*حسام هاب

ارتبط سؤال الديمقراطية في المغرب ارتباطا وثيقا بتاريخ المغرب الراهن سواء ما تعلق بمرحلة الحركة الوطنية إبان زمن الحماية أو خلال مرحلة بناء المغرب المستقل التي تميزت بتعدد الأزمات السياسية والتداخل في العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب. وهو السؤال الذي ظل يطرح باستمرار طيلة سنوات الاستقلال بصيغة محددة:

لماذا لم نلج زمن الديمقراطية عند حصول المغرب على استقلاله سنة 1956؟. وفي هذا السياق شكل الفعل السياسي لعبد الرحيم بوعبيد (1920-1992) مرجعية تاريخية للتقصي والتساؤل لدى الفاعلين السياسيين والباحثين حول محطات متعددة من تاريخ المغرب الراهن، خاصة فيما يتعلق بأسئلة الحاضر حول المسارات السياسية التي يعرفها المغرب منذ الانفتاح السياسي والحقوقي بداية التسعينات من القرن الماضي.

من هنا تستند قراءتنا في إشكالية الديمقراطية خلال مرحلة مغرب الاستقلال على دراسة وتحليل آراء ومواقف عبد الرحيم بوعبيد حول المسألة الديمقراطية في المغرب المستقل، مجسدة في خطابه ورؤيته الخاصة لبناء نظام سياسي ديمقراطي باعتباره رجل دولة ساهم في تدبير الشأن الحكومي والديبلوماسي، وزعيم سياسي عمل في واجهة العمل الحزبي. فبعد أن كان أحد الوجوه البارزة في معركة المطالبة بالاستقلال فإنه قد أصبح أيضا من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في مجرى الأحداث خلال مرحلة الاستقلال، والتي دافعت عن الديمقراطية في المغرب من خلال إرساء نظام ملكي دستوري ديمقراطي، وهو ما تجسد في قيادته لحزبي الاتحاد الوطني والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لاحقا حيث نقلهما من الاختيار الثوري إلى النضال الديمقراطي، وعبر عن مفهومه للديمقراطية ورؤيته لها من خلال مواقفه من المؤسسة الملكية، وأيضا عبر حواراته وخطاباته ومذكراته وأدبيات الحزب التي ساهم فيها ولعل أبرزها «استراتيجية النضال الديمقراطي» التي اختارها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ مؤتمره الاستثنائي سنة 1975 كخط سياسي مرحلي للمساهمة في التغيير الديمقراطي من داخل المؤسسات المنتخبة.

I. أولوية الاستقلال على الديمقراطية عند عبد الرحيم بوعبيد (1955-1960):

كان عبد الرحيم بوعبيد خلال هذه المرحلة منخرطا في مسار بناء المغرب المستقل حيث تقلد منصب وزير دولة في أول حكومة وطنية مكلفة بالمفاوضات مع فرنسا سنة 1955 والتي أدت إلى توقيع اتفاقية 2 مارس 1956 والاعتراف الفرنسي الرسمي باستقلال المغرب، وتم تعيينه في نفس الوقت سفيرا للمغرب بباريس لمتابعة أشواط المفاوضات بين المغرب وفرنسا عن قرب. كما تقلد بوعبيد مناصب وزارية أيضا من أكتوبر 1956 إلى ماي 1960 لعب فيها دورا بارزا في هيكلة الاقتصاد الوطني وتحضير التصميم الخماسي الأول الذي كان يرمي إلى تغيير الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في المغرب على أسس جديدة .
ورغم انغماس عبد الرحيم بوعبيد في العمل الحكومي فقد كانت له آراء واضحة حول المسألة الديمقراطية في محطات متعددة، لم تشكل استثناء عن الموقف العام لحزب الاستقلال بضرورة تأجيل الديمقراطية وإعطاء الأولوية لاسترجاع الاستقلال ومظاهر السيادة الوطنية. ويمكن رصد مواقف بوعبيد من خلال ثلاث محطات سياسية بارزة:

1. المحطة الأولى: المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال في دجنبر 1955:

