من فرط ما التبس علينا الأمر وضاعت الحدود بين مضمون السياسة واللغة ، صرنا ندفع، كما في مرافعة المحامي بضم الشكل إلى الجوهر..
نريد أن نزيل الالتباس بينهما ببداهة ما ندافع عنه من سلامة اللغة، كلما كان الوطن هو الموضوع!
نقول:لا صوت يعلو على صوت المعركة، لأننا تعودنا على أن نرفع -هكذا- عاليا نفيرنا الوطني، ولا ننسى ونحن نشحذ حناجرنا ونمد حبالنا الصوتية بعيدة في المدى كي ننشر هوانا على أطول حبل في التاريخ من العاصمة إلى محفل الأمم….
وهكذا تعودنا، ونحن مؤمنون بأن صوت الوطن العالي يجب أن يكون صوتا نقيا صادقا
عميقا …..
وأخلاقيا.
لهذا ربما عندما صمتت مدافع الداخل البلاغية بين أطراف الطبقة السياسية شعرنا بالفرح، بالراحة!
ومنا من تساءل بغير قليل منها: من أين يأتينا هذا الهدوء الفاتن قبل المعركة؟
كان السبب هو أن اللغة الوطنية والقاموس الوطني ، ارتفعا وتعاليا ، ووفر علينا السياسيون لغتهم الضحلة وشتائمهم.
كانت لحظة جميلة أن نتنزه في حب بلادنا بدون أن تزعجنا أصوات مزعجة لأواني اللغة وهي تتساقط فوق أرضية سفلى!
والخلاصة طبعا، حتى لا نقول العبرة، أن اللحظة الوطنية تستوجب ارتقاء في السياسة وارتقاء لغتها وقاموسها وممارستها.
يصعب حقا أن نتمرن على الوطنية في لحظات الأزمة ونحسن الخطاب ثم نعود إلى رماد النيران الباردة في المصالح الضيقة، بدون أن نقلل من شأن حظوظنا وحقوقنا.
فالسياسة عندما تتحكم فيها رهانات الوطن الكبرى، يجب أن تظل كبيرة!
باسطا!.
وحب الوطن ككل حب ،يحتاج إلى لغة سليمة تترجمه، وليس الشعراء وحدهم من يكتبون قاموسها..إنهم كل المواطنين وكل السياسيين وكل القياديين وكل المسؤولين!
لغة الوطن هي روحه في أناقته الأبدية!
ومن هشاشة البلاد أن نكون في حاجة إلى أن نحميها من لغة سافرة،
لغة تتغذى من الدرجة الصفر في السياسة، وأن نذكره في عز الحماس والحرارة بما قد يقع له مع لغة طاعنة في الثلج وأحيانا السفالة!
لقد خفت أيضا صوت الطبول الحربية بين الهيئات، وربما اعتبرت أن من حسن التدبير عدم إثارة شعب يصر على وحدته العليا، وأنه لا بد لها أن تدفن سيوف الحرب حتى تعود الأمور إلى نصابها….. ويعود نصابوها!
والحال أن سمو اللغة السياسية واللحظة الوطنية ليسا طارئين أو لحظة ضمير عابرة، لسبب من الأسباب!
فمن يحترمنا – كشعب وكقضية -عليه أن يحترمنا دوما وليس عندما يكون الوطن في مأزق صعب، فقط!
من يحترمنا عليه أن يثبت بأن الوطن هواؤه ولسانه ولغته في كل لحظة وحين، ليس في لحظة تصفيق جماعية، تعقبها عودة إلى النصب والاحتيال واللغة المنحطة والحسابات الضيقة!
للذين يهجرون اللغة البئيسة في لحظات الوطن العالية، عليهم أن يهجروها دوما حبا له!
وفي هذا نشير : إن انتقاد »بان كي مون« ، ليس هو انتقاد خصم سياسي طبعا:الفرق شاسع بين الاثنين ، وبين الذي يعنيه كل واحد منهما، لكن اللغة واحدة في أي انتقاد نريده:احترام إنسانية الإنسان وعدم تشبيهه بالهامش الذي لا نرضاه لنا!
هناك من سيعتبرون أننا جيل قديم:نحن الذين تلقينا تربية عتيقة في حب البلاد، ما زلنا نعتبره الأب الذي عمر منذ أربعين قرنا، ونعتبر قاموس السفاهة -كلام العيب – في حضرته أمرا مرفوضا لا تقبله الأخلاق الحميدة.
نحن الذين لم نر الذين يلعنون، الذين يطعنوننا في كل يوم ويصلون النوافل ليدخلوا الجنة، بأصوات جامحة نسأل:أين هم أولئك الذين يعرفون كل شيء عن خارطة الجنة ولا يتحدثون عن حدود البلاد؟
إلى أين يذهبون بالوطن؟ ليذهبوا إلى الجنة …وليجيبوا في صمتهم.!!

*عمود كسر الخاطر

    الثلاثاء 22 مارس 2016