قبل خمس سنوات، ألقى جلالة الملك خطابا أعلن فيه عن إصلاح دستوري شامل، جاء في سياق الانتفاضات التي شهدتها المنطقة العربية، والتي دفعت عدواها إلى استئناف حركية ديمقراطية، في المغرب، مشابهة لتلك التي عرفها في تسعينيات القرن الماضي، لكن، في ظروف دولية مغايرة.
لقد حدد الخطاب الملكي محاور هذا الإصلاح، في قضايا كبرى أساسية، مثل ترسيخ دولة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريات الفردية والجماعية، والارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، وتوطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، وتعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، وتقوية آليات تخليق الحياة العامة، وربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة…
بالإضافة إلى هذه المحاور، أعلن الخطاب عن أهم إصلاح يتمثل في «حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، وتقوية مكانة الوزير الأول، كرئيس لسلطة تنفيذية فعلية، يتولى المسؤولية الكاملة على الحكومة والإدارة العمومية، وقيادة وتنفيذ البرنامج الحكومي، ودسترة مؤسسة مجلس الحكومة،وتوضيح اختصاصاته».
من المفيد أن نتساءل اليوم، ماذا تحقق من هذه الإصلاحات، التي بلورها الدستور الجديد، بوضوح، وبعد ذلك نظمت انتخابات سابقة لأوانها، حيث كان على السلطة التنفيذية المنبثقة عنها، مباشرة تفعيل المبادئ الدستورية في أرض الواقع، عبر القوانين والسياسات العمومية والإجراءات الإدارية، وغيرها من الإمكانات التي منحت لها، عبر الصلاحيات غير المسبوقة، التي منحت لحكومة عبد الإله بنكيران، والتي لم تتمتع بها أي حكومة أخرى.
سارت الأمور عَكْسَ الانتظارات التي كان يتطلع إليها الديمقراطيون، حيث انخرطت هذه الحكومة، في دينامية مغايرة لما أعلن عنه خطاب 9 مارس، ووضعت في سُلّمِ أولوياتها تكريس برنامج إيديولوجي رجعي، ومحاولة بسط الهيمنة على المجتمع والتَمَكنِ من مؤسسات الدولة، وتبخيس السياسة والبرلمان، ومهاجمة الحريات، ومعاداة النقابات، والإجهاز على المكتسبات الشعبية والاجتماعية.
لقد ضيعت على المغرب والمغاربة خمس سنوات، من فُرَصِ الإصلاح، فعادت عقارب الساعة إلى ما قبل حكومة التناوب، مع مفارقة غريبة، تتمثل في وجود دستور متقدم وحكومة متخلفة، لا شٌغْلَ لرئيسها سوى التراشق الكلامي مع وزرائه ومع المعارضة ومع النقابات ومع الحركات الاحتجاجية…

*عن

         الاربعاء 9 مارس 2016