انعقد المؤتمر الاستثنائي في الفترة ما بين 2 و5 دجنبر 1955 بالرباط، في سياق دعوة السلطان محمد بن يوسف حزب الإستقلال إلى المشاركة في حكومة إئتلافية يترأسها امبارك البكاي تكون مهمتها التفاوض مع الحكومة الفرنسية من أجل تحديد مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية على أساس الإعتراف باستقلال المغرب . وكان المؤتمر نتيجة قرار اتخذته اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال في اجتماع عاجل عقدته بمدريد في الفترة ما بين 17 و21 نونبر 1955 لتحديد الموقف الذي سيعرض على المؤتمر الإستثنائي للحزب وقد اتفق في هذا الإجتماع على جدول أعمال المؤتمر الذي اشتمل على النقط التالية:
• بيان من اللجنة التنفيذية عن الوضعية السياسية مع توصياتها ومقترحاتها.
• بحث مواضيع مستعجلة تتلخص في شروط مشاركة الحزب في الحكومة وأسس المفاوضات مع فرنسا، والتغييرات المطلوب إدخالها على جميع المؤسسات الحكومية والسلطات التشريعية والقضائية والإدارية .
تكلف عبد الرحيم بوعبيد في هذا المؤتمر بتقديم التقرير السياسي حيث حدد مهام الحكومة الانتقالية أي الحكومة الوطنية التي سيرأسها امبارك البكاي يوم 7 دجنبر 1955 في المفاوضات مع فرنسا بهدف عقد اتفاق جديد يضمن للمغرب استقلاله ويضمن النظام الدستوري بعد تحرير السيادة . واعتبر بوعبيد أن “التسيير الحقيقي لشؤون البلاد لن يكون ممكنا ولو مؤقتا ما دام النظام الاستعماري للحماية قائما. إن الحكومة المغربية لا يمكنها أن تتصرف حقيقة وتنجز الإصلاحات الأساسية في الميدان الدستوري والإداري والاقتصادي والاجتماعي إلا بعد تسليم السلطات ونهاية العمل بنظام الإدارة المباشرة” . وطرح عبد الرحيم بوعبيد تصوره وتصور الحزب لضرورة تأجيل الديمقراطية قائلا “إن هذه الفترة الانتقالية لا يمكن أثناءها تفويض أي سلطة تشريعية للحكومة وسيكون من الخطأ الفادح في فهم الديمقراطية أن نفكر في توزيع السلطة التشريعية بين جلالة الملك والحكومة المغربية التي تنحصر مهمتها الأساسية في تنفيذ القوانين، وعلى هذا فسيظل جلالة الملك هو المؤتمن الوحيد على السلطة التشريعية ولا يمكن أن يسلمها إلا لمجلس وطني منتخب متمتع بكامل السيادة” . أما اختصاصات الحكومة الإئتلافية على المستوى التشريعي فمن الواجب حسب بوعبيد “أن تكون محدودة ومعينة وينبغي أن يكون من مهامها بالأخص إصدار قرارات تطبيقية فيما يتعلق بالنصوص التشريعية الصادرة عن جلالة الملك وكذلك إمكان اقتراح مشاريع القوانين”. ويقدم عبد الرحيم بوعبيد في التقرير السياسي الإصلاحات الأساسية المطلوب القيام بها ريثما تنتهي مفاوضات الاستقلال مع فرنسا وحددها كالتالي “… فريثما تتم المفاوضات التي ستفضي إلى نظام ديمقراطي يقوم على الملكية الدستورية، يمكن القيام من الآن ببعض الإصلاحات الأساسية: تأسيس مجالس محلية منتخبة (…) وتأسيس مجلس استشاري مؤقت بجانب السلطة المركزية، وقد عبر جلالة الملك عن إرادته في إيجاد مجلس استشاري مغربي يقوم إلى جانبه ليعينه في مهمته…” . وبالنسبة لبوعبيد فإن المجلس الاستشاري مرحلة انتقالية نحو ملكية دستورية حيث قال “من البديهي أن هذا المجلس إنما هو مؤسسة مؤقتة تعبر عن عزمنا على أن نسلك بدون تأخير طريق الملكية الدستورية. ولكن هذه المؤسسة ينبغي أن تلغى بمجرد تحرير السيادة المغربية من قيودها ليحل محلها مجلس وطني منتخب يتمتع بكامل السيادة” . وحدد بوعبيد اختصاصات المجلس الاستشاري في النقط التالية: “استشارته في كل مشروع قانون يكلفه صاحب الجلالة بدراسته. يقدم المجلس للحكومة آراءه بشأن مشاريع الإصلاحات التي تقدم له وإصدار توصيات عند الحاجة فيما يتعلق بتسيير الشؤون العامة وسير المفاوضات المغربية الفرنسية. دراسة مشروع الدستور المغربي وتحريره…” . أما مزايا المجلس الاستشاري في الحياة السياسية بالمغرب فربطها بوعبيد بدوره في المساهمة في تكوين حياة عامة في المغرب، وإشراك مختلف طبقات الشعب المغربي في تسيير شؤون البلاد حتى يكون المجلس مقدمة للنظام الديمقراطي الذي يطمح إليه حزب الاستقلال والملك .

2. المحطة الثانية: اجتماع اللجنة السياسية لحزب الاستقلال يوم 17 أبريل 1958:

تعتبر سنة 1958 وقبل تشكيل حكومة أحمد بلافريج (ماي 1958- دجنبر 1958) مرحلة تحول لدى الملك محمد الخامس في رؤيته للبناء الدستوري في المغرب، ويمكن قراءة هذا التحول من زاويتين: أولا: تحول المطلب الدستوري في خطاب الملك، وثانيا: النقاش الذي جرى داخل اللجنة السياسية لحزب الاستقلال حول العلاقة بين القصر والحكومة .
فاجتماع اللجنة السياسية عقد في سياق الأزمة الحكومية التي عرفها المغرب سنة 1958 بعد الاستقالة التي قدمها وزراء حزب الاستقلال التسعة من حكومة امبارك البكاي الثانية يوم 15 أبريل 1958 كرد فعل مباشر على موافقة البكاي على عريضة تنتقد حزب الاستقلال قدمتها “الجبهة الديمقراطية” (كتلة الدفاع عن الحريات الديمقراطية) المشكلة من هيئة الأحرار المستقلين والحركة الشعبية وحزب الشورى والاستقلال وحزب الوحدة والديمقراطية، حيث أصدر البكاي من رئاسة الوزارة بلاغا قال فيه إنه يوافق على هذه العريضة .
هنا سيبرز موقف آخر لعبد الرحيم بوعبيد من المسألة الديمقراطية وذلك خلال العرض الذي قدمه حول الأزمة الحكومية في اجتماع اللجنة السياسية لحزب الاستقلال يوم 17 أبريل 1958. فقد طرح بوعبيد في عرضه إشكالية غياب الدستور معتبرا أن المغرب “بلد ليس فيه دستور أو فيه دستور تقليدي مرتجل، هناك نوع من العلاقات بين رئيس الدولة وبين الحكومة (…) كل المسؤولية في يد جلالة الملك والتفويض غير موجود وقد يكون موجودا ولكن القرار بين يدي المشرع…” . وألح بوعبيد على ضرورة تنظيم العلاقات بين الحكومة والملك خاصة فيما يتعلق بالاختصاصات مثل اختصاصات وزير الدفاع ومسألة الأنباء هل هي تابعة للحكومة أو للقصر، ومسألة الشرطة هل هي تابعة للداخلية أم لا، وكذلك الديوان الملكي والعلاقة بينه وبين الحكومة . ويؤكد عبد الرحيم بوعبيد أن دخول حزب الاستقلال إلى الحكم يجب أن يكون مبنيا على برنامج واضح قائم على “إصلاح إداري في الخلل الموجود من عهد الحماية، مسألة التطهير، نظام الحريات الديمقراطية والفردية والصحافة (…) كذلك مسألة الانتخابات وهي مسألة أساسية درستها اللجنة التنفيذية منذ تأسست الحركة وهي تطالب بتأسيس نظام ملكي دستوري (…) وأصبح من الضروري أن نضع في تأسيس برنامجنا برلمان دستوري ونجعله في برنامجنا المستعجل الذي يجب أن ينفذ والانتخابات البلدية وانتخاب البرلمان (…) ونطلب تعيين تاريخ للانتخابات البلدية والقروية ويجب أن نهيء فرصة لانتخاب البرلمان”.وبعد هذا الاجتماع عقد اجتماع ثاني للجنة السياسية لحزب الإستقلال يوم 19 من نفس الشهر حيث أصدرت بيانا تحدد فيه شروط مساهمة الحزب في الحكومة وهي: دعم الإستقلال، وجلاء القوات الأجنبية، وتعزيز روابط التضامن مع شعوب المغرب الشقيقة، وإقامة مؤسسات ديمقراطية، وبناء ازدهار اقتصادي واجتماعي في البلاد، وتشكيل حكومة منسجمة، وإقرار الضمانات الدائمة للحريات العامة، وتحديد مواعيد الإنتخابات البلدية والقروية، وتأسيس نظام ملكية دستورية، واقتراح تأسيس مجلس وطني نيابي .

