لقد شاءت الأقدار الإلاهية، وروابط التاريخ والجغرافيا والدم والدين أن نتواجد جميعا إلى جانب أربعة أقطار مغاربية أخرى على تراب هذا الجزء الغالي من شمال افريقيا، وغرب الوطن العربي الكبير.

ثم شاءت الأقدار أن تتقلص المساحة السياسية للمملكة المغربية على مدى حوالي أربعة قرون، قبل أن تستقر على شكلها الحالي مع بدايات سبعينيات القرن الماضي.

فقد اعترف المغرب قبلا بدولة موريطانيا، والتي كانت نواتها الصلبة هي الشركة الفرنسية لاستخراج الحديد ـ ميفيرما ـ مع أن أبْرز قادة قبائل شنقيط وأدرار وغيرهما جاؤوا وبايعوا محمد الخامس في مستهل 1956، كما أطَّروا بنجاح وحدات جيش التحرير في الجنوب، وكان من أولئك القادة : فال ولد عمير، حرمة ولد بابانا الأمير أحمد عدّة ـ الدّاي ولد سيدي بابا.. وغيرهم.

وبتاريخ 15 يونيو 1972، وقّعت كل من المغرب والجزائر على اتفاقية ترسيم الحدود بينهما، فسارعت الجزائر إلى نشر مقتضياتها في 25 يونيو 1973، إلاّ أن حكومتنا الرشيدة لم تنشر تلك المقتضيات سوى في شهر يوليوز 1992 ـ أي بعد مرور حوالي عشرين سنة على توقيعها ـ بعد مرحلة من التلكؤ والتباطؤ ومداورة أفهام الرأي العام الوطني.

ولقد كانت تلكم الإتفاقية موضع انتقادات لاذعة من طرف عدد من الجهات،  لاسيما وأن اللجنة الوطنية للحدود ـ التي كان الأستاذ الحاج محمد المعزوزي واحدا منها ـ لم تُستَشر ولم تُشارك في إعداد ملف تلك المعاهدة، كما جرى استبعاد اللجوء لمسطرة الاقتراع الشعبي العام المعمول به في كل بلاد المعمور كلما تعلق الأمر بمصير أراضي الأمة.

ولتأكيد الطابع القَرْصَني ـ إذا صح التعبير ـ لتلك الإتفاقية، سارع الجزائريون بمجرد توقيعها إلى القيام بعدة عمليات استيطانية على طول الحدود تشبه إلى حدٍّ بعيد ما تقوم به دولة إسرائيل حاليا من ترحيل قَسْري للسكّان من منطقة لأخرى، وبناء العديد من المرافق العسكرية والمدنية والإدارية لخلق حقائق الأمر الواقع على الأرض.. ثم قاموا بترحيل أعداد كبيرة من أبناء القْنَادْسَة وتْوَات إلى داخل الجزائر لتوظيفهم في أجهزة الجيش والأمن والمخابرات.. ولم تترك في المنطقة سوى شريحة الشيوخ والمُسِنِّين العصيّة على التكاثر البيولوجي.

والمثير للاستغراب، هو أن الدولة المغربية ظلت تحتكر التعامل مع هذا الملف لوحدها.. كما عملت لسنين عديدة مع ملفات الصحراء الجنوبية، وسبتة ومليلية، والجزر الجعفرية.. وغيرها، ممّا شجّع حكام الجزائر على التمادي في غيّهم وعلى تغذية أطماعهم، وصولا بهم لخلق دويلة ـ البوليزاريو ـ من خلال التستُّر بتفعيل الفصل 26 من الدستور الجزائري ـ القاضي بنصرة حق تقرير المصير للشعوب المستضعفة ـ .. إلخ، من الأسطوانة المشروخة ل (العسكريتاريا) الحاكمة في الجزائر، بينما هم لا يرومون في الحقيقة سوى (قضم) المزيد من أراضي المغرب من خلال خلق (محافظة) جديدة لهم تمتد حتى شواطئ الأطلسي.

والمؤلم للغاية، أن لا أحد يتكلم اليوم عن حقيقة الدور الذي قام به الجنرال محمد أوفقير في التسريع بتوقيع هذه الإتفاقية المُجحفة والظالمة، والتي أعطت للجزائر ممرّات ومنافذ استراتيجية هامّة على الأرض ما بين الدولتين، وكان ذلكم الدور في ظرف سياسي شديد العتمة والغموض، وقد حان الوقت لكشف كل ملابساته لمعرفة كل الحقيقة.

ذلك أن الرجل من موقعه آنذاك كوزير للداخلية ثم للدفاع الوطني كان هو الشخص الرئيسي المسؤول عن هذا الملف، وكان يحظى بالثقة المطلقة للملك الحسن الثاني.

كما كان الرجل وقتها يُحضّر لانقلاباته العسكرية لاغتصاب السلطة السياسية في المغرب، مدعوما برفاقه في القيادة الجزائرية من قدامى مرتزقة حروب الهند الصينية كسليمان هوفمان وعبد القادر شابو، وابن قريته الحدودية (عين الشعير) محمد المدغري ـ وزير الداخلية آنذاك ـ وفي مسعاه الإنقلابي المذكور كان يحاول تعويض الدّعم الجماهيري والحزبي في الداخل في ضوء شخصيته الدّموية، وماضيه المُشين.. يحاول تعويضه بالجوار السياسي الجزائري اللاحق والدّاعم على كل المستويات لإنجاح حركته الإنقلابية في حال التجاوب مع مطالبهم.

