تعرف التنمية المستدامة بأنها التنمية التي تحقق احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة، وأي احتياج أعظم من الصحة.

طبعا، الصحة هي مخرج لعملية التنمية، لكنها أيضا شرط انطلاقها وأرضيتها الأساس. على سبيل المثال، الفقراء ليسوا أكثر عرضة للمرض فقط بسبب ظروف العيش غير الصحية كالسكن غير اللائق والماء غير الصالح للشرب والتغذية غير الملائمة وضعف الثقافة الصحية والعمل السيئ وبأجور زهيدة، ولكن المرضى وأسرهم أيضا أكثر عرضة للإملاق بسبب التكاليف الصحية المباشرة كالاستشفاء والدواء وغير المباشرة كمصاريف التنقل والأكل والتوقف عن العمل أثناء فترات المرض، بالتالي، هناك دائرة مفرغة تربط المرض والفقر، لذلك يعتبر السعي من أجل أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة الجسدية والعقلية طيلة فترات العمر من الإستراتيجيات الأساسية لمحاربة الفقر وتحقيق التنمية.

على المستوى العملي، يمكن أن يشكل توفير قابلة مؤهلة ومحفزة ومقبولة من طرف النساء لساكنة منطقة جبلية في الأطلس الكبير مثلا تدخلا على نفس درجة الأهمية من توفير أنشطة مدرة للدخل عن طريق تثمين منتوجات المجال أو مشاريع للتأقلم مع التغيرات المناخية كزرع أعلاف بديلة في هذه المناطق الحساسة أو تشييد طرق لفك العزلة عن سكان الجبال.

ومن المنصف اليوم الاعتراف أن الحق في الصحة مرتبط كذلك بالقوى العاملة الصحية. في الحالة المغربية مثلا، توجد مراكز صحية أولية أو استشفائية كثيرة مجهزة لكنها مغلقة أو لا تشتغل بطاقتها القصوى، بل إن بعض المستشفيات المحلية بواويزغت وبولمان ودمنات مثلا أعيد تصنيفها مراكز للرعاية الصحية الأولية نظرا  لعدم وجود عاملين صحيين بكل بساطة، وبالتالي، فصنع سياسة ناجعة في مجال الموارد البشرية الصحية أساسي لإعمال الحق في الصحة والحق في التنمية وباقي الحقوق. إنها مسؤولية أساسية للنظم الصحية الوطنية للدول.

تاريخيا، تعرضت القوى العاملة الصحية إلى إهمال مُمْرِض، مفْقِر وقاتل، بفضل سياسات التقشف الحكومي وضعف التحفيز وبرامج من قبيل التقويم الهيكلي والمغادرة الطوعية. في هذا السياق، صنفت منظمة الصحة العالمية 57 دولة بأنها تعرف نقصا حادا في الأطر الصحية، أي أنها عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية الأساسية وغيرها، وللأسف الشديد، يظهر المغرب ضمن هذه البلدان إلى جانب دول جنوب الصحراء والصومال والعراق وغيرها من الدول الفاشلة أو التي عرفت حروبا ونزاعات، متخلفا عن دول في نفس مستوى التنمية الاقتصادية كالجزائر ومصر وتونس وليبيا وسورية. مرت الآن عشر سنوات على هذا التقرير، والأمور سائرة من السيئ إلى الأسوأ. ولا شك أن الأثر سيكون أشد وطأة على المجموعات المهمشة داخل المجتمع كالنساء والمسنين والمعاقين والفقراء والمهاجرين.

إضافة إلى ذلك، يعرف العالم مشكل سوء توزيع وهجرة متزايدة للموارد البشرية الصحية بحثا عن ظروف عمل أفضل، مما يعمق التفاوت الاجتماعي في الصحة داخل الدولة الواحدة وبين الدول ويطرح بقوة تحدي العدالة والإنصاف في الوصول إلى مقدمي خدمات صحية ذات جودة، في الوقت والمكان المناسبين.

في المغرب، ينضاف إلى ما سبق معاناة العاملين الصحيين من تمثلات اجتماعية دونية وحضور باهث في الأجندة السياسية، ويشتكون من  العنف الممارس ضدهم ومن سوء ظروف العمل وهزالة الأجور وتباين التعويضات وضعف الإطار القانوني المنظم لعملهم وكذا التباين بين التكوين الأساسي واحتياجات الواقع، ويشتكي المواطنون من استفحال الممارسات المشينة والدفع غير الرسمي والعلاقات الملتبسة بين القطاعين العام والخاص.

اليوم، لا غنى للنظم الصحية الوطنية عن إعداد عاملين صحيين مدربين جيدا ومحفزين ومتوفرين بأعداد كافية من أجل بلوغ مرامي السياسات الصحية الوطنية وأهداف الألفية للتنمية، خاصة أن الموارد البشرية الصحية تجسد القيم الأساسية للنظام الصحي، فهم يداوون المرضى ويرعونهم، ويخففون آلامهم ومعاناتهم، ويوفرون الوقاية من الأمراض ويحدون من المخاطر المحتملة، فهم الرابطة الإنسانية بين المعرفة والعمل الصحي.[i]

طبعا لا توجد القابلات والممرضات والممرضون والأطباء العامون في الخط الأمامي لربح معركة الصحة والتنمية فقط، لكنهم الأكثر توزيعا على المستوى المجالي والأكثر قربا من الناس، والمراهنة عليهم لا شك رابحة من اجل تحقيق نتائج ايجابية في البرامج الصحية والإنمائية.

في عالم يتحول بسرعة وتحديات متنامية، لم يعد من المقبول السماح باستمرار الأزمة القاتلة للموارد البشرية الصحية، يجب على النظام السياسي أن يتحرك الآن.

*عن صفحة الكاتب