ذ.محمد لومة

نستحضر هذه الأيام، واحدة من أجمل وأقوى ذكريات الكفاح ضد المستعمر وأذنابه وأعوانه.. يتعلق الأمر بالمجاهد المغوار الحاج عبد الله زاكور أوعبلّ.. الذي قاد مقاومي منطقة سوس في أعالي جبالنا في الأطلس الصغير.. لغاية 1934.. بعد أن أخر تقدمهم لحوالي عشر سنوات.. ولم يستطيعوا التغلب عليه سوى باللجوء ـ لأول مرة ـ لسلاح الطيران الحربي الذي كان ينطلق من مطارـ بنسركاو ـ لعشرات الطائرات المقاتلة، بالإضافة لاستعماله للمدفعية الثقيلة بشكل مكثف.

وعندما اضطر المجاهدون للاستسلام جاء من يطلب من الحاج عبد الله زاكور بأن يتقدم فقط للقاء الجنرال الفرنسي قرب بلدة تافراوت.. والذي سيكتفي بمجرد التعرف عليه شخصيا ـ تحت كل ضمانات الاحترام والتوقير، وعندما استجاب القائد الكبير.. ومثل أمام الجنرال.. قال له بلهجة تاشلحيت ما معناه : ..والآن، وقد التقينا بعد سنوات من الحرب، ماذا يمكننا قوله يا جنرال :

إيتما القرطاس..إيتما واوال ؛ أي ما معناه : عندما نفذ الرصاص الذي كان بحوزتنا لمقاومتكم.. فقد الكلام، والذي لا داعي له الآن.

القولة البليغة كانت تعني : إياك والغرور، فالحروب سجال، وإذا خسرنا معركة.. فأمامكم المزيد من المعارك، أما الآن، فلا داعي للدخول في مكالمات شفوية لا داعي لها.. والشعب المغربي سينتصر.. طال الأمد أم قصر..

في هذه الفترة التاريخية العصيبة من تاريخ المغرب، كانت كافة قبائل الأطلس الصغير في حالة تعبئة عسكرية شاملة لمواجهة الغزو الفرنسي، حيث برز المجاهد الكبير عبد الله زاكور، شيخ قبيلة آيت عبد الله كواحد من كبار القادة العسكريين الذين كبدوا القوات الفرنسية خسائر فادحة، مما جعلها في المرحلة الأولى تلجأ  لتجنيد القبائل التي احتلتها قبلا لتسير أمامها أثناء العمليات العسكرية وذلك لتقليل الإصابات في صفوفها، وعندما لم يعط هذا التكتيك كامل ثماره المنشودة، بادروا إلى الزج بالطائرات الحربية في الميدان انطلاقا من مطار بنسركاو في أكادير.

لقد كان المجاهدون في مرتفعات الأطلس الصغير وهم يواجهون قوات الغزو الإستعماري لمناطقهم يقومون بربط أرجلهم بالحبال حتى لا يضطروا تحت تأثير النيران  المعادية أو آلام الجراح إلى الانسحاب إلى الوراء، ولكن هذه (الطيور الحديدية) القادمة من السماء كما يسمون الطائرات الحربية على سبيل الكناية أرعبتهم، فالقذيفة الواحدة كانت تتحول في أعالي الجبال إلى آلاف الشظايا نتيجة انفجارها فوق الصخر، مما يلحق بالمجاهدين خسارات فادحة لم تكن تلحق بهم في السابق، لاسيما أن الطلعات الجوية لهذه الطائرات الحربية بلغت عشرين طائرة ضمن عدة أسراب في الطلعة الواحدة.

ومع تزايد الخسائر المادية والبشرية مع مرور الوقت، تفتقت عبقرية هؤلاء المجاهدين عن حيلة لا تخطر على بال، لقد قاموا بتدريب الجمال الواقفة على رؤوس الجبال الواقفة على القيام بنوع من الإنذار المبكر عن قدوم الطائرات الحربية، فكانت هذه الجمال كلما رأت من بعيد أطياف الطائرات تجعجع بصوت عالٍ وتنيخ بكلكلها أرضا  كعلامة على قرب انقضاض هذه الطائرات، ومن ثم ليسرع المجاهدون إلى الإختباء في المغاور والكهوف والجيوب الجبلية المتوفرة، وبذلك اخترع هؤلاء المجاهدون تحت ضغط الحاجة أول رادار حيواني متنقل في التاريخ.

فهذه الحيوانات حباها الله من الذكاء الغريزي لتقوم بعملية الربط التلقائي من جهة ما بين الانفجارات المرتبطة بهذه الهجمات وحوادث القتل والتدمير، كما كانت البغال والأبقار تلتصق بالجدران غريزيا لتفادي إصابتها بقذائف هذه الطائرات لدى عمليات الانقضاض والقصف.

