والتجديد الديني عبرا القرن المسيحي الغربي خلال القرن ١٥ وما بعده.
كانت مناهضة الاصلاح هي الرغبة في تمكين الكنيسة كم الادوات التي تستعيد بها فضاءات وسلط اعتقدت بأنها تضيع منها…كالمدرسة، والفضاء العمومي والمجال اللغوي.. وهي محطات تبدو لنا متقاربة مع جزء مما يعتمل في السياق الوطني مع الفارق في الجوهر الديني ..
ففي هذا القرن عادت الرغبة الدينية والروحانيات عودة قوية، واصبحت فكرة الخلاص الابدي فكرة مركزية وبالتالي أصبحت الافكار الدينية حول التوبة والخلاص متداولة بكثرة وتتعرض للنقاش، كما تعرضت الممارسات الدينية وسلوك رجال الدين و مواقف الكنيسة إلى الانتقاد والنقد .. حتى أن تلك الفترة سميت «قرون الروح»..! ومن هنا يمكن أن نفهم بالمقارنة المشروطة السعي الى استعادة فضاءات تعتبر أن التطور الذي حصل في المجتمع المغربي مناهض لروحانيتها..
أولا:الهجوم الرسمي غير المسبوق على الصوفية،(دريعة الدولة عند الباحثين في التصوف المغربي والسياسة ): فقد دعا الشيخ السلفي حماد القباج الشيخ حمزة، شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، إلى «التوبة لله تعالى من البدع في الأقوال والأفعال التي يقوم بها مريدوه، قبل أن ينتقل إلى الدار الأخرى».

وخاطب القباج الشيخ حمزة قائلا: «أنا متأكد أنك تعلم يقينا أن ما يجري هذه الأيام في زاويتك لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته، ولا الإمام مالك، وغيره من أئمة الإسلام، فإن قلت إن ما تفعلونه من الدين؛ فلماذا لم يفعلوه، وإن لم يكن من الدين؛ فلماذا تُوهِم الناس بأنه من الدين». إن الإصلاح عند السلفي الذي أعلن موقفا سياسيا في الانتخابات الأخيرة يتجاوز صلاح الدين الى صلاح الدنيا، وهو يعني عودة القوة السلفية إلى تنشيط اليومي!
ويذلك يكون
وفي السياق ذاته تساءل امحمد الهلالي القيادي بحركة التوحيد والاصلاح :
«متى ينعم المغرب بإغلاق بويا عمر الثاني بمداغ ويفك أغلال آلاف المأسورين في الخرافات والأوهام».
فلا فرق بين قرار طبي خاص ببويا عمر، اعتبره الوزير الوردي إصلاحا وبين الزاوية القادرية في منظور المسؤول الحركي :فالاصلاح يعني العودة الى وضع «طبيعي » تختفي فيه الزاويتان..!

هناك مفارقة عجيبة في الحديث عن المدرسة وتحويلها إلى رهان بين الاصلاحيين، من الذين يودون إعادة تجربة الإصلاح عند السلف، والاصلاحيين الذي يدافعون عن إصلاح المجتمع الكوني: وهذه المفارقة تتجلى في دفاع المحافظين عن هوية المدرسة دون أن يطرحوا وجودها أصلا .
والسؤال هو :
كيف تدافعون عن لغة عربية محددة في المدرسة،لا سيما العمومية، في الوقت الذي سيكون جزء من الاصلاح الذي يقوده المنتمون إلى مرجعيتكم ذاتها في الاصلاح ورؤية الوجود الجماعي ، إلى نزع الطابع العمومي عنها، أي ما يعطيكم الحق – أصلا- في الحديث عنهما، أي عن الإصلاح وعن المدرسة؟
وبوضوح أكثر :كيف يدافع فقهاء المجالس العلمية مثلا والدعاة المنتشرون في البلاد عن عربية بعينها، ويواجهون تعليم الامازيغية وهم يسمعون رئيس الحكومة القريب منهم يردد ليل نهار بأن الدولة غير قادرة على مصاريف التعليم؟
لماذا تصارعون الفرنسية أو الامازيغية أو حتى البورغواطية في المدرسة، إذا كان الاصلاح القادم سيخرجها من كيان الدولة الجماعي إلى التدبير التقني الذي تتحكم فيه مرجعية العولمة؟.
إن النقاش ينزلق الى حيث ريده آخرون من المجتمع لا ما يرده أهله، في حالة تطبيق الوصفة التي قدمها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي..
ففي الشأن المدرسة، عندما يتعلق الأمر بالمادة الدينية أو باللغة يحتمي المحافظون بالتاريخ، بدون أن يدافعوا عن عمومية المدرسة!
وهنا يبدو أن الاصل اللاهوتي للغة العربية، هو الغالب، في تحديد السجال وينتقل الاصلاح من حديث حول المدرسة والقطاع العام والتكوين وما إلى ذلك، إلى حديث في الهوية..
في حين توكل قضية الاصلاح التقني إلى القطاعات الرأسمالية التي لم تعلن ابدا انتماءها إلى أي مشروعية كونية، أكانت حقوقية أو تنتمي إلىالجيل الجديد من هذه الحقوق ، لأنها اقرب الى المحافظة في القيم، ما دامت تنتج المال…!
ثانيا: اللغة، في صلب الصراع ، وهي ليست أداة فقط ، بل تصورا، وعندما ارتبطت اللغة العربية،تاريخيا ،بالسلطة، وتماهت معها لدى كل الشعوب ولم تقدم دوما كأنها لغة تحرير الشعوب من السلطان أو من ثقافتها (الفارسية وعمر بن الخطاب رضي لله عنه) بل ارتبطت باعتبارها لغة الحاكم القامع أو الذي يلغي الشعوب الاخرى لغويا، من التاريخ إلى عصر حديث.. وربما كان الخطأ ليس اصوليا دوما،بل أصوليا عرقيا بالمعنى الذي اعتمدته القوميات العسكرية التي جابت التاريخ الحديث..
لهذا ، فهل نحن نحكم على النقاش – الذي قطعته البلاد نحو تجاوز ما اسميه دوما الافق المسدود- أم نناقش مخلفات رهانات أخرى، بعيدا نوعا ما، في الجغرافيا وفي التاريخ؟
عن أي إصلاح نتحدث حقا؟ إذا كما فوق غصن ، ونعمل علي قطعه بالمنشار، ماذا يهمنا إن كنا سنسقط على اليمين أو على الشمال؟
لماذا هذا الهرج المفتعل، ضمنا أو صراحة ، حول تدريس الأمازيغية، الموجودة بقوة الشعب قبل قوة الدستور، في الوقت الذي يتم اللمز إلى إصلاح منظومة التربية الدينية، إذا لم يكن المبرر الوحيد هو، مناهضة الإصلاح باسم الإصلاح؟

*رسالة

     الثلاثاء 1 والاربعاء2 مارس 2016