وظف رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران مصحف القرآن الكريم لأغراض سياسية ونقابية مكشوفة في خرجته الأخيرة بالصوت والصورة حيث أول الآية الكريمة ( والسماء رفعها ووضع الميزان ) وفسرها حسب خلفيته المضمرة ليبرر فعل الحكومة المتعلق بالاقتطاع من أجور المضربين عن العمل يوم 24 فبراير 2016 ، مما أثار جدلا ونقاشا داخل الأوساط النقابية والسياسية والدينية والفكرية حول إقحام الديني في السياسي وصناعة فتاوي الحجر والوصاياعلى الشعب بأساليب جديدة تتغنى ” دعشنة ” المجتمع المغربي رويدا رويدا والنفاذ عبر شقوق مؤسساتنا التنفيذية والتشريعية والقضائية لإحكام قبضة التحكم والهيمنة ضدا على الموايثق والعهود الدولية التي صادق عليها المغرب ولائمها مع دستور2011 ، في هذا السياق استضافت ” الوطن الآن و أنفاس بريس ” الدكتور كمال الهشومي،أستاذ باحث في القانون العام والعلوم السياسية كلية العلوم القانونية عين السبع – جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء وكان معه نص الحوار التالي :

ـ بصفتكم أستاذ باحث في القانون كيف تلقيتم  تصريح الحكومة حول اقتطاع أجر يوم الإضراب العام الذي نفذته المركزيات النقابية يوم 24 فبراير 2016 من أجور الشغيلة المغربي ؟؟

أولا، لا بد أن نقر أن هناك احتقان اجتماعي وأزمة حوار بين مختلف الشركاء الاجتماعيين، ولعل الاتفاق الجامع لمجموعة من المركزيات النقابية ذات التأثير والتواجد الكبير سواء في القطاع الخاص أو العام، رغم الاختلافات العميقة فيما بينها إلى درجة التطاحنات والطعن في شرعية بعضها، استطاعت أن توحد دعوتها من أجل اضراب 24 فبراير 2016. هذا الاضراب الذي عرف نجاحا معقولا حسب الاحصائيات والتتبع الموضوعي للقطاعات المضربة سواء في القطاع الخاص أو العام، وهي رسالة انضافت إلى رسائل عديدة بعث بها هذا التكتل النقابي إلى السيد رئيس الحكومة من أجل أن يعيد بث الروح في الحوار الاجتماعي كمؤسسة تسعى عن طريق تفضيل الاساليب السلمية في القضايا المستعصية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي عبر المساهمة في ايجاد الحلول للمسائل الاقتصادية والاجتماعية الهامة….، سيما وأن الحكومة تريد الاقبال على ما تسميها اصلاحات هيكلية في قطاعات حساسة تهم المواطنين وترتبط بخبزهم اليومي، ألا وهو اصلاح نظام التقاعد، وهي جمرة حارقة وحساسة مهما كانت النوايا الحسنة والخلفيات السليمة والصحية، إلا أن المبادرة إلى وضع نظام الاصلاح في المؤسسة التشريعية دون نهج مقاربة تشاركية مع النقابات، تبقي المبادرة متوجسة في شأنها من طرف الفاعلين النقابيين المعنيون أساسا بهذا الملف. لكن اختيار رئيس الحكومة الاستمرار بالتشبث بمقاربته للأمر وسلك مرة أخرى مسطرة الاقتطاع والتهديد والوعيد، يجعل من الوضعية غير مطمئنة ولن تزيد الوضع إلا احتقانا وأزمة وتوثرا على المستوى المجتمعي، بل ونفورا وعدم الاحساس بالأمان والاستقرار بالنسبة للمستثمر. فإذا تتبعنا عامة مسألة الاضرابات في مجموعة من القطاعات فان ردة فعل الحكومة تكون مباشرة سلك مسطرة الاقتطاع؛ وهو بعد خطير لأنه يرمي إلى ترسيخ فكرة عدم أحقية العامل أو الموظف بحقه في التعبير عن مآسيه ورغبته في تطوير وضعيته وظروف عمله، والحال أن الامر يرتبط بحق ضمنه أسمى قانون في البلاد من خلال الفصل 29، بل وجميع الاتفاقيات الدولية المرتبطة خاصة بعالم الشغل والعلاقات المهنية، أو على المستوى الحقوقي عامة. فكيف يمكن تفسير إذن التقاعس في إخراج القانون التنظيمي المنظم للإضراب لتفعيل وضبط تفاصيل ممارسته كحق دستوري، وفي نفس الوقت المجابهة بالمواجهة والتصعيد عبر نهج مسطرة الاقتطاع، وربما قد يتطور الأمر الى المتابعة بتكييف المشاركة في الاضراب كخطأ جسيم يجيز الفصل والطرد