3. المحطة الثالثة: محاضرة “سنتان ونصف بعد الاستقلال” يوم 22 أكتوبر 1958:

ألقى عبد الرحيم بوعبيد هذه المحاضرة يوم 22 أكتوبر 1958 في قاعة المعرض الدولي بالدار البيضاء بعد مرور خمسة أشهر على تشكيل ما سمي بـ “الحكومة المنسجمة” برئاسة أحمد بلافريج التي كان يتحمل فيها عبد الرحيم بوعبيد مسؤولية نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد الوطني. وتحدث بوعبيد في هذه المحاضرة عن سياسة الحزب والمشاكل الطارئة والدعاية المسمومة، والثقة بالنفس والتحرر من الاندماج في الاقتصاد الفرنسي، وتطهير الجهاز الإداري من العناصر الأجنبية، وتكوين الأطر المغربية، وإصلاح التعليم، ومعادلة الميزانية المغربية . وتناول بوعبيد بعد ذلك المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد المغرب بمؤازرة قوى أجنبية كما هو الشأن في قضية “عدي وبيهي” ، ثم تطرق إلى محاولات تشتيت الحزب وأكد في نهاية محاضرته أن تحقيق البرنامج الوطني لحزب الاستقلال في التحرر الاقتصادي والاجتماعي يكمن في وحدة الحزب . أفرد عبد الرحيم بوعبيد للمسألة الديمقراطية مساحة واسعة في محاضرته، طرح خلالها تصوره الجديد للديمقراطية في المغرب، وهو التصور الذي تأثر بأزمة حكومة البكاي الثانية والنقاش السياسي الذي عرفته اللجنة السياسية والتنفيذية لحزب الاستقلال لاتخاذ موقف واضح من تلك الأزمة وشروط المشاركة في الحكم. فقد حدد بوعبيد في محاضرته سياسة الحزب فيما يتعلق بإقرار نظام ديمقراطي قائلا “إن سياسة الحزب كانت ولا تزال تقوم على أساس تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين عناصر الشعب وتأسيس نظم دستورية ديمقراطية تحت رعاية جلالة الملك المعظم سيدي محمد الخامس، هذه هي الخطة التي سنها حزب الاستقلال من قبل ولا يزال يسير عليها كما لا نزال على الدوام مستعدين للدفاع عنها…” . واعترف عبد الرحيم بوعبيد أن المغرب رغم الانجازات المهمة التي حققها فهو لا يزال متأخرا في إقرار النظام الديمقراطي معبرا عن ذلك بشكل صريح “ونحن نعترف من جهة أخرى أن دولتنا رغم المنجزات العظيمة بقيت متأخرة من حيث النظم الديمقراطية الدستورية، ونحن نعترف أن أية سياسة لا يمكن أن تكون صالحة في هذا العصر إلا إذا قامت على إرادة الشعب وصدرت من أعماقه” .
وأكد بوعبيد على رغبة الملك محمد الخامس في إقرار الديمقراطية “وجلالة الملك المعظم سيدي محمد الخامس الذي أصر أيام الشدة على التضحية بعرشه في سبيل شعبه، والذي ضمن في بلاده الحريات النقابية والسياسية (…) لا يزال متشبتا بالنظم الديمقراطية الدستورية. إن جلالته يدرك حق الإدراك رغائب شعبه في هذا الصدد ويعرف حق المعرفة مقدار ما تحقق الحياة الديمقراطية للبلاد من نظم قارة تحدد واجبات المواطن وحقوقه…” . كما طرح عبد الرحيم بوعبيد في محاضرته العوائق التي تحول دون إقرار النظام الديمقراطي مؤكدا على أن الظروف مواتية لإقراره “… بعد الاستقلال برز في هذه البلاد من أخذ يشوه سمعة التوجه الديمقراطي والدفاع عنه والظهور بمظهر صاحب الحق الأول في المطالبة به، مما أدى إلى كثير من الإلتباسات واختفت الحقيقة وراء هذه الإدعاءات. إلا أنه جاء الوقت الذي يجب فيه تحقيق هذه الأشياء فهناك عناصر استغلت نظام الحرية لتحطيم الحرية…” . استمر الدور الأساسي لعبد الرحيم بوعبيد في رسم السياسة الاقتصادية لمغرب ما بعد الاستقلال خاصة في حكومة عبد لله إبراهيم (1958-1960) التي خلفت حكومة أحمد بلافريج، وعكست الصحافة الوطنية آنذاك وبلاغات المنظمات السياسية والنقابية وبلاغات الديوان الملكي دور بوعبيد وأهميته في القرارات التي اتخذت في حينه . لكن القرارات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها حكومة عبد لله إبراهيم أثرت في مصالح العديد من الأطراف التي كانت ترى فيها توجها واختيارا اشتراكيا، ومسا بمصالحها المرتبطة حتما بمصالح فرنسا التي لن تترك أي فرصة تمر دون عرقلة التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب. وكان أهم طرف سياسي عبر عن موقفه المعارض لهذه التحولات الاقتصادية هو حزب الاستقلال الذي كان بدوره ينتقد التجربة الحكومية، وقد فعل ذلك من باب خلفية الانشقاق الذي وقع فيه سنة 1959 وأدى إلى ميلاد حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كان لتعارض المصالح والمسارات والرؤى ومناهج العمل بين الاتحاد الوطني المساند لحكومة عبد الله إبراهيم (يعتبر عبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم من مؤسسيه) وأطراف أخرى داخلية وخارجية، دوره في اشتداد الضغط على حكومة عبد الله إبراهيم بدءا بإقالة المهدي بن بركة من رئاسة المجلس الاستشاري في منتصف دجنبر 1959، ثم توقيف جريدة التحرير الناطقة باسم حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واعتقال مديرها محمد الفقيه البصري ورئيس تحريرها عبد الرحمن اليوسفي، وانتهاء بإقالة حكومة عبد الله إبراهيم من طرف الملك محمد الخامس يوم 20 ماي 1960. وفي 26 ماي 1960 نصب الملك محمد الخامس الحكومة الجديدة التي تولى رئاستها في حين كان ولي العهد الأمير الحسن في الحكومة بمنصب نائب الرئيس، لكنه في الحقيقة كان هو رئيسها الفعلي جامعا حوله مختلف التيارات السياسية التي شكلت سابقا المعارضة السياسية لحكومة عبد الله ابراهيم، إضافة الى شخصيات أخرى معروفة بقربها من القصر خاصة رضى اكديرة الذي عين مديرا لديوان الأمير الحسن. وبعد أيام قليلة تم التفويض لولي العهد سلطات رئيس المجلس الحكومي .
وبإقالة هذه الحكومة سيدخل المغرب فترة سياسية جديدة تمثلت في إنتهاء دور الأحزاب السياسية الوطنية في المشاركة في تسيير أمور الدولة، واقتصارها على المعارضة كالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أو الاستسلام وقبول البرامج المعروضة عليها كحزب الاستقلال، بينما تركزت كل السلطات في يد الملك ، تعبيرا عن انزياح النظام عن فكرة الملكية الدستورية لتبني نظام الملكية التنفيذية المطلقة مع جمع الملك لكافة السلطات بين يديه محتكرا بذلك كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية .

