شيء طبيعي في المسار الذي اتخذته الحكومة في مواجهة الأساتذة المتدربين أن يحط أصحاب المطالب العادلة من هؤلاء، الرحال بوجدة، لرفع شعار «ارحل» في وجه رئيس حكومة، اختار أن يواجه شباب وشابات – بعدما عمل بالفعل على كسر أفق انتظارهم وانتظارهن بفرض المرسومين المشؤومين – بحوار «الطرشان» وبالتعنت المتحول إلى ممارسة ديكتاتورية تخلو من أي إنصات و تمتهن أسلوب الأمر، في عودة الأساتذة المتدربين للالتحاق بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين وإنهاء المقاطعة المفتوحة للدروس النظرية والتطبيقية .
وتحول رئيس حكومتنا إلى فقيه في «الحضار» يحمل عصاه في وجه طفل مبتدئ في تعليم القرءآن بممر في دوار، تحتكم الجماعة فيه إلى هذا الفقيه لحل كافة مشاكلها حتى النفسية منها.
وهو الفقيه الذي يسكن بنكيران حد وضع اليدين على العنق لبعث الروح إلى «مولاها»، فيجهر بكثير من الاستغراب الذي لف الأذهان، أن لله أمر بالاقتطاع من أجور العمال عند إضرابهم عن العمل، ليوفى الميزان وما أدراك ما الميزان.

وهو الميزان الذي أنسى رئيس الحكومة أن الشعب المغربي صوت عليه ليفتح ورشا كبيرا في تفعيل الدستور وبناء دولة المؤسسات بالمسؤولية والمحاسبة، بدولة مدنية محصنة بالنصوص القانونية،لا دولة دينية تسود فيها الشريعة.
هو تعنت مبرر بمرجعية تشد بنكيران من قفاه حد الجهل بما أعطاه الدستور من امتيازات، تفوق امتيازات أحسن الديمقراطيات في العالم ، لكنها امتيازات تحولت إلى أوراق تحت الغبار، والفاعل في إضافة الأسمنت الصلب على هذا الغبار ليس إلا التمساح الفعلي المسمى «عبد الإله بنكيران» ، و الذي اختار أن يتنازل عن صلاحياته لمفهوم «دولة « نجهل النحن معناها في قاموسه ، وهي الدولة التي يسميها مرة بالعميقة ومرة أخرى بالعقيمة التي تعرقل كافة إصلاحاته وتدفعه إلى العفو عما سلف أو السكوت عن تمريرات خطيرة لم تحدث حتى في عهد الدساتير السابقة التي كانت موقع انتقاد كبير من الشعب المغربي على لسان ممثليه ونخبه .
لم يعد موضوع الأساتذة المتدربين بجديد، فالمعطيات باتت واضحة للعيان وعلى الحكومة أن ترجع الحق إلى أصحابه بإلغاء المرسومين المشؤومين ، والتوجه لآليات أخرى من أجل تطوير المكاسب، و إبداع الحلول، لملف متوجه للمستقبل بمعطيات تحتاج حلولا جذرية ومخططات بالنفس الشمولي الاستراتيجي لمنظومة كاملة. كما على رئيس الحكومة أن يعي الدعم المجتمعي للقضايا العادلة ، في بلد بوأ حزبه المقعد الأول في الحكومة ، وذلك من اجل التغيير ، وبوابة هذا التغيير هي الوثيقة الدستورية التي -مع الأسف -حولت في فصول منها الى قوانين مفصلة على المقاس، تشبه القانون الأول الذي خاض بنكيران المعركة من أجله، والمتعلق بالقانون التنظيمي الخاص بالتعيين في الوظائف السامية .
لكن الجديد هو أن يستنجد رئيس الحكومة بما سماهم « الدولة» قائلا «عيطوا للدولة» وهو يقصد قوات الأمن ، وهي دعوة صريحة لتعنيف من جاؤوا للاحتجاج والتصعيد بغية لفت الانتباه إلى مطالبهم العادلة ، لكن رئيس الحكومة يرى الأمر من موقع آخر، وأن هؤلاء أتوا لإزعاجه وربما هناك تمساح أو عفريت وراءهم ، يدفعهم للوقوف ضد رئيس في حكومة الذي ذهب الى وجدة من أجل خرجة جديدة ،وربما تكون هذه الخرجة ردا على أمين حزب في أغلبيته فتحا معا جبهة الصراع من داخل السفينة الواحدة، لكن هذا المنحى ليس غريبا عن رئيس حكومتنا الذي دعا رجال الأمن ذات عشية ليشحنوا المحتجين من المكفوفين حاملي الشهادات في سيارات الأمن ، من أمام بيته صوب شوارع متفرقة بالرباط، لأن هؤلاء هجموا عليه في مقر سكناه ،والحال أن الرئيس عود هؤلاء الشباب والشابات المكفوفين والمكفوفات على الاستقبال في بيته من أجل حل مشاكلهم ومشاكلهن ، كان ذلك إبان تواجده في المعارضة مما اعتبره المكفوفون والمكفوفات ضحكا على الذقون واستعمالا مفضوحا للركوب على ظهورهم قصد الفوز بالانتخابات فقط، كما عبروا لنا في تحقيق سابق نشرناه بالجريدة.
هذا ما يبين أن رئيس الحكومة مصر على تعنته ورفضه لكافة المطالب العادلة بما فيها تلك التي دونها في برنامجه الحكومي ، متوجها الى مقاربة أمنية ضيقة يرفع فيها درجة المواجهة بالعنف المزدوج في التعبير اللفظي وتحريض رجال الأمن على التعنيف، مما ينذر بمزيد من الدفع صوب الشارع المفتوح على كل الاحتمالات..فلصالح من يدفع بنكيران في هذا الاتجاه؟.

*عن الاتحاد

       الاثنين 7 مارس 2016