ـ في ظل غياب نص تنظيمي يؤطر ويضبط آليات تنفيذ الإضرابات هل يحق للحكومة أن تقتطع من أجور الشغيلة المغربية ؟

من الناحية القانونية فإن النص الصريح في مدونة الشغل يعتبر حالة الإضراب من ضمن حالاتتوقف عقد الشغل، فلأن العلاقة التعاقدية تقوم على وجود عقد تبادلي يتضمن التزامين متقابلين؛ أداء الأجر مقابل أداء العمل، وبالتالي يجعل من الاقتطاع من الأجر موضوعا اتفاقيا بين الأجير ومشغله، كأن يتم الاتفاق بتعويض يوم الشغل بيوم آخر، قانونيا لا شيء مثلا يمنع من الاتفاق على خلافه سواء تعلق الأمر بإرجاع الأجور المقتطعة أو بإرجاع جزء منها تبعا للتفاوض الموالي للإضراب، ما دام القانون لا يفرض هذا الإجراء، إذ يترك باب الاجتهاد بين الطرفين حول قاعدة معينة باعتبارها قاعدة مكملة، التي تنظم سلوك الأفراد على نحو معين ولكن يجوز لهم الاتفاق على ما يخالف حكمها فهي تترك تنظيمها لإرادة الأفراد ويعتبر الزامها نسبي.

أما في الوظيفة العمومية فليس هناك نص صريح وواضح يمنح للإدارة الحق في الاقتطاع من الأجرة إلا للتغيب غير المبرر أو تطبيقا لعقوبة تأديبية. وهنا سيتم تكييف إما سلبا أو ايجابا فيما يخص وضعية الموظف المضرب بالنسبة لإحدى هاتين الوضعيتين. وعليه من نافل القول بناء على ما سبق أننا بصدد غياب نص واضح وصريح ينظم حالة الاقتطاع من الأجر للموظف المضرب، من جهة، ومن جهة أخرى فإنه من خلال البحث والتقصي نجد أن القانون الوحيد الذي وردت فيه حالات الاقتطاع من الأجرة هو قانون الوظيفة العمومية، ولكن على سبيل الحصر لا التعميم، وبالتالي لا يمكن القياس أو إضافة اي حالة ضمن هذه الحالة الحصرية، إذ لا اجتهاد مع وجود النص ووضوحه، وخاصة عندما يكون الاجتهاد مؤديا إلى انعكاسات قانونية مؤثرة مثل الاقتطاع من الأجرة مع ما لهذه الأخيرة من وظيفة معيشية واجتماعية.

ـ هل الفراغ القانوني يفتح المجال للتأويلات لصالح الطرفين، وإن كان من اللازم على الحكومة تنزيل وأجرأة الدستور المغربي وخصوصا في ما يتعلق بقانون الإضراب ؟

أكيد؛ والطبيعة عامة تكره الفراغ وهذه حكمة مهمة، فإذا كانت الحكومة حريصة على تطبيق القانون مع ما أشرنا إليه من اختلاف في التأويل الخاص بموقفها بالاقتطاع، فيجب عليها أولا أن تسعى إلى سد الفراغ القانوني لحق كوني ومهم ألا وهو الحق في الاضراب. على الحكومة وهذا من صميم مسؤوليتها أن تصدر القانون التنظيمي للإضراب كما نص على ذلك الدستور الأخير، لكن بعقلية وروح التوافق والاختيار الديمقراطي الذي أتى بهذا الدستور ومن بعد تكون لها كامل الصلاحية في تنظيم هذا الحق وتسلك المسطرة في حالة خرق القانون. وعامة واحتراما لإرادة الدستور فإن كل تدبير أو إجراء إداري يسمح لنفسه بتناول موضوع الإضراب تنظيما أو منعا، يعتبر خارجا عن دائرة المشروعية، لأن امتياز السلطة العامة في علاقة الإدارة بالموظف لا يمكن أن تتجاوز حدود المشروعية، وهي في حالتنا مرسومة باختصاص هذا القانون التنظيمي الذي لم يصدر بعد. وأكيد أنه يتم التنصيص فيه على عدم الاقتطاع من الأجرة بمناسبة الإضراب أو إمكانية ذلك في حالات الإضراب غير المشروع، لأنه قانون له مرجعية كونية ووطنية من خلال الحماية والتنصيص الدستوري من جهة، ومن جهة أخرى الحرص على الرقابة الدستورية المكفولة لهذا القانون وفي مجال لا تخفى خطورته ضمن منظومة ممارسة الحريات العامة. المرتبطة أساسا بتعزيز بناء دولة الحق والقانون