II. عبد الرحيم بوعبيد.

في مواجهة الملكية المطلقة (1960 – 1975):
كان عبد الرحيم بوعبيد من مؤسسي حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لكن مسؤولياته الحكومية حتمت عليه عدم الظهور في واجهة حدث تأسيس الحزب يوم 6 شتنبر 1959. وبانتهاء دوره في حكومة عبد الله إبراهيم سيبرز عبد الرحيم بوعبيد في واجهة العمل الحزبي الذي كان فرصة للتعبير عن مواقفه ورؤيته الجديدة للمسألة الديمقراطية في المغرب خلال هذه المرحلة، والتي تميزت بطرح وتحليل إشكالية الحكم المطلق والنضال في سبيل إقرار مؤسسات دستورية تحظى بثقة الشعب، وإقامة هياكل تمثيلية حقيقية تؤسس لنظام حكم ديمقراطي بالبلاد . وكانت حملة الانتخابات الجماعية والبلدية التي تقرر إجراءها يوم 29 ماي 1960 أول نشاط حزبي يشارك فيه بوعبيد. فقد اعتبر أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية رغم عدم استعداده لهذه الانتخابات فالظرفية السياسية تحتم عليه المشاركة فيها ولم يكن ذلك حسب وجهة نظره من أجل النتائج في حد ذاتها بقدر ما كان ذلك أساسا “لكون الحملة الانتخابية مناسبة لفضح التوجه اللاشعبي للحاكمين الجدد وشرح اختياراتنا على مستوى الجماعات والبلديات والتوعية بالمشاكل الملموسة” .
ساهم عبد الرحيم بوعبيد في تأطير تجمعات كبرى أبرزها تجمع بملعب بيكس في الرباط يوم 27 ماي 1960 الذي ألقى فيه خطابا موظفا كلمات قوية تجاه النظام الملكي، حيث قال بوعبيد أمام جماهير مدينة الرباط “إن بعض السياسيين يحلمون بإقامة نظام فاشيستي بالمغرب، ويدعي الخصوم أن من الواجب أن تفرض على المغرب مدة للحكم الديكتاتوري حتى ينضج الشعب، وهذا ليس غلطا فحسب، ولكنه سوء نية مبيت من أناس يعرفون كل المعرفة أن الشعوب لا تتعلم الديمقراطية وقواعد الديمقراطية وتقاليدها في ظل النظام الديكتاتوري أو النظام الفاشيستي، بل لا يتعلم أي شعب الديمقراطية إلا إذا مارس الديمقراطية. يجب إذن أن ننتصر في هذه الانتخابات لأن انتصارنا سيكون في الحقيقة انتصارا للديمقراطية وبذلك سيخيب ظن العبيد…عبيد المناصب. إن من السهل على أي كان أن يتكلم عن التحرر الاقتصادي ولكن كيف يتم التحرر الاقتصادي (…) إذا لم تكن عندنا ديمقراطية ولم تكن لشعبنا وسائل وأدوات مراقبة الحاكمين ومحاسبتهم” . وقد جرت الانتخابات الجماعية والبلدية يوم 29 ماي 1960، وعند إعلان النتائج يوم 30 ماي برز بشكل كبير فوز مرشحي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بأرقام مهمة في الدار البيضاء والرباط وطنجة والجديدة والقنيطرة وسطات ومراكش وورزازات وآسفي والناظور وتطوان والقصر الكبير وخريبكة وضواحي سوس وغيرها من المدن. كما حصل الحزب على نسبة هامة من المقاعد في الجماعات القروية.
مع بداية شهر يوليوز 1960 أصبح المشهد السياسي المغربي منقسما إلى فئتين: الأولى حكومية بقيادة ولي العهد الأمير الحسن وتدور في فلكها العديد من الأحزاب خاصة حزبي الاستقلال والحركة الشعبية، والثانية المعارضة السياسية بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والتنظيمات الطلابية والشبابية الموازية له إضافة إلى الاتحاد المغربي للشغل. وقد كانت جل اهتمامات الأطراف السياسية تنحصر في القضايا الراهنة آنذاك والمطروحة بحدة في الساحة الوطنية وهي: الجلاء، استمرار حرب الجزائر، قضية موريطانيا واستكمال الوحدة الترابية، التحديات الاقتصادية، الدستور والحياة السياسية. وبداية من هذه المرحلة التي اشتدت فيها حملة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من أجل مجلس تأسيسي منتخب بالاقتراع المباشر يعهد له بصياغة الدستور، قام الملك محمد الخامس بإنشاء “مجلس الدستور” يوم 27 غشت 1960 كلف ببلورة مشروع دستور وإعداده على أن يتم لاحقا عرض هذا المشروع على مصادقة الملك الذي يحتفظ بحق رفضه أو مراجعته، ثم في المرحلة الثانية يعرض مشروع الدستور الذي حظي بمصادقة الملك على استفتاء شعبي مباشر.
انخرط عبد الرحيم بوعبيد في الدفاع عن مطلب المجلس التأسيسي لصياغة الدستور حيث لعب دور الموجه السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ابتداء من انعقاد اجتماع اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في أكتوبر 1960 حيث تم انتخابه كاتبا في التنظيم، وأسندت إليه مهمة الإشراف على أجهزة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. تقدم بوعبيد خلال نفس الاجتماع بعرض سياسي ركز فيه على موقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من المسألة الدستورية حيث قال “فموقفنا من قضية الدستور ليس مبدئيا فقط، ولكنه منطقي أيضا. لقد قلنا أنه في قضية الدستور لا يمكن أن يهيئه إلا مجلس ينتخبه الشعب انتخابا مباشرا، وقلنا أن الشعب المغربي ناضج لممارسة تجاربه الديمقراطية بجدارة” . كما ساهم بوعبيد في تأطير التجمعات الجماهيرية التي نظمها الحزب خلال حملته لمقاطعة الاستفتاء على الدستور سنة 1962 حيث اعتبره “وسيلة لتنظيم البلاد من أجل تحقيق غايات معينة، وهذه الغايات هي بالطبع مطامح الشعب التي تتجلى بواسطة المؤسسات الدستورية” .

