يصعب تصنيف مكوِّنات المشهد الحزبي المغربي بصورة واضحة، فقد تعدَّدت الأحزاب وتشابهت، نقصد بذلك الأحزاب اليمينية وأحزاب اليسار. وأصبح يصعب التمييز بين خياراتها وبرامجها ومواقفها. وإذا ما أضفنا إلى ذلك أنماط الخطابات الحزبية المتداولة اليوم في الفضاء السياسي المغربي، أدركنا مرة أخرى أن الاختلاط هو سيد المواقف، حيث يصعب التمييز بين الخيارات التي تملأ مجالنا السياسي.

أصبح مطلب تعيين الحدود بين المرجعيات والخيارات ثم الشعارات والبرامج المرحلية في العمل السياسي ببلادنا، مسألة ضرورية في مجتمع يتطلَّع إلى تعدُّدية سياسية عقلانية ومُنْتِجة، مجتمع يتطلَّع إلى إعادة تركيب مفهوم الحزب وبناء مفهوم القطب السياسي، لمواكبة متغيِّرات عالم يتحرك بإيقاع سريع وتملأه أمواج عاتية، عالم تتجدَّد خياراته ومصالحه وتتَّسِع، فلا يكون بإمكان الفاعل السياسي الذي يمتلك مواصفات أزمنة أخرى أن يواكبه ويتفاعل معه.

تبلور مفهوم الحزب في سياقات تاريخية محدَّدة، واتخذ جملة من المزايا التي واكبت صيرورة تشكُّله وتطوُّره، تَمَّ ذلك في المجتمعات الغربية وعَمَّم بعد ذلك، ضمن سياقات تاريخية كانت تتيح إمكانية التعميم وتجد لها المسوغات التي تربطها بشروطها المجتمعية والتاريخية الجديدة. إلا أن التحوُّلات التي جرت وتجري في العالم منذ عقود، تدعونا إلى ضرورة مواصلة التفكير في أهمية التنظيمات الحزبية من أجل العمل على تطويرها بالصورة التي تعزز بها الجدوى من استمرار العمل بها، كأداة من أدوات التنظيم السياسي والاجتماعي، في المجتمعات التي تروم بناء وتعزيز المشروع السياسي الديمقراطي.

نفترض أن الشقوق العديدة التي لحقت المؤسسة الحزبية والعمل الحزبي في مجتمعنا، وما ترتَّب عن ذلك من آثار في تفعيل المشاركة السياسية والمشروع الديمقراطي في مجتمعنا، تدعونا إلى التفكير في مخرج يعيد لليسار بالذات، كما يُعيد للأفق الثقافي التاريخي الذي يواكبه، ما يُمَكِّنُه من توسيع روافده ومجاريه ليتمكَّن من استعادة قوته وجدارته في حاضر المشهد السياسي ببلادنا.
عندما نضيف إلى كل ما سبق، أشكال التشتت التي تسبح في إطارها تيارات الأحزاب اليسارية بمختلف تمظهراتها، ندرك الدوافع التي تدفعنا اليوم إلى التفكير في آليات أخرى للجمع والتنظيم والتدبير، لمواجهة التحدِّيات العديدة القائمة في مجتمعنا وفي مشهدنا السياسي.

نفترض أن الاهتمام بقطب اليسار داخل راهن مشهدنا الحزبي، يؤهِّل الأحزاب اليسارية والتنظيمات المدنية الأخرى، الثقافية والحقوقية منها ذات الأفق اليساري والمرجعية التاريخية الحداثية، من مواجهة العوائق والصعوبات التي تحاصر مشروع الإصلاح والدَّمَقْرَطَة، وتعميم مناخ الحريات في مجتمعنا.

لِنَنْتَبِه جيداً إلى التحصين الذي ما فتئت تمارسه ثقافة الحداثة والتاريخ في حاضرنا، رغم كل أشكال التسلُّط التي تمارسها الثقافة العتيقة في مجتمعنا، إنها تقف اليوم بالمرصاد لِتَصُدَّ بكثير من اليقظة مختلف صُوَّر التنميط التي ما فتئت تعمل على إتلاف مكاسب ومنجزات ثمار الثقافة العقلانية والتاريخية في مشهدنا الثقافي.