ـ كيف استقبلتم تصريحات الحكومة بكون الإضراب غير قانوني واعتمادها “برنامج مسير” للاقتطاع من أجور نساء ورجال التعليم دون استفسارهم  (ن) ؟

لقد فسرت البعد القانوني للاقتطاع في القطاعين العام والخاص، وباعتبار القانون المرجع الأخير من أجل الحسم في الاختلاف. فيما يخص أساسا مسألة الاستفسار، فإن سلك مسطرة التغيب غير المشروع الذي تبنتها الوزارة دون تقديم استفسار للموظف يعتبر خلل شكليا في المسطرة يعيب على إثره قرار الاقتطاع من الأجر. إن قرار الاقتطاع من الأجر بسبب التغيب الغير مبرر يتم تطبيقه بناء على تقديم استفسار للمتغيب يمثل كضمانة للدفاع عن نفسه في غضون خمسة عشر 15 يوما، ثم  يتم تحريك مسطرة الاقتطاع من الأجرة من بعد ذلك، ثم يتمإشعار الموظف باقتطاع من أجرته.  وما تجدر الاشارة اليه فإنه لا يمكن تسبيق “إشعار بالاقتطاع” عن “الاستفسار“!. وما يمكن الاستدلال به في هذا الباب حكم للمحكمة الادارية بالرباط “قسم الإلغاء”يوم27/11/2013، الملف عدد 262/5/2013، القاضي بالحكم بإلغاء قرار الاقتطاع من الأجر إثر التغيب بسبب الإضراب، وإرجاع المبلغ المقتطع مع النفاذ المعجل. وقد اقرت المحكمة بأن الاقتطاع من الأجر يستلزم توجيه استفسار كتابي للموظف حول أسباب تغيبه عن العمل لذلك قضت بقبول الدعوى في الشق المتعلق بإلغاء قرار الاقتطاع من الأجر وعدم قبولها في الشق المتعلق بطلب التعويض، أما في الموضوع فحكمت بإلغاء القرار المطعون، وقد أسس المدعي الدعوى على عدم مشروعية قرار الاقتطاع من الأجر، لكون التغيب كان مشروعا وتم من أجل ممارسة حق الإضراب المضمون دستوريا، فضلا عن خرق الادارة للمسطرة الواجبة قبل الاقتطاع بعدم توجيه إنذار بهذا الاقتطاع قبل مباشرته.

وحيث أنه في هذه النازلة، فإن الإدارة المطلوبة في الطعن طبقت المقتضيات القانونية، غير أنها ولئن دفعت باحترام المسطرة القانونية وتوجيه استفسار في الموضوع، فإنها لم تدل بما يفيد توجيه هذا الاستفسار قبل مباشرة الاقتطاع احتراما للنص القانوني المستند إليه، وللضمانات التي يوفرها للمخاطبين بأحكامه، ما دامت هذه الشكلية مقررة لصالح الموظف لتفادي عنصر المفاجأة في الاقتطاع وتخويل المعني به فرصة التحضير لنتائج النقص الذي تتعرض له أجرته الشهرية تبعا للالتزامات المالية المترتبة عليه، فتكون شكلية جوهرية تمس بشرعية القرار المخالف لها.

وفي ظل نفي الطاعن سبق توجيه أي استفسار إليه قبل مباشرة الاقتطاع، مع منازعته الجدية في الإخلال بهذا الإجراء الشكلي الجوهري المستمد من حق الدفاع المكرس دستوريا، فإن الإدارة لم تدل بما يفيد احترام المسطرة القانونية المقررة في حالة اللجوء الى الاقتطاع من أجر الموظف..ألغت المحكمة قرار الاقتطاع.

ـ ما هو موقفكم من تصريحات رئيس الحكومة وتبريره للاقتطاع من أجور الشغيلة بنص قرآني فسره حسب ” خلفياته الدينية ” كما تداولته مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإعلامية ؟ وهل يستقيم الخلط بين القاعدة القانونية والقاعدة الدينية في أمور دنيوية؟