كانت مواقف عبد الرحيم بوعبيد من المسألة الديمقراطية واضحة ومحددة في برنامج سياسي لحزبه خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني (1961-1999) الذي خلف أباه الملك الراحل محمد الخامس المتوفى سنة 1961، حيث دخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مسارا معقدا أنتجته موازين القوى الجديدة التي بدأت في البروز بالخصوص منذ صيف 1959، وهي المواقف التي عبر عبد الرحيم بوعبيد في تصريح أدلى به بصفته عضو الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية لجريدة “أفريك أكسيون” الأسبوعية الصادرة في تونس باللغة الفرنسية، بين فيه وجهة نظر الحزب حول الوضعية السياسية الراهنة مباشرة بعد تولى الملك الحسن الثاني عرش المغرب، وقدم بوعبيد في هذا التصريح برنامج حكومة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الشق السياسي إذا ما دعي قادته إلى السلطة قائلا “إن المهمة الأولى وأكرر ذلك هي إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وانتخاب مجلس تأسيسي وحكومة مسؤولة، ولابد للمغرب أيضا من إدارة تحدد الأهداف الواضحة وتستطيع أن تعطي الأوامر وأن تراقب تنفيذها بصرامة، يجب وضع حد لحكم البقشيش والرشوة. إنه اختيار سياسي يجب القيام به بين الرجال والأساليب، فإذا لم تنظم الدولة وإذا استمرت في طريق السهولة، وإذا اكتفت بإحداث تنظيم رأسمالي من شكل القرن التاسع عشر فإن البناء سينهار ربما في ظرف سنتين أو خمس سنوات” .
وفي تقريره السياسي المقدم إلى المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ماي 1962 أدان عبد الرحيم بوعبيد بشدة سياسة الإدارة الرامية إلى إفراغ المؤسسات المنتخبة (الجماعات القروية والبلدية، غرف التجارة والصناعة) من محتواها ومصادرة صلاحياتها. كما نبه في تقريره إلى خطورة التوجه الآخذ في التكرس وهو توجه إقامة نظام حكم لاديمقراطي تهيمن فيه السلطات الأمنية على ما عداها مما يقود البلاد نحو وضع سياسي يتسم بتفسخ المسؤوليات على كافة المستويات وتحلل المرافق العمومية وانحراف وتعفن الإدارة . ويعلن عبد الرحيم بوعبيد في تقرير بشكل واضح وصريح “أن الهدف المتوخى من طرف الحكم المطلق هو التدليل على أن تجربة المؤسسات المنتخبة فاشلة وأن النظام الذي يناسب البلاد سواء على الصعيد الوطني أو على الصعيد المحلي هو نظام الحكم المطلق…” .
شكلت سنة 1963 زمنا صعبا في البيت السياسي المغربي استعملت فيه بعض القيادات الاتحادية خطابا قويا ضد حملات القمع الموجهة ضد الحزب من طرف النظام ، وهو ما برز في الحوارات الصحفية لعبد الرحيم بوعبيد خلال هذه المرحلة الذي اعتبر الصحافة الدولية واجهة أخرى للتعبير عن مواقفه من الوضع السياسي في المغرب ورؤيته للديمقراطية في وقت احتد فيه الصراع بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأصبحت بلاغات الحزب وتصريحات قياداته تتسم بالقوة اتجاه النظام خاصة بعد تأسيس حزب “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك)” في 20 مارس 1963، وهو الحدث الذي اعتبره قادة الاتحاد الوطني مؤشرا على تحول في سياسة القصر نحو تحييد الحزب من الساحة السياسية . وفي هذا السياق يأتي الحوار الذي أجرته مجلة “Jeune Afrique” مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد بتاريخ 8-14 أبريل 1963 حيث شكل الحوار فرصة عبر من خلالها بوعبيد عن مواقفه من التطورات السياسية التي عرفها المغرب منذ تولي الملك الحسن الثاني عرش المغرب والمتمثلة في التحول نحو ملكية مطلقة وتركيز الحكم والسلط في يد فاعل سياسي واحد هو الملك، فقد اعتبر بوعبيد وبن بركة أن “خصمنا الحقيقي هو الذي يرفض الاضطلاع بالمهمة التي هي مهمته الطبيعية أي مهمة الحكم (بفتح الكاف) حيث يتعين على الحكم أن يضع نفسه فوق الأحزاب ولكن الذي نشاهده الآن هو أن الحكم تحول إلى رئيس كتلة من المصالح ونعني بذلك الملك” .
وفي سؤال للصحفي كمال جواد لكل من بوعبيد وبن بركة عن السياسة التي ينهجها القصر أجابوه “إنها تبدو واضحة تقريبا وهي تقوم على متابعة العمل الذي يقوم به القصر منذ الاستقلال أي تفتيت الحركة الوطنية إلى مجموعة أحزاب بحيث لا يكون مواجها لخصم قوي. وأن الجبهة التي أنشئت مؤخرا تهدف بالطبع إلى جمع عدد من الرجال المرتبطين بالحكم (…) وبالجملة فهذا النظام الذي يدعي في الدستور الذي منحه لنفسه بأنه يمنع قيام الحزب الواحد هو في الحقيقة نظام يحاول إقامة حزبه الواحد أي حزب الإدارة والشرطة (…) وإذا ما نجح في ذلك فستكون تلك بداية نظام فاشستي حقيقي” . وعن سؤال فيما إذا كان الملك يرغب ليس فقط في وجود نظام تعدد الأحزاب بل أيضا الاستفادة من هذا النظام، كان الجواب لبن بركة وبوعبيد كالتالي “…إن الحركة الوطنية قد وقعت ضحية انقلاب رجعي نموذجي في أبريل 1960 وقد دفع ولي العهد الملك محمد الخامس إلى أن يجعلنا نغادر الحكومة على غير رغبة منا، بينما كان هناك برنامج يطبق وكانت هناك التزامات واضحة قد اتخذها الطرفان واحترمناها من جانبا دائما. أما معارضة حكومة عبد الله إبراهيم فكانت تتمثل في ولي العهد الذي كان يسير تلك المعارضة داخل الحكومة، وكان الضغط الذي مارسه على الملك الراحل محمد الخامس ضغطا قويا بما فيه الكفاية ولم يكن ولي العهد يثق بنا، وكان يقول لوالده بأننا نريد إعادة النظر في مبدأ الملكية” .
وعبر بوعبيد في الحوار رفقة بن بركة عن الوضع السياسي للمؤسسة الملكية آنذاك قائلا “… في سنة 1953 كان مانديس فرانس ثم إدغار فور يقولان لنا وهما يحاولان معنا أن نتنازل عن شرطنا الأولي للمفاوضة شرط تحرير الملك: ولكن لماذا تلحون في إعادة الملك إلى العرش؟ وهنا أيضا ساندنا الملكية ولكننا فعلنا كل ذلك على شرط كان واضحا في أذهان الجميع هو أن ننشئ ملكية دستورية يكون فيها الملك رمزا لاستمرار المؤسسات وتمارس فيها السلطة حكومة مسؤولة. ولكننا في الواقع قد وصلنا إلى شيء آخر فقد منح الدستور وترك للملك السلطة الحقيقية كلها وقد يؤدي ذلك إلى وضع أسوأ” .