لذلك كان سريع التِّرحال ما بين البلدين للتسريع بـ (تهريب) هذه الإتفاقية. والغريب أن مصرعه كان بتاريخ 6 غشت 1972 أي بعد مضي أقل من شهرين على عملية التوقيع. ولم يلبث أن لقي نفس المصير الدّموي محمد المدغري شريكه الرئيسي بعد فترة قصيرة في ظروف شديدة التعقيد لا أحد يتكلم عنها في الجزائر حتى اليوم، وذلك أن بومدين كان بدوره مستهدفا بانقلاب مماثل.

وكعضو سابق في تنظيم الفقيه البصري لا أزال أتذكر كيف كان رؤوس هذه الفتنة ينظمون السّهرات الحمراء في (جُوجْ بغَال) يتبادلون بنهايتها معاطفهم العسكرية تيمّنا باليوم الموعود.. وكيف سلّموا بعض رفاقنا ـ إما في أكياس في حالة تخدير كما فعلوا مع الأخ الجعواني، أو مشيا على الأقدام كما فعلوا حين تسليمهم لرفيقنا  محمد رمسيس ـ مفتش الشرطة الهارب إلى الجزائر مقابل اثنين من اللاّجئين الجزائريين في المغرب ـ بحضور عامل وجدة آنذاك الكولونيل العربي الشلواطي، الرفيق الحميم لأوفقير لسنوات طوال.

فإذا كان حكام الجزائر الحاليون سادرين في غيِّهم مُوَلِّين ظهورهم للعقل والمنطق وخيار التعاون الأخوي.. وإذا ما كانت الجزائر نفسها اليوم محكومة بلفيف من الجنرالات المُوالين لفرنسا، والجالسين على رصيد بنكي يتجاوز المائتي مليار دولار يخصصون قسما هاما منها لشراء الأسلحة سنويا.. علما بأن هذه الطريقة في البلدان غير الديمقراطية هي الطريقة المُثلى لنهب المال العام.. ولا سيما في حال نشوب النزاعات المسلحة أو التهديد بذلك.. إذا كان هؤلاء السادة لا يصغُون لنداء التاريخ والدين واللغة والدم المشترك.. إذا كان الأمر كذلك، لماذا لا تقوم أحزابنا ومنظماتنا الوطنية برفع مطلب مراجعة اتفاقية 15 يونيو 1972، كموقف مُوَازٍ للموقف الرسمي لدولتنا الحالي، ثم القيام بتعبئة شعبية واسعة تشمل أساساً أبناء المنطقة الحدودية والمنظمات الحقوقية الوطنية والمغاربية والدولية.. لعلَّ وعسى أن يعود الجميع ـ في يوم من الأيام ـ للسير على سكة العمل المغاربي الواحد الموحّد، كأسلوب وحيد لحلِّ كل مشاكلنا على الحدود، وللإستغلال الرشيد والمعقلن للثروات المعدنية الهائلة التي ترقد في أعماقها، وللقطع مع  مرحلة التآمر والعدوان وتغذية الإنفصالات العقيمة.

إن جنرالات الجزائر الحاليين الذين قاموا بتسميم الهواري بومدين في ـ زيرالدة ـ عام 1978، كما قال رئيس الأركان السابق الكولونيل الطاهر الزبيري، تمهيدا لاستيلاء حوالي مائتين من الضباط الموالين لفرنسا على كل مقاليد الأمور في البلاد.. وتحريف الثورة المجيدة عن أهدافها، وفتح حروب عبثية لا معنى لها مع الجيران.. إن هذا الواقع المؤلم يستدعي بإلحاح من كل أحرار المغرب العربي وشرفائه التحرك لتباحث ما يمكن عمله، وإن أقل شيء يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تطالب به وبإلحاح شديد هو مراجعة اتفاقية الحدود الظالمة لـ 15 يونيو 1972، والتي فصلها على مقاسهم الجنرالات الإنقلابيون في المغرب والجزائر معا : أوفقير والدليمي وهوفمان وشابو وآخرين في هرم السلطة في تونس آنذاك.

ذلك أن لا معنى للاستمرار في احتفاظ الجنرالات الجزائريين بحوالي الثلث من مساحة الجزائر الحالية أي المناطق المسروقة من المغرب كـذوي منيع والقنادسة وتوات وتندوف.. وغيرها.. ماداموا يقفلون الحدود في وجه مواطني المغرب العربي، ويؤججون بؤر التوتر والارهاب، والانفصال في مجموع الشمال الافريقي، ويطلقون نيرانهم على ساكنة الجوار، ويعتدون على المحرمات والممتلكات، ويسخرون أموالهم لدفع المنطقة  إلى حافة  الحرب.

فليعلم القاصي والداني بأن مشروعية ومصداقية هذا النداء مرده إلى أن المغاربة قاطبة سيلبون نداء الواجب في مواجهة الرعونة والصلف والعنجهية الجزائرية الرسمية إذا ما تواصلت حماقاتهم، واستفزازهم، بينما يفتقد جنرالات ـ فرنسا ـ في جزائر اليوم ـ أي دعم جماهيري يقف خلفهم إذا ما ركبوا رؤوسهم.. وقرروا الزج بشعوبنا المغاربية في حماقات لا داعي لها.

فالمجد والخلود لشهدائنا في ثورة المليون شهيد، والخزي والعار للطابور الفرنسي ـ الخامس ـ ومرتزقة الحروب الإستعمارية، الممسكين برقاب أشقائنا في جزائر الثورة.

الأستاذ الباحث:محمد لومة