يمتلك الغرب اليوم مؤسسات عديدة يعمل فيها آلاف المُحلِّلين والباحثين لدراسة ما يجري في العالم، خصوصا في المناطق أو البلدان التي له فيها مصالح إستراتيجية. وتتوفر الولايات المتحدة وحدها على عشرين ألف مُحَلِّل وباحث يعملون بشكل مستمر لاستشراف أحداث معينة يمكن أن تقع في مناطق أو بلدان معينة، وذلك حتى ولو كان وقوعها غير مؤكد لوجود مؤشرات بسيطة تجعل نسبة احتمال وقوعها مستقبلا ضعيفا نسبيا. وتكمن مهمة هؤلاء الباحثين في تطبيق ما يسمونه بـ “نظرية الاحتمالات” على وقائع أو ظواهر معينة عبر البحث فيها وتحليلها لاستباق توقع ما يمكن أن تؤول إليه بغية اتخاذ الإجراءات المناسبة للتعامل معها، أو العمل على تسريع حدوثها، أو الحيلولة دون ذلك، أو لتحويل اتجاهها، أو لتخفيض انعكاساتها السلبية على القوى الغربية…
ومن بين الوقائع التي يخضعها هؤلاء الباحثين للبحث والتحليل احتمالُ حدوث هزَّات شعبية، أو “ثورات” في بلدان معينة، أو انفضاض تحالفات أو تكتلات أو منظمات معينة… وترمي هذه الدراسات إلى القيام بتنبؤات كبرى هدفها التعرف على ما هو محتمل الوقوع. ونتيجة لتسارع التحولات التي يعرفها العالم، فقد زادت أهمية هذا النوع من التحليلات السياسية لأن المختصين في السياسة الخارجية للقوى العظمى فقدوا بعضا من قدرتهم القديمة على معرفة اتجاه الأحداث في العالم بشكل يقيني، لأن حساباتهم السياسية لم تعد دقيقة، كما كان عليه حالها من قبل، في ما يتعلق بما قد يلجأ إليه خصم أو عدو، أو ردود فعله تجاه أي قرار سياسي تتخذه القوى العظمى تجاهه أو تجاه غيره… ويعود ذلك إلى صعوبة التنبؤ، وانعدام الحتمية الخطية لفائدة الحتمية الدائرية، وما إلى ذلك، مما نقل العلم الكلاسيكي الذي تأسس مع “إسحق نيوتن” وغيره من إبدال التبسيط إلى إبدال التعقيد أو التركيبية complexité… كما يرجع ذلك أيضا إلى كون بعض البلدان التي كانت صغيرة قد أصبح لها نفوذ في مناطقها، حيث صارت مؤثرة في توجيه الأحداث في هذه المناطق، فباتت تنافس هذه القوى العظمى فيها. كما أن صعود الصين قد أثَّر في الأوضاع في آسيا. فضلا عن ذلك، فقد بدأ يُلاَحَظُ فشل خطط القوى العظمى الرامية إلى خلق الفوضى في الشرق الأوسط، إذ لن تستطيع السيطرة التامة على حركتها، ما يتجلى في بدء حدوث انفلات زمام الفوضى من يديها…
لقد قال “هنري كيسنجر”، في حوار مع مجلة “ديرشبيجل” الألمانية: هناك ما يدعو الولايات المتحدّة الأمريكية إلى التفكير العميق في وضع أجندة مشتركة بينها وبين الدول العظمى الأخرى أو الصاعدة، والتزامها الحكمة في تصرفاتها تجنُّبا لقيام حروب كبرى. ولقد أقرَّ “كيسنجر” بأن الفوضى السائدة اليوم هي المسؤولة عما سمَّاه “اللانظام الدولي”، وبأن أخطارها لا تهدِّد فقط الأقاليم والمناطق التي تحدث فيها، بل إنها تهدد العالم برمته. كما توصَّلت مراكز بحوث متخصصة مهمَّة في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن الفوضى تعكس قِصَرِ نظر ساسة ومفكرين انساقوا وراء أفكار جعلتهم يعتقدون أنها تضمن لهم عدم قدرة دول إقليمية على الانفلات من قبضة بعض القوى العظمى، وذلك لكي لا تُفاجأ هذه الأخيرة بوجودها في مواجهة منافس إقليمي أو دولي لها، وهو ما فنَّدتهُ الحالة الإيرانية، على سبيل المثال. ويعود ذلك إلى ما بدأ يحدث من تحولات في النظام الدولي، وبروز قوى إقليمية لها قدرات على المنافسة. ويرجع قِصَر النظر هذا إلى رغبة في الوقوف في وجه تيار تاريخي قوي يجتاح العالم تفرضه سُنَّة الحياة والقاعدة التاريخية لصعود القوى العظمى وهبوطها في كل حقبة زمنية. وقد استنتج “كسينجر” أنه لا يمكن بناء نظام عالمي عن طريق الفوضى.
ويعدُّ كتاب “أدوات التفكير الذكي” Tools for smart thinking”” لصاحبه البروفسور “ريتشارد نيسبت” Richard Nisbett”” المتخصص في علم النفس الاجتماعي مرجعا أساسيا لهؤلاء الباحثين المقتنعين بنجاعة تطبيق “نظرية الاحتمالات” على السياسية الخارجية، لأنه يشكل خلاصة سنوات من البحث، ويتضمن العديد من التوصيات المفيدة للقيام بتفكير جديد عميق يساعد على تجنب التفكير غير الواعي الذي قد يؤدي إلى السقوط في إصدار أحكام وقرارات خاطئة. كما يتضمن هذا الكتاب مبادئ رصد الاحتمالات التي تتكرر زمنيا، بهدف التوصل إلى معرفة مدى اتفاق توقعات المُحلِّلِ مع ما وقع فعلا من أحداث وتطورات، ولمعرفة ما يتوفر عليه هذا المحلِّل نفسه من رصيد معرفي…
وتعتمد المؤسسات السياسية نتائج هذه التحليلات لأنها تعتبرها مصدرا أساسيا لسلامة قرارات السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، وتوضع خلاصات هذه الدراسات رهن إشارة رئيس الدولة والمؤسسات المختصة.
وتُنَبِّه هذه المنظومة التحليلية باقي الدول الأخرى إلى ضرورة بنائها لأدوات فعالة وواعية تمكِّنها من فهم كيفية صناعة السياسة الخارجية بوسائل بالغة التعقيد من قِبَل الولايات المتحدة ودول عظمى أخرى، وذلك حتى لا تظل هذه الدول في وضع سلبي تتلقى فيه فقط ما يصدر عن هذه الدول العظمى، وتتمكن بدورها من صناعة توجهات سياستها الخارجية الخاصة بها التي تعبِّر عنها، وتُجنِّبها أي عواقب سلبية، مقصودة كانت أو غير مقصودة.
لم يعد عالم اليوم كعالم الأمس، لأنَّ الدول التي تقدر على حماية نفسها وشعبها من أي أخطار، هي التي تملك أنظمة معرفية متطورة، تستمد طاقتها من قدرات عقول تفكر وتحلل لإنتاج معرفة تمكِّنها من امتلاك رؤية سياسية متكاملة وواعية تنتمي إلى عصر ثورة المعرفة، وتمنحها قدرات على الإنجاز والنمو…

*الاثنين 21 مارس 2016