وفي سؤال حول إمكانية وجود حل وسط بين الحزب والنظام القائم أجاب بن بركة وبوعبيد بالقول “هناك حل لا يزال ممكنا ولكنه يتطلب توفر عدة شروط. فأولا لا يمكن في الظروف الراهنة أن نشارك في الحكم إلا على أساس تعاقد محدد واضح تحدد بموجبه سلطات كل من الطرفين ويحدد برنامج العمل فإذا كانت هناك موافقة على هذه النقاط فعندها تصبح المشاركة في الحكم ممكنة. ويجب في الظروف الحالية التي هي ظروف الانتخابات أن تحترم قواعد اللعبة احتراما كاملا فإذا كان النظام مستعدا لاعتبارنا كحزب معارض في نظام ديمقراطي، فإن الانتخابات يجب أن تجرى بشكل طبيعي. ولكن هذا يتطلب ضمان حرية الاقتراع وصدق نتائجه. وهذه الضمانة لا يمكن أن تكون حقيقة إلا إذا ترأس جهاز تمثل فيه القوات الشعبية مراقبة الانتخابات، وإلا إذا أشرف هذا الجهاز على المحافظة على النظام خلال تلك الانتخابات”.
كانت الانتخابات محطة سياسية أخرى تعكس مدى الصراع المحتدم بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية حول إشكالية دمقرطة النظام السياسي خلال مرحلة الستينات، وهو ما تجلى في الاجتماع الذي عقده أعضاء اللجنة المركزية للحزب والنواب الاتحاديون في البرلمان وكتاب الأقاليم بمقر الكتابة العامة للحزب بالدار البيضاء يوم 16 يوليوز 1963 لدراسة الموقف الواجب اتخاذه في موضوع الانتخابات البلدية، وكان موقف بوعبيد خلال هذا الاجتماع يعكس حالة التوتر التي سادت الساحة السياسية آنذاك. فقد ركز خلال كلمته في الاجتماع على قضية النضال من أجل الديمقراطية، كما شرح بوعبيد خلال الاجتماع الوسائل التي ستعتمد لتزوير الانتخابات خصوصا في البادية حيث رفضت كل الترشيحات باستثناء لوائح جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، وانتهى بوعبيد في الأخير إلى أن الانتخابات المقبلة سيستفيد منها الحكم فقط . كان هذا الخطاب يحمل في طياته الجواب السياسي للمرحلة، فقد انتهى عبد الرحيم بوعبيد بوعبيد إلى أنه لا مفر من المواجهة مع النظام ونستخلص من كلمته التي ألقاها أمام اللجنة المركزية الموسعة أن هناك مخططا لإقصاء الاحزاب السياسية في البلاد، وهو ما يؤكده تعدد الإعتداءات على الأملاك الحزبية وعلى قادة الاتحاد، وخاصة محاولة اغتيال المهدي بن بركة في نونبر 1962، إضافة إلى الاعتقالات الجماعية لقيادات ومناضلي الحزب مباشرة بعد اجتماع 16 يوليوز 1963 والتي سميت في الأدبيات الاتحادية بـ “المؤامرة”.
عرفت فترة الستينات تحولا جذري في الخطاب السياسي لعبد الرحيم بوعبيد ومواقفه اتجاه المسألة الديمقراطية في مغرب الملكية المطلقة، فرغم أن بوعبيد وظف في خطاباته مفردات قوية ضد النظام، فإنه عمل بشكل متواز على إبقاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في دائرة العمل السياسي الواضح والشرعي باعتباره أداة حزبية للنضال من أجل الديمقراطية وهو ما تجلى في محافظته على قنوات الاتصال بالقصر للمطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والتداول في المشاكل السياسية التي تعرفها البلاد، حيث طرحت على الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مسألة الدخول في حكومة إئتلاف وطني وكان جواب الحزب حاسما “فالافراج عن المعتقلين يعتبره الاتحاد كمبادرة تدل على استعداد لتحسين الجو السياسي وفتح صفحة جديدة لعلاقة الاتحاد مع الحكم، أما المشاركة في الحكم فتكون مشكلا خاصا يتطلب تحديد برنامج واضح وشروطا دقيقة لمعالجة المشاكل القائمة” . إلا أن انتفاضة 23 مارس 1965 واختطاف واغتيال المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965، والتصريحات الرسمية التي تلت هذه الأحداث أبعدت كل مبادرة للإصلاح السياسي والدستوري وأدخلت البلاد في حالة استثناء دامت خمس سنوات.
تعد المذكرة التي كتبها عبد الرحيم بوعبيد نيابة عن اللجنة الإدارية للحزب وأرسلها إلى الملك الحسن الثاني بتاريخ 14 أكتوبر 1972 خلاصة لموقف الرجل اتجاه المسألة الديمقراطية خلال هذه المرحلة، وتكتسي هذه المذكرة أهمية كبيرة في سياق أنها كتبت جوابا على مذكرة الملك التي بعثها لبوعبيد يوم 23 شتنبر 1972 عقب محاولة الانقلاب العسكري الثانية (انقلاب الطائرة) في نفس السنة. فبوعبيد لم يعتبر ما وقع “حادثة سير” بل “إن هذه الوضعية تجمل في أزمة ثقة، فالشعب المغربي… قد فقد الثقة في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي ساد البلاد منذ أزيد من عشر سنوات الذي يتحمل وحده مسؤولية الوضعية المتدهورة التي يعيشها ويعاني منها الجميع. وليس هناك من سبيل لإعطاء نوع من الاعتبار لخطب ووعود الحاكمين إلا بتغيير جذري لمفهوم الحكم نفسه ولمختلف مراكز التقرير. فهذه الخطب والوعود أصبحت تستقبل بحذر بل إنها تساهم في إعطاء الجماهير المستغلة وعيا أكثر وضوحا، بأن هذه المناجاة المكررة بأشكال مختلفة حسب الظروف لم تعد تستحق أي اعتبار (…) ومع ذلك فقبل محاولتي الانقلاب (10 يوليوز 1971 و16 غشت 1972) بكثير كانت البوادر الأولى للأزمة ملموسة في كل مكان (…) انطلاقا من هذا التحليل يعتبر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أن نظاما يقوم على الديمقراطية السياسية الحقة ولو في بلد مختلف، هو الضمان الوحيد لبناء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية” .
من أهم القرارات التي اتخذها عبد الرحيم بوعبيد خلال هذه المرحلة إشرافه على عملية التحول الجذري التي مست الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بداية من اجتماع اللجنة الإدارية يوم 30 يوليوز 1972 واتخاذ القرار بتسيير الحزب والانفصال عن الاتحاد المغربي للشغل ، وهو ما شكل مسارا جديدا داخل الحزب لتوضيح خطه السياسي والإيديولوجي وإعادة بناءه تنظيميا، وتغيير اسم الحزب واتخاذ استراتيجية النضال الديمقراطي كخط سياسي جديد للحزب الذي سينبثق عن المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 وهو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي اعتبره عبد الرحيم بوعبيد الأداة الحزبية المناسبة للمرحلة السياسية الجديدة التي دخلها المغرب مع بداية السبعينات، للنضال من أجل بناء ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