في الواقع لست فقيه في الدين أو عالما في أصوله بما يكفي للغوص الفقهي في دلالات العقيدة ومراميها وما يرتبط بتفسير آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وما يرتبط بذلك في هذا المجال، لكن يا أخي وببساطة؛ اذا أخذنا خطاب السيد رئيس الحكومة منذ توليه المسؤولية على الأقل أو عامة خطاب حزبه شأنه في ذلك شأن كل الاحزاب التي تقول على نفسها بأن مرجعيتها هي مرجعية دينية – رغم ما يمكن الطعن فيه خاصة من طرف باقي الاحزاب التي توجد في بلد حسم دستوره في دينه ومؤسساته الدينية – نجد هذا الحزب دائما يتكئ على هذه المرجعية الدينية المرتبطة بعلاقة الفرد بربه وبغيبيات نؤمن بها جميعا لاستغلالها في أموره الدنيوية للتبرير أو الترافع أو للهروب إلى الأمام باعتبار المشترك الديني للمغاربة ودفاعهم أجمعين عنه بقوة عن وعي أو عن غير وعي، ولعله الخلاف الأزلي والأبدي كذلك الذي يفرق بين هذا التوجه والتوجه التقدمي الديمقراطي عامة، إذ يذهب هذا الأخير إلى ضرورة عدم إقحام الدين في الأمور التدبيرية المرتبطة بالتوجهات والسياسات هذا من جهة عامة، أما من جهة أخرى فإن السيد رئيس الحكومة لا يفتأ أن يقول بشرعية ومشروعية الاقتطاع بناء على القوانين، وهاهو اليوم يفسر القرآن لتبرير قراراته، ولا أريد هنا أن أرجع إلى بعض الواقعات في التاريخ الاسلامي الذي عرف أمثالا وأشخاصا سلكوا هذا المسلك من أجل تبرير تصرفاتهم وقراراتهم في عز بداية انتشار الإسلام بل منهم من ألف نصوصا وأضفى عليها صفة كتابه المقدس على غرار القرآن الكريم.

إن القانون هو مجموع القواعد القانونية التي تنظم نشاط الاشخاص في المجتمع وتقوم على احترامها سلطة عامة توقع الجزاء على من خالفها، أما القواعد الدينية فهي مجموعة من المعتقدات والقواعد التي يأمر الله عباده باتباعها بغية تحقيق خير الانسان وسعادته، فهي تنظم شؤون الدنيا والآخرة. ووجه الاختلاف بين القاعدتين بين وواضح، سواء من حيث الطبيعة أو المصدر، إذ أن القواعد الدينية أوسع نطاقا من قواعد القانون، ومصدر قواعد الدين رباني بلغت للناس عن طريق الرسل والأنبياء. أما القواعد القانونية فمصدرها موضوع من قبل البشر لأجل مسائل معينة . ومن حيث الغاية؛ فالدين يهدف غاية مثالية تريد السمو بالنفس الانسانية وتحقيق رضا الله سبحانه وتعالى عن عبده، أما القانون غايته نفعية واقعية لتحقيق النظام والأمن والاستقرار في المجتمع .وأخيرا من حيث الجزاء؛ فالجزاء في الدين مزدوج فهو جزاء في الدنيا والآخرة و موكول أمر إيقاعه الى الله سبحانه وتعالى وليس رئيس الحكومة، أما القانون فالجزاء دنيوي يوقع من قبل السلطة العامة في الدولة. لذلك على رئيس الحكومة أن يجتهد في التوفيق بين التوجهات والآراء والتحديات كقائد وموجه ومسؤول على حكومة للمغاربة أجمع لا لفئة دون أخرى، وهذا هو جوهر الاختيار والتناوب الديمقراطي الذي ارتضاه الشعب المغربي كأسلوب للتدبير وليس شيء اخر .

ـ كيف هو السبيل للرد على مثل هذه الخرجة لرئيس الحكومة والتي استعمل فيها الدين لمواجهة العمل النقابي بالمغرب ؟

الدين للجميع والوطن للجميع، والمجتمع لمكوناته وفئاته ولغلبة من له المصداقية والقدرة على التعبئة والتأطير. على رئيس الحكومة أن يفهم – واعتقد ان له ما يكفي لذلك – أن المغرب يمر من مرحلة تجديد وبناء الثقة في مؤسساته وفي مساره للانتقال الديمقراطي نحو الترسيخ الديمقراطي، مسار افرز تجارب وكليشيهات في نفس الوقت جعلت من المواطن نبيها بل وعصيا على التدجين والاستسلام، على جميع الفرقاء أن ينتبهوا إلى ذلك وأن لا يضيعوا الزمن الاصلاحي في استمراره وتطوره، ونأتي بعد مضي زمن ونقول كما هو الشأن لبعض التصريحات والمواقف التي تؤكد ان المغرب المعاصر ما بعد الاستقلالأضاع زمنه التنموي الديمقراطي في الصراع والتعنت الشخصي الغير مفيد للبلد نظاما واحزابا. 

*عن أنفاس بريس :  حاوره : أحمد فردوس

  الاثنين 7مارس 2016