الهدف مما سأعرضه هنا هو مشروع نظرية في عالم السياسة في مرحلة ما بعد الحداثة. لفهم يتجاوز السائد والفاشل في فهم الظواهر السياسية، بناء على نظرية الواقع المضبوط والسياسات المدروسة بعناية ونظرية المؤامرة… وكلّ ما سبق لم يُفلح لا في تفسير الوقائع السائدة ولا في توقُّع المُقبل من الوقائع ولا في التعامل معها.

مرّت السياسة بثلاث مراحل هي:

1 ـ مرحلة الفكر السياسي الأخلاقي الممتد من سقراط إلى أفلاطون فالفارابي وهي مرحلة ربطت السياسة بـ ما يجب أن يكون ، ولهذا كانت أخلاقية غير قابلة للتنفيذ. لأنّ ما يجب أن يكون يصعب أن يكون لأنّ الحكم الأخير فيه للواقع. وهذه مرحلة ما قبل الحداثة.

2 ـ مرحلة السياسة الواقعية التي غُلّب فيها مبدأ الواقع على الأفكار أو القيم وهي مرحلة الحداثة فيها حيث تعيّنت السياسة بناء على مبدأ الواقع باعتبارها فناً للممكن وهنا ارتكزت إلى أربع قوائم وهي الميكيافيلية التي تعني فصل الذات عن الموضوع مؤسسة بذلك علم السياسة، وللأسف لا يعرف العرب من ميكيافيل إلا الغاية تبرِّر الوسيلة وهو ما لم يقله ميكيافيل أساساً لنظريته، ما يُبرز جهلاً كبيراً بعلم السياسة وبمبدأ الواقع، حيث حُوكم ميكيافيل بعقل ما قبل الحداثة، الأخلاقي، عاكساً الفوات التاريخي ـ العقلي للعرب إزاء السياسة وثانياً الأداتية التي ترى كلّ شيء بما فيه العقل أداة لخدمة الواقع وثالثاً البراغماتية التي تعتبر أن لا قيمة للنظرية إذا لم تُطبّق على الواقع، أي غلّبت الواقع على الأفكار مرة أخرى، ورابعاً الوظيفية التي عنت التعامل مع الواقع كما هو دون البحث في أسباب ما فيه. وبهذه العناصر الأربعة مُورست السياسة حتى الثمانينات من القرن العشرين حيث نشأ تيار جديد هو تيار ما بعد الحداثة أو ما أدعوه تيار الكوانتا السياسية. وفي مرحلة الحداثة نشأ وهم ضبط الواقع بالقوانين السياسية متأثراً بقوانين الفيزياء، ورافقت هذه الرغبة نظريات أشدّ وهماً وهي نظرية المؤامرة السياسية والتوقعات الاستقرائية والتاريخية التي تُبنى على أنّ المستقبل هو ابن للحاضر والحاضر ابن للماضي وأنّ معرفة المستقبل مبنية على معرفة الماضي، لكن سرعان ما اصطدم هذا الاتجاه الاستقرائي التاريخي بأنّ الوقائع المستقبلية كانت وحيدة عصرها ومتفردة وليست مشابهة لأيّ ممّا عرفته البشرية من أحداث في الماضي، ما يعني أنّ هنالك قطيعة بين الماضي والمستقبل وأنّ المذهب التراكمي التاريخي ليس أكثر من محاولة في تاريخ المعرفة الإنسانية وهنا جاءت مرحلة ما بعد الحداثة.

3 ـ المرحلة الثالثة: إذا كانت مرحلة الحداثة قد تأثرت بفيزياء نيوتن وحاولت أن ترسم علماً للسياسة مضبوطاً بقوانين صارمة، فإنّ مرحلة ما بعد الحداثة ترافقت مع نهاية الاتحاد السوفياتي ونظام القطبين شبه الضابط للعالم، مع نشوء الفيزياء الكوانتية التي نسفت منطق القوانين الصارمة ورسمت فهماً جديداً للفيزياء وبالتالي تأثرت به السياسة بدورها ويقوم على التالي:

1ـ الفروق الطفيفة تُنتج أحداثاً كبيرة أثر الفراشة ،

2ـ أنّ العالم يُفهم فهماً أكثر مما يُفسّر،

3ـ أنّ مخالفة المنطق والحسّ العام والشائع يمكن الائتلاف معهم في عالم لا يمكن ضبطه،