III. انخراط عبد الرحيم بوعبيد في “المسلسل الديمقراطي” (1975-1992):
1. المؤتمر الاستثنائي للحزب سنة 1975 وتبني الاختيار الديمقراطي:

شكلت هذه المرحلة التاريخية فرصة بالنسبة لعبد الرحيم بوعبيد لتوضيح الخيار الاستراتيجي للحزب خاصة بعد تبني قرارات 30 يوليوز 1972 التي اتخذها الحزب للقطع مع كل مظاهر الجمود والخلط، والعمل على أساس الوضوح الإيديولوجي والتنظيمي باعتماد مبدأ استراتيجية النضال الديمقراطي التي كان عرابها عبد الرحيم بوعبيد، خصوصا وأن رفع شعار توحيد الجبهة الداخلية من أجل استكمال الوحدة الترابية قد عجل بتليين مواقف الحزب وترتيب أولوياته تزامنا مع انسياق النظام وراء اتخاذ إجراءات هادفة إلى تطبيع المناخ السياسي، وإلى النزوع الظاهري نحو تطبيق مبدأ إقامة مؤسسات دستورية ذات مصداقية كما عبر عن ذلك الخطاب الملكي لعيد العرش سنة 1974 . وفي هذا السياق السياسي انعقد المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أيام 10-11-12 يناير 1975، والذي مثل في أدبيات ووثائق الحزب مرحلة تحول إن لم نقل قطيعة مع وضعية الحزب السابقة الفكرية والسياسية والتنظيمية في نظر معظم الاتحاديين، لأنه تبنى فكرة الاختيار الديمقراطي كموقف استراتيجي لنشاطه السياسي .
تكفل التقرير السياسي الذي قدمه عبد الرحيم بوعبيد والمعنون بـ “الخط السياسي المرحلي” بتوضيح الاختيار الديمقراطي على المستوى السياسي، حيث ألم التقرير بالحياة الداخلية للحزب، وبالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، وتحولات النظام السياسي الوطني والعالمي. وفي الجانب المتعلق بموقف بوعبيد من المسألة الديمقراطية خلال المؤتمر فالتقرير يشير إلى الديمقراطية التي تم التلاعب بقاعدة إقامتها الأساسية: الانتخابات النزيهة والشفافة، وهي واقعة – يؤكد التقرير- يلزم دوما الاستمرار في فضحها من داخل التشبت بالشكل الديمقراطي .
استعرض بوعبيد في التقرير سمات الاقتصاد الوطني المتأزم وأن الخروج من الأزمة يبقى رهينا بـ “التخطيط الديمقراطي والحلول الجذرية” ، كما حدد الآليات السياسية لذلك بسلوك المنهج الديمقراطي وناقش من شكك في هذا المنهج قائلا “فهناك من يدعي بأن هذه الديمقراطية ليست إلا ديمقراطية شكلية. لكن ليسمحوا لنا بالجواب على اعتراضهم بأن الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لبلادنا لا يمكن أن تقارن بهياكل الأقطار الغربية التي استقرت فيها الرأسمالية وتقدمت أكثر من قرن. فالديمقراطية السياسية ونقصد بها ديمقراطية أصيلة لا يمكن إلا أن تعبر وبالضرورة عن إرادة التغيير، عن الطموح للوصول إلى مجتمع أكثر عدلا. فداخل المجالس المنتخبة سيكون النقاش محددا حول المشاكل التي تضعها الفلاحة، حول التعليم، حول البطالة والتشغيل، حول توزيع المداخيل… وهي المشاكل التي تشغل بال الأغلبية الساحقة للشعب المغربي، وهذا هو السبيل الوحيد لبلوغ الديمقراطية الاقتصادية. وجانب آخر من الناس قد يتهموننا عن حق بأننا مغفلون لا نستخلص العبرة من الماضي مضيفين بأن تزوير الانتخابات العامة سواء في 1962-1963 و1970 يغدو كافيا لجعلنا نبتعد عن هذه الانتخابات” .
ويذكر التقرير السياسي بالمذكرة الحزبية المؤرخة بـ 14 أكتوبر 1972 التي كانت بمثابة جواب على الخطاب الملكي في شتنبر 1972 حيث جاءت متضمنة في التقرير للتأكيد على الاختيار الديمقراطي للحزب مع إضافة شروط جديدة تفرضها المرحلة وهي:
• تصفية الجو السياسي وذلك بالتصديق على النصوص المقررة للعفو العام الشامل.
• إلغاء النصوص التشريعية المقيدة للحريات العمومية والخصوصية، وبصفة خاصة التدابير الإدارية التي تعرقل وتقمع حرية التعبير.
• إلغاء الظهائر والقرارات القمعية التي كان قد تم التصديق عليها خلال عهد الحماية والتي ظل العمل جاريا بها إلى الآن .
وقد أثار عبد الرحيم بوعبيد في كلمته الختامية بعد اختياره كاتبا أولا للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الدور المنوط بالحزب للسير نحو الهدف المرسوم وهو إنشاء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية وثقافية والنضال الديمقراطي من داخل المؤسسات. وقال بخصوص علاقة الخط الإيديولوجي بالسياسي “فأصبح القرار فيما يرجع للخط السياسي قرارا مستنتجا من انطلاق وتفكير مذهبي، ومعنى ذلك أن الخط السياسي لابد أن يكون له ارتباط بالاستراتيجية العامة للحزب التي ترمي إلى إنشاء مجتمع جديد عادل ديمقراطي واشتراكي وعن طريق الديمقراطية” . وأضاف “وفي الخط السياسي دائما…إننا متشبثون بمذكرة أربعة عشر أكتوبر 1972، ومازال الوضع يتطلب نفس التدابير. ونحن نقول إننا إذا أردنا أن نخرج من طور إلى طور آخر: طور الديمقراطية الصحيحة، يجب أن يكون العفو العام الشامل لكل المعتقلين السياسيين” .

