قال معاذ بن جبل  “رضي الله عنه” : «تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير على السراء والضراء، والوزير عند الخلاء، والقريب عند القرباء ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة، سادة هداة، يعتدّ بهم، أدلة في الخير تقتفى آثارهم، وتُرمق أفعالهم، وتُرغّب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسهم، وكلّ رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها.. إلى أن قال  “رضي الله عنه” : به يُطاع الله، وبه يُعبد، وبه يُمجّد، وبه يُتورع، وبه تُوصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يُلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء».

… ان الواقع الموضوعي بكل تمظهراته الفكرية والاجتماعية والسلوكية ..تدرك اثاره ونتائجه ايجابا وسلبا ..بناء وهدما ..استقامة وانحرافا ..تقدما وتخلفا  ..من طرف  الذين يتوفرون على الحد المعقول من العلم والمعرفة و يستعملون ايجابا قدراتهم للتامل في الامور والوقائع مما يؤهلهم  لتشكيل موقف خاص بهم او مشترك مع اخرين حول قضية او قضايا مختلفة  تهم الحاضرو المستقبل …

الا ان مستويات الادراك  تختلف وتتباين بين الناس والمجتمعات بسبب مراتب العلم والوعي عندهم …فالامية المركبة تجعل الشخص لايدرك ما الكتابة ولا الكاتب  ولا المكتوب  شكلا وجوهرا حيث تتفاوت دركات التخلف  بتضخم حالة الجهل التي تعطل تنمية المجتمع   …اما الترقي في درجات  العلم والتعلم مع الوعي فترفع من مكانة الانسان والمجتمع والحضارة   ..

.. وكما هو معروف فالعقل  يوثق ويخزن  كل عمليات التلقي والتعلم من الكون والاسرة والمجتمع والمدرسة  و….فيصبح حاملا لتوجهات ومبادئ ومعتقدات بيئته  ويختلف عن غيره باختلاف مستويات معارف من احتك وتاثر بهم وارتاحت نفسه اليهم ووافق هواهم هواه …

وفي مثل هذا قال الرسول الكريم .. (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه…  ) والامر  بطبيعة الحال يشمل كل الديانات والمعتقدات والمذاهب كما يشمل الاخلاق والقيم والعادات والتقاليد والاعراف ..

من هنا  فالتربية  والتعلم السليمين …لايمكن ان يتحققا بتبني او تجاهل التخلف والتساكن مع كل اشكال ومضامين الانحراف الفكري التي تعتبر عند البعض  مرجعا  يعتمد للتجكم في  المجتمع او المؤسسات  بالخلط والجمع التلفيقي بين الجهالة والوعي الايجابي بمبرر احترام الاعراف والخرافات المعتمدة بسبب الاغراق في التخلف والابتعاد عن العلم والفهم السليم للدين ..

قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي اْلأُمِيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾(الجمعة )

…” فالامية ” انواع محاربتها متعددة المناهج والطرق  …فثلا امية الذي لايقرا ولايكتب , شيئ . وامية من يحمل قدرا لاباس به من المعارف لكنه لايدرك حقيقتها وكنهها  شيئ اخر ..وهذا حالنا  في عالم كثر فيه المنتحلون للصفات الذين يسوقون للضلالة والجهل بالهدى قال تعالى .. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾.. فاصبح البعض يدعي الفهم في كل شيئ  من مثل تعليق  احد الاساتذة وهو يمتحن  طلبته ..” فاختبرناه فوجدناه بحرا من العلوم “…فافتى الشيخ في الاقتصاد  وافتى الامي في الدين وتحدث عن حقوق الانسان جلادون ..ودافع عن المراة من يهينها صباح مساء ويعتبرها عورة و..

ان التربية التي لاتزكي ولاتهذب النفس ..ولا ترقى بالعقل الى درجة تليق بالانسان..ولا تتكامل مع ارادته في التغيير والتطور والرقي في سلم العلوم اجتهادا وخبرة وتجربة وابداعا وانتاجا  بما يخدم المصالح المشتركة للبشرية في هذا الزمن ويـيسر للاجيال المقبلة اجواء افضل وارقى واحسن من الزمن الحالي ..لايمكن ان تسمى تربية ..

فالتربية والمعرفة لايتوقف نموهما وعطاؤهما وتجددهما  لانهما عالميتان وضروريتان  الى ان تقوم الساعة ..فالنبي الخاتم (ص) قال

«إن مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وُضعت هذه اللبنة! قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين.»

فالديانات السماوية متكاملة وكلها من منبع واحد فهي اكتملت بتوقف الوحي برسالة سيدنا  محمد” ص ”  التي تتميز بانها موجهة للناس كافة ..لكن فهم الدين وتجدد تدبر معانيه وحكمه  وفقهه وروحه  يتطور بتطور العلوم والمعارف وتطور قدرات الادراك والاستدلال عبر التاريخ ..

فاي  مجتمع نريد ان نبني ؟..وماهي المرتبة التي نريد ان نكون فيها في السلم العالمي للعلم والمعرفة والتربية  ؟

إنّ الحركية  التي تتطور بها الامم الراقية مهولة على اكثر من مستوى ومجال ..وبالتالي  فتحركنا  بالامس في مجال التربية والتعليم اصبح غير ملائم  اليوم في علاقة بمراتب الاخرين .. لان العبرة تكون بالنتائج الفعلية التي تتحقق في الواقع تقدما وتطورا وتنمية ..ولنسائل انفسنا ان اردنا خيرا لبلداننا ..ماهي السرعة التي يجب ان نتحرك بها لنتجاوز تاخرنا ونوقفه ؟ وما هي السرعة الواجب اضافتها لنلتحق بركب من سبقنا ؟

الاجابة على السؤالين تتطلب منا جهدا معرفيا وعمليا كبيرا لامكان فيه للضعف او التردد او التقشف.. فمجتمع المعرفة هو الذي يوظف ويحسن استعمالها  في ادارة وتدبير كل  أموره وفي اتخاذ القرارات السليمة …

..والمعرفة المتميزة  لا يمكن الحصول عليها دون وجود تعليم وتربية متميزين ..انها أصبحت  أهم رأس المال في العصر الحالي وافضل  تجارة وسياسة لبناء المستقبل ..

قال ابن مسعود  “رضي الله عنه” : «نعم المجلس مجلس تنشر فيه الحكمة، وتنشر فيه الرحمة» ..يعني مجلس العلم.

ونختم..بالمقولة التالية : إن لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسانِ عقله، وجوهر العقل الوعي في طريقة رؤيتِه للأشياء..