12380207_1747205255509595_5838975_n

*المقال كما نشر بالاتحاد الاشتراكي

المكان: أرض ظاهرها غزاه عشب طفيلي، شواهد عليها اسماء لخصت كينونة بداية ونهاية في تاريخين اثنين. اما باطنها فهو مرقد لأناس ناموا بسلام خارج مدار الزمن كالرضع وفي اقصى اليسار سنديانة شامخة تحضن المكان وتحميه من زمرة الغدر والطغيان.
دخلنا المكان، اتثناه بما يستحق من قدسية حاملين قلوبا مكلومة وسلاما وقنينة ورد وياسمينة.
الزمن: نعلنه لمن نسيه او تناساه، فهو ذكرى مرور سنة على رحيل الفقيد صبري محمد، ولم يتواجد حول قبره غيري وابناؤه هم من أحرقوا المسافات المترامية عبر القارات ليلحقوا الموعد.

أيها الراحل الغائب فينا، ها نحن من حولك جئناك نشكوك التغريبة المرة حاملين شوقا وحنينا، نستحضرك كما عايشتنا وعايشناك كما كنت وكما رحلت ونعلن للوطن عن آخر ما ختمت به سجل دنياك وانت تحتضر، كانت آخر جملة في هذه الدنيا «المغرب في خطر» ورحلت بعدها.

مرت سنة وكلما استحضرناك استحضرنا امة في واحد، فلأزيد من نصف قرن وأنت الكلمة / الفعل الحبلى بوجع الكادحين والمحرومين والمظلومين والمقهورين والمنسيين. فهم من احتلوا رتبة العشق الاولي في ناموس حياتك، وبالمقابل صرت الشوكة المستعصية في لائحة المقامرين والسماسرة والمتامرين والناهبين لخيرات البلد.

منذ أواخر الستينات الى اللحظة وبيتنا الصغير لم يعرف تبديلا باستثناء زيادة قاطنيه، بيت تحكي زواياه قصة كفاحات بفصولها واجزائها من زمن التحدي، زمن الآلات من سنوات الرصاص والسجن والمعتقلات والانتماءات وفي ثناياه تاريخ لكبوات ونشوة لانتصارات املا في تحقيق لحلم الوطن المنشود، هذا البيت الصغير الذي استطاع ان يستوعب اكبر حلم وأحلاه رغم ضيق مساحته، هذا البيت الذي مازال يتحفظ برائحة الصحاب و الرفاق وعرق العاملات والعمال، وطعم التبغ الرخيص ونكهة فناجين القوة، وكانت كالشاهد على الليال الطوال حتى مطلع اولى خيوط الفجر، قصاصات هنا وبيانات هناك ولافتات. و..و… بين مرحلة ومرحلة يسقط شهيد وشهيد ومن سقوطهم نستمد الطاقة وتشحن العزائم التمرد ويتنافس الرفاق في تحمل المهام الصعبة. وكم مرة لعبنا لعبة القط والفأر مع نظام القمع وهو بياغثنا مجتهدا في تنويع اساليبه انطلاقا من طرح السؤال حتى الاعتقال وصولا لاضرام النار في البيت الذي اصبح شبه معقل للاحرار.

في ظل هذه السيرورة كنا نتشكل لبنة لبنة، فكان الارث الذي ورثناه كأغلى شيء يميزنا. ولا ندري متى ولا كيف ثم فعل هذا فينا وهو اقدس ارث وأنت الفقير بلغة العصر لكنك الرافض لما يعرف بالغنى المادي في زمن المسخ لبيع العمم، لنكتشف بعد رحيله اننا قد اصبحنا كلنا… انت باناقتك وقناعتك بعفتك وتمردك على شتى أنواع الظلم والقهر وبمعاداتك للخنوع و الخضوع وبثورتك في وجه المتآمرين عن الوطن. وهنا كان ارثنا.

ايها الراحل.. اعلم اشتياقك لسماع اخبار الوطن فكم مرة غادرت مثواك لتقتحم نومي فقط لتطرح السؤال ذاته.
ولا أخفيك امرا

البطون الجائعة في ازدياد .

ارتفاع مهول للقدم الحافية وللنفوس المقهورة .

حرقة الدمعة في عيون المقهورين لا تحتمل.
اغتيال العدل فينا لا يحصى.

رقعة الشتات فيما بيننا تزداد اتساعا .

ثمن اللقمة يقتطع من ضلوعنا بالاناة والاهات

واليد من اعلى تمتد للسطو علي ما تبقى بكل عنف.

وافتقد الاحرار فينا نشوة الانتماء الذي ألفناه

التجوال ارهق شبابنا بحثا عن انسانيته فكفروا ومزقوا ما لديهم من كتب وشواهد ومحفظات

تعليمنا العمومي يلملم اشلاءه وقد قالوا له ارحل

حتى اصبح كل سندان يسعى لان يصير في الشعب مطرقة وهناك في مغربنا السحيق.

استفحل الوضع بالخارج وازدادت الرقع بجلبابه الوحيد

مسنة الدوار انمحى كوخها الخشبي من على الارض

وهي من كانت تأخذ لكل ليلة لوحا ترديه نارا لتحتميها, اما علي الطموح المتمدرس فقد توقف ولداه عن الدراسة لوعورة ا لمسلك ، وضيق الحال

وهناك الطرف الاخر , اهل الغنى المحدث فقد ازدادوا غنى وازدادوا ثراء حتى التخمة . والغدر زاحف يغتال البسطاء جزء جزء, وطغمة من ذوي القرار كائنات كالمسخ تتلاعب بمصير البلاد والعباد والشعب يقلبه الطغاة على لوح من جمر والظلمة تكتسح النهار فينا جهرا زمرة الطغيان تصول وتنشر البلوى , انتهكت حرمات المواطن فشرع الوطن أبوابه .

شموع استنكار هنا وشموع تصادر هناك , تنتفض الساحات فتكسر جمجمة في شرق البلاد وتفقأ عينا في وسطها وتكسر اضلعا على الساحل  يبس الكلام فينا .

نهرول للفضاء الازرق ونقرأ ما لم نعلنه اجهزة الاعلام الهنجية وحين لا تشفي غليلنا ما تحمله لنا الجريدة.
اما الاحزاب فأغلبها ديكة على مزابلها تصيح والحر فينا بقي عودا  بلا عصارة . هم يريدون لنا ان نكون كما شاؤوا لنا ان نكون , لكننا لا وألف لا لن نكون الا كما شاء لنا الحق ان نكون.

نحن اليوم نتعايش مع اغترابنا

زورقنا في نهايته.. بلا شراع

واليأس لم ينفجر فينابعد

فتحت كل هذا الرماد، نار تكبث اشتعالها نار تلتهم الابواب الموصدة.
والوطن برمته اليوم يستحضر القائد الكبير سي عبد الرحيم مقرونا بقضيتنا الكبرى… حين سجن بسبب رأيه القوي في الدفاع عن الوحدة الترابية.. فمن يتزعمون حكم البلاد غارقون في النهب متناسين اهم قضية

وفي غد آتيك بالبقية 

عم مساءا ايها الراحل فينا.

*المقال كما نشرته الاحداث المغربية

12721896_1747204262176361_789147602_n