4ـ أنّ الفوضى العمياء أو العماه Chaos هي سمة الوجود الغالبة وأنّ ما نراه مُنظّماً هو من طبيعة مخّ الإنسان وترتيبه وتناظراته وميله إلى التجريد التعميم وتوليد المفاهيم ،

5ـ أنّ كلّ حدث مقبل مؤلف من كلّ احتمال ونقيضة معاً وهذا مخالف للحس العام،

6ـ أنّ المستقبل لا يمكن تعيينه سلفاً وهو مشكّل من عدد لا متناهٍ من الاحتمالات، والغريب أنّ كل احتمال هو 100 في المئة بنسبة الاحتمالات وهذا مخالف للحسّ العام وللمنطق الذي اعتاده البشر. وقد ترتب على ذلك العديد من النتائج:

أولها تعايش النظام الدولي مع العماه في قطع أبستمولوجي ندعوه القطع بالتعايش complimentary أو ما ندعوه بالتضايف.

وثانيها نشر العماه بصورة لا سابق لها. وثالثها أنّ التحليل السياسي الاستقرائي التاريخي لم يعد ممكناً في الحالات العماهية لأنه لا ينطبق إلا على المنظومات المستقرّة، أي الحداثية، ونسبياً أيضاً وبهامش خطأ كبير، بينما تصبح المنظومات العماهية منظوماتٍ يعتملها أثر الفروق الدقيقة Micro وتحتاج إلى الإمعان في الفويرقات Nuances لإدراك وتوقع الاحتمالات اللامتناهية، وهذا في حدّ ذاته مُفارقة، بمعنى أننا لم نعد قادرين على القبض على عالم المستقبليات كما كنا نتوهم في مرحلة الحداثة، ما يترتب على ذلك من أثر بالغ العبثية في مجال المعرفة وحتى في مجال العمل السياسي.

فالعبثية والعدمية هي من سمات عالم ما بعد الحداثة، وقد انعكس على السياسة كما سينعكس لاحقاً على علوم أخرى، ما يعني أنّ القرن الحالي هو قرن صعود علوم جديدة سمتها الأبرز أنها ليست كتلك التي عرفتها البشرية وطورتها مند القرن السادس عشر. إذ ستكون عكسها وتعايشاً معها وعبثية وعدميّة في آن وهذا ما يصدم العقل الحداثوي الذي يحمله أغلب مثقفي العصر وعموم عامته بالاستناد إلى أنه تحوّل إلى عقبة أبستمولوجية تتمثل في الثقافة السائدة أو التي تمّ التعوّد عليها، فأسوأ ممانعات التغيير هي ممانعة الفكر المعتاد عليه والسائد. والحال إنّ ما سيعانيه الفكر الإنساني مماثل تماماً، بل أعنف مما عاناه الإنسان عندما قال له غاليليو وكوبرنيكوس إنّ الأرض ليست مركز الكون.وهنا فإنّ صدمة الفكر السائد أنه سيعاني من نتائج انعدام اليقين التي هي سمة ما بعد الحداثة وما بعد ما بعد الحداثة. واللافت أنّ البداية كانت بالفيزياء ثم السياسة وها هي الشعوب التي دخلت العماه السياسي تدفع ثمناً باهظاً. لذلك نحذر الشعوب والدول التي لم تدخل مرحلة الفوضى العارمة أو العماه كما اسميناها من دخول ذلك الوضع ونعتبر أنّ الخروج من العماه بأي ثمن هو أبلغ حكمة يبلغها قائد أو مجتمع أو دولة لأنّ عالم العماه مقيد له أن يستمر لسنين وعقود طويله، وهذا ما دعيناه الكمين التاريخي الذي رسمه لنا هذه المرة ليس مكر التاريخ فحسب، بل مكر ما بعد الحداثة ومكر العبثية والعماه.

أخطر مراحل السياسة اليوم هي هذه المرحلة الفوضوية العارمة. والتي قد يكون استمرار عالم اللاقطبية فيها مؤشراً لاندياحها واقعاً لعقود طويلة سيدفع البشر فيها أثمان فلسفة السياسة هذه.

*التجديد العربي

             نشر به الجمعة 4 مارس 2016