غضب الأمين العام للأمم المتحدة غضباً شديدا في مخيمات تندوف عندما وقف على عينة من الأوضاع المزرية للمغاربة المحتجزون فيها منذ أربعة عقود. وقد يكون مرد غضبه الأساسي الى الكيفية غير اللائقة التي استقبل بها. ومن حق بان كي مون ان يغضب ليس لكونه حرا في مشاعره فحسب، وانما أيضاً لأن حالة المحتجزين المغاربة في تندوف ليس فيها ما يسر احدا. وهذا ما يدركه المغرب تماماً لذلك لم يدخر جهدا في العمل على وضع حد لمأساة الاحتجاز والمعاناة المترتبة عليها. وقد اكد جلالة الملك محمد السادس في خطاب السادس من نونبر الماضي في مدينة العيون على الأبعاد الخطيرة لاستمرار النزاع الاقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية مشيرا بوضوح الى ان الجزائر تتحمل وزر هذا النزاع وتبعاته لرفضها كل المبادرات التي تقدم بها المغرب لوضع حد للنزاع وآخرها نظام الحكم الذاتي الموسع للأقاليم المغربية الجنوبية. وليس يخفى على احد ان الجهود التنموية الكبيرة التي بذلها المغرب في أقاليمه الجنوبية لاستدراك وتجاوز مخلفات التهميش التي عاشتها تحت الاستعمار الاسباني قد غيرت وجه تلك الأقاليم وحولتها الى نموذج للتنمية في مختلف المجالات. غير ان المحتجزين المغاربة في تندوف لا يستفيدون من هذا المجهود التنموي بسب حرمانهم من قبل الجزائر من ثمرات هذا الجهد عبر احكام السيطرة عليهم ومنعهم من العودة الى حضن الوطن. بل وعدم كفها وعصابات البوليساريو التي تحتضنها وترعاها عن المتاجرة بقضيتهم وممارسة مختلف اشكال الابتزاز باسمهم في مختلف المحافل الاقليمية والدولية دون ان ينالهم من المساعدات الدولية الا النزر اليسير بشهادة منظمات حقوقية ودولية أكدت تقاريرها ان تلك المساعدات تتحول الى جيوب وحسابات القيادات المتنفذة في جبهة البوليساريو وبعض مسؤولي اجهزة المخابرات العسكرية الجزائرية.

وعليه، فقد كان على بان كي مون ان يغضب من الجزائر التي نظمت حفل شغب في استقباله، بدل حفل احتفاء وترحيب كما تقضي بذلك الأعراف الدبلوماسية، لا ان يتوجه الى المغرب بتصريحاته المستفزة كمن لم يستطع قراءة رسالة الشغب الجزائرية، ولو ارتدت زيا صحراويا في ظاهرها الا انها واضحة كل الوضوح في مضمونها وأبعادها. ذلك ان افتعال احداث الشغب من قبل أشخاص تتحكم في توجيه خطاهم المخابرات الجزائرية وزبانية قيادة جبهة البوليساريو كان يهدف أساسا، الى دفع الأمين العام للأمم المتحدة الى اتخاذ سلوك بعينه، بعد ان وقر في ذهنه، ربما، ان مسؤولية الحالة المزرية للمحتجزين المغاربة تقع على عاتق الأمم المتحدة، وليس على عاتق القيادة الجزائرية وقيادة الجبهة الانفصالية.
والواقع ان فشل القيادة الجزائرية في تسويق جمهوريتها الصحراوية الوهمية خلال أربعين عاما جعلها في موقف سياسي وشعبي صعب، وهي التي لم تبخل بالمال ولم تقتر في العتاد الحربي ولم تترك مؤتمرا او لقاءا إقليميا ودوليا دون ان تقدم للعالم صنيعتها علها تحظى بالدعم الكافي لتمرير خطتها لتقسيم المغرب وتمزيق وحدته الترابية تحت يافطة حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وليس مستبعدا تماماً، ان يأس الحكومة الجزائرية، وخيبة مساعيها طوال هذه العقود الطويلة في رعاية مخلوقها المشوه والذي يبدو انه اصبح عبئا لا يطاق على عاتقها قد دفعها الى اعتماد أسلوب هجومي في اتجاهين اثنين: أولهما المغرب وثانيهما الأمم المتحدة نفسها على امل ان يتحقق لها بهذا الأسلوب ما عجزت عن تحقيقه خلال المراحل السابقة بما في ذلك العمل المسلح والإرهابي الذي استهدفت به المغرب بواسطة عصابات البوليساريو قبل وقف اطلاق النار.

ففي هجوم الجزائر المستمر على المغرب يمكن رصد عناصر شبه دائمة في خطابها الدبلوماسي وفي سلوكها العملي أهمها العمل على تعطيل كل المبادرات المغربية في سبيل إيجاد حل سياسي للنزاع ومن هنا محاربتها لمبادرة الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية بدعوى كون المسألة قضية تقرير مصير وتصفية استعمار. ولهذا دعت الى العودة الى خطة الامم المتحدة حول تنظيم استفتاء تقرير المصير التي تخلى عنها مجلس الأمن الدولي من خلال الدعوة الى الانخراط في مفاوضات بهدف التوصل الى حل سياسي متوافق عليه وجاءت مبادرة الحكم الذاتي الموسع للأقاليم الجنوبية في سياق الاستجابة الى تلك الدعوة. غير ان الجزائر دفعت نحو تعطيل مجرد الحوار والتفاوض حول هذه الخطة إصرارا منها على فصل الأقاليم الصحراوية عن المغرب.
بل ان القيادة الجزائرية لم تدخر وسعا لإبعاد حصول أي تقارب بين المغرب وقيادات جبهة البوليساريو من خلال دعم الأطراف المتشددة منها ومحاربة كل تيار يرغب في التوصل إلى حل سياسي على قاعدة مبادرة الحكم الذاتي.

اما هجوم الجزائر الموجه الى الأمم المتحدة فقد تركز على زعم مسؤولية الأخيرة الأخلاقية والسياسية تجاه النزاع الذي حاولت تقديمه باعتباره نزاعا حول تقرير المصير، متوسلة مختلف الحيل للضغط على الامم المتحدة لتبني وجهة نظرها بدءا من خلق دولة وهمية للشعب الصحراوي المزعوم مرورا بإقحامها تدليسا في منظمة الوحدة الأفريقية وصولا الى نقلها ضمن موروثاتها الى الاتحاد الافريقي الذي تحول الى اكبر خصم لوحدة المغرب الترابية.
وليس مستبعدا ان بان كي مون تعرض قبيل زيارته لمعسكرات تندوف الى جرعات متواصلة من الضغط السياسي والمعنوي كان آخرها تنظيم حفلة شغب لاستقباله فكان للجزائر ما خططت له وهو تصريحات الامين العام ضد المغرب.

*الثلاثاء 15 مارس 2015