ولقد طالت معاناة الناس مع هذه الحرب الظالمة، فدمرت قرى كاملة بقذائف الطائرات، وأحرقت المحاصيل الزراعية، ودمرت مطمورات المياه في الأعالي، وهي المصدر الثابت الوحيد للمياه المخزونة من التساقطات المطرية القليلة، وحمولة الوديان الصغيرة وغيرها.

خريطة سوس

وامتدت المعارك على طول الخط العرضاني لسلسلة الأطلس الصغير من قبيلة اسندالن مرورا بآيت عبد الله وحتى ثلاثاء الاخصاص وانتهاء بجبال آيت باعمران. ويتذكر المجاهدون كيف أسقطوا العميل التهامي الكلاوي من فوق فرسه في ثلاثاء الاخصاص وهو يقود إحدى المجموعات المحلية ضد المجاهدين، مما جعله يهرب من الميدان رفقة حاشيته نحو مدينة مراكش، فقد رأى الويلات بالقدر الذي لم يصادفه في قبيلة آيت بوكماز في إقليم أزيلال مع بداية العشرينات.

وحتى وصول القوات الغازية إلى مركز آيت باها سنة 1924، كان عليها أن تخوض حربا شرسة ضد محاربي مرتفعات الأطلس الصغير لعشر سنوات أخرى. ومع حلول سنة 1934 استطاع الغزاة الوصول إلى أعالي الجبال المحيطة بتافراوت وإيداونضيف وإيدا وكنيضف، فميزان القوى لم يكن متكافئا بأي وجه من الوجوه، ففي مواجهة الأسلحة المتطورة للغزاة من طائرات ومدفعية ميدان ثقيلة، وبنادق حديثة، كان مواطنو هذه المناطق يلجأون إلى بيع مدخراتهم وحلي نسائهم من أجل شراء الأسلحة والذخائر، وبعض أبنائهم العاملين في مدن الوسط والشمال كانوا يهربون الأسلحة نحو منطقتهم بعد تفكيكها وتوزيع قطعها بإحكام في ثنايا جلابيبهم وسلاهمهم حتى يستطيعوا عبور الخطوط القتالية للعدو، وذلك مشيا على الأقدام في الغالب، وقلة منهم كانت تمتلك دوابا للسفر.

الحاج عبد الله زاكور 2

أضف إلى ذلك أن التسليح الأساسي لهؤلاء المجاهدين هو عبارة عن البنادق البدائية (بوشفر) والتي تطلق طلقة واحدة في كل مرة يتم تلقيمها، والتلقيم يستغرق بعض الوقت ما بين وضع الرصاصة الكروية في بيت النار، وما بين القيام بدك مادة البارود من خلف السبطانة بمقدار مضبوط بدقة وإلا انفجرت بين يدي مستعمليها، وقليل منهم آنذاك من يتوفر على بنادق حديثة مثل التي يدعونها ب (ساس پو[1])، والرباعية والتساعية وغيرها، ومن لا يتوفر على سلاح كان يخزن في منزله كميات كبيرة من الأحجار المستديرة، ومختلف أنواع السلاح الأبيض من سيوف وسكاكين وشواقير، علما بأن معظم منازل الأطلس الصغير صمم على أعلى المرتفعات لاعتبارات دفاعية محضة.

وعندما أحكم الطوق من حول من تبقى من مجاهدي عبد الله زاكور التجأ إلى إحدى المناطق الحصينة تفاديا للسقوط في الأسر، وبعد مفاوضات مع وسطاء بين الطرفين قام خلالها قائد الحملة الفرنسية بإعطاء ضمانات الحماية والتوقير لشخص الشيخ في حال استسلامه، وعندما التقى الرجلان، قال له الجنرال الفرنسي : وها أنت الآن بين أيدينا أيها الشيخ الوقور، فما قولك؟ أليست فرنسا من القوة بمكان؟ فكان جواب الشيخ موجزا حادا وقاطعا بلهجة تاشلحيت : (إيتما القرطاس.. أيتما واوال). بما معناه لقد نفدت ذخيرتنا من الرصاص.. ولو كان لدينا ما نستطيع أن نتابع به كفاحنا لما جلسنا الآن لنتحدث.. لقد نفد الكلام بنفاد الرصاص.. وبالتالي، لا داعي للكلام بعد الآن ولا معنى له.

بعدها ، تم نفي المقاوم عبد الله زاكور إلى مدينة تارودانت حيث فرضت عليه الإقامة الإجبارية إلى أن جاء الاستقلال فمتهع بحريته ، فحج إلى بيت الله الحرام قبل أن توافيه المنية رحمه الله .

________________________________

[1]  شاعت هذه التسمية في سوق الأسلحة بالمغرب، وهي تحريف لعبارة (Chasse peau).

(*) عن موقع الاستاذ محمد لوما