نتصوَّر أن مفهوم القطب السياسي يسمح ببناء الآلة السياسية الجديدة، القادرة عند الاقتناع بها وبنائها بالمساهمة في ابتكار صيغ تنظيمية وإجرائية جديدة، تساعد على الإمساك بصورة أفضل، بتنوُّع ووحدة التعدُّد السياسي اليساري في مشهدنا السياسي، وإذا كنا نعرف أن هذه المسألة ليست أمراً سهلاً، بحكم استئناس الفاعل السياسي بآليات محدَّدة في العمل الحزبي، ورُكُونِه إلى نمط من أنماط العمل الذي يتيحه اليوم فضاؤنا السياسي، إلا أن الانسداد الذي نلاحظه في آليات العمل المتبعة في هذا الباب، يفرض ضرورة البحث في سبُل كسره وبناء آليات تخترقه، وتبني بَدَلَه ما يُمَكِّنُ من بلورة وإبداع صيغ أكثر إجرائية وأكثر نجاعة.
تزداد أهمية ما نحن بصدد التفكير فيه عندما ندرك أن صيغ وآليات العمل السياسي، التي تعكس في بعض أوجهها كفاءة المجتمع السياسي في تركيب وبناء الوسائل، التي تسمح له بتجميع الموارد والآليات المُمْكِنَة والمتاحة، وتسخيرها بصورة تُمَكِّن من تطوير ومضاعفة مردوديتها.

يتحوَّل كل من مفهوم الحزب ومفهوم القطب في سياق ما نحن بصدد التفكير فيه إلى مرادفتين. فالقطب بديل للحزب، إنه بديل لأحزاب صغيرة وتيارات يتمِّم بعضها البعض الآخر، المشترك بينها يفوق نمط الخلاف والاختلاف، وهو بديل يستوعب الأحزاب ذات الأفق المرجعي المشترك، حيث يمكن للأحزاب وقد تحوَّلت إلى قطب واحد إعادة هيكلة نفسها ضمن برنامج يتم التوافق بشأنه، وذلك في ضوء شعارات مرحلية مضبوطة ومُحَدَّدة، الأمر الذي يسمح كما أشرنا آنفاً باختراق النظام الحزبي المُوَلِّد للتشرذم، ويُمَكِّن من جهة ثانية، من مواجهة كل ما مُحافظ ومُحاصِر للمشروع السياسي الديمقراطي.
يتجه القطب السياسي الجامع لمختلف الأحزاب اليسارية، والمحتضن في الآن نفسه، لمنظمات المجتمع المدني الثقافية والحقوقية، والتنظيمات الاجتماعية والنقابية المعنية بمشاكل المُهَمَّشِين والأُجَراء والعاملين في قطاعات مختلفة، لتركيب قطب سياسي يكون بإمكانه توسيع قواعده بإشاعة ثقافة جديدة في مشهدنا السياسي.

لا يقدم التوصيف المستوعب في الفقرات السابقة وصفةً سحريةً لتخطِّي مأزق حاصل في مشهدنا الحزبي، وفي دائرة الأحزاب اليسارية بالذات، إنه يبني مقترحاً عاماً يستوعب التعدُّدية الحاصلة ضمن أُفُقٍ يمنحها فضاء للعمل السياسي المشترك، والقادر في الوقت نفسه على رفع بعض أوجه الشَّلَلِيَّة المُفْقِرَة لأدائه السياسي وحضوره المُقْنِع في مجتمع متغيِّر.. وما يُعَزِّز قوة هذا المقترح في نظرنا هو طبيعة الانتظارات السياسية القائمة في مجتمعنا من جهة، وعدم قدرة نُخَبِنَا المؤمنة بالحداثة والتاريخ والتقدُّم، من التخلص من مفاهيم ومقدمات ومبادئ لم يعد بإمكانها أن تساعدنا على زحزحة كثير من قناعاتنا، فأصبحنا سجناء قيدين اثنين، مفاهيم يصعب عليها فك مغلقات المجتمع والعالم، وفلسفة تَعَلَّمْنَا أنها إنتاج تاريخي ثم نسينا ذلك فأصبحنا نتحدث عنها بلغة الإطلاق.
نعرف أن اليمين المُحافِظ استطاع صناعة قطب كبير داخل مجتمعنا، حيث شكَّلت الجمعيات الخيرية وكثير من التنظيمات المدنية في القرى والمدن المغربية ما حوله إلى شبكة داخل فضاء المجتمع المغربي، شبكة تنتصر لخططه في العمل السياسي، الأمر الذي مكَّنه من اكتساح مجالات وقطاعات عديدة. ولا يمكن مواجهته وتوقيف أشكال تَمَدُّدِه واتساعه، إلاَّ بتجاوُر التشرذم المتفشِّي في الأحزاب والتيارات السياسية اليسارية والحداثية.

فهل نستطيع القيام بذلك؟

*الجمعة 25 مارس 2016