2. موقف عبد الرحيم بوعبيد من الانتخابات الجماعية والتشريعية (1976-1977):

ظل عبد الرحيم بوعبيد مؤمنا بضرورة إقامة مجتمع ديمقراطي مع تراكم المكتسبات دون تفريط في المبادئ، لذلك وقع تحول مهم على مستوى الخطاب والممارسة السياسية لعبد الرحيم بوعبيد ابتداء من منتصف السبعينات اتجاه المسألة الديمقراطية بفعل التطورات التي عرفتها قضية الصحراء ومساهمته وموقعه في كل الاستشارات الدائرة بشأنها، حيث بدأ يعطي الأسبقية لرمزية شخصية الملك مع التركيز على خلق جو سياسي جديد .
ففي العرض الذي قدمه باسم المكتب السياسي للحزب أمام دورة اللجنة المركزية التي انعقدت بمدينة بني ملال يوم 4 أبريل 1976 تناول عبد الرحيم بوعبيد قضية الديمقراطية والانتخابات مشيرا إلى أن الخط الحزبي المقرر خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب نص على وجوب إقامة ديمقراطية حقة، لإعتقاده أنها هي التي ستفتح المجال لطريق أبعد وديناميكية أقوم وأسرع لكي يصبح الشعب المغربي متحكما في مصيره في كل القطاعات حيث قال “إننا نؤكد من جديد أن الديمقراطية التي نريدها ليست ديمقراطية شكلية، وإنما الديمقراطية التي تجعل القضايا الجماهيرية تطرح وتناقش على الصعيد الوطني” . وعرج بوعبيد في نفس العرض إلى الحديث عن الانتخابات معتبرا أن اقتحام المعركة الانتخابية لن يكون من أجل الحصول على بعض النتائج أو انتخاب أشخاص أو جماعات معينة بل إن الشيء الأساسي من المعركة الانتخابية هو أن تتمكن أطر الحزب من أن يكون لها لقاء جماهيري وحوار مع هذه الجماهير يتناول كل القضايا الوطنية والمحلية، لأن إزالة كل إبهام بشأن الديمقراطية الشكلية والديمقراطية الحقيقية يفرض أن يكون الحوار منصبا على القضايا التي تهم كل القطاعات الجماهيرية في هذه البلاد .
وفي ظل الشروط السياسية الجديدة التي أخذت تؤطر العلاقة ما بين المؤسسة الملكية والمعارضة الاتحادية وتدفع نحو اقتحام مرحلة جديدة في هذه العلاقات قوامها التوافق بدل التنافر، بات الثابت الديمقراطي في اهتمام ونضال عبد الرحيم بوعبيد أكثر إلحاحا ومفعولية فقد انخرط بحماس وقوة في تجربة الانتخابات الجماعية سنة 1976 والانتخابات التشريعية سنة 1977 على علاتها، داعيا إلى خوض غمار التجربة ومشددا على أهمية الاتصال المباشر بالجماهير والتواجد في المؤسسات ولو كانت مغشوشة باعتبارها واجهة نضالية تتيح للحزب التعبير عن مطامح وآمال الجماهير ، وهو ما جسده عبد الرحيم بوعبيد عبر ترشحه خلال الانتخابات التشريعية في مدينة أكادير لإقناع مناضلي المدينة بأهمية المشاركة بعد رفضهم ذلك إثر التزوير الذي عرفته الانتخابات الجماعية في نفس المدينة .
هكذا شارك حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الانتخابات الجماعية في 12 نونبر 1976 وحصل على الرتبة الثالثة من بين مجموع القوى المشاركة فيها. كما شارك في الانتخابات التشريعية في 3 نونبر 1977 وحصل على 15 مقعدا من أصل 264 . لكن اقتناع بوعبيد ورفاقه بنهج المشاركة الانتخابية رافعين شعار “المقاعد لا تهمنا” لا يبدو أنه كان موضع إجماع خاصة عندما تتأزم الظروف السياسية ويصدر عن الطرف الآخر (الدولة) ما يدعو المترددين للتشكيك في جدوى المشاركة في الانتخابات وهو ما تجلى في اغتيال عمر بن جلون أحد مهندسي “الاختيار الديمقراطي” في 18 دجنبر 1975، وتزوير الانتخابات الجماعية والتشريعية، وإسقاط بوعبيد خلال الانتخابات التشريعية في مدينة أكادير. وقد وصف الحزب هذا المسلسل الانتخابي بكونه “مزيفا” و”مزورا” ولا يعبر عن إرادة الشعب، وكان رد الفعل الفوري للحزب اتخاذ إجراءين: الأول إقدام عبد الرحيم بوعبيد على تقديم استقالته من اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة سير الانتخابات، والثاني إحجام الحزب عن تقديم الطعون في النتائج حتى لا تتم تزكيتها خاصة عدم فوز بوعبيد في أكادير .
شكلت دورة اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في 19 يونيو 1977 محطة مهمة مكنت عبد الرحيم بوعبيد من تقديم موقفه وموقف قيادة الحزب مما وقع في الانتخابات الجماعية والتشريعية. فبعد أن شرح بوعبيد في عرضه أمام اللجنة المركزية ملابسات المرحلة التي طبعت الاقتراعين الانتخابيين والظروف التي مرت فيها الانتخابات وملابسات التزوير الذي طالها وخاصة في مدينة أكادير التي ترشح فيها بوعبيد، سيخلص هذا الأخير إلى أنه لن تكون في المغرب انتخابات سليمة ولا ديمقراطية صحيحة ما دام الجهاز الإداري على الشكل الذي عليه وعبر عن ذلك قائلا “فالتجربة كانت مفيدة لأنها أظهرت لنا أنه لا سلامة لأية انتخابات ولا ديمقراطية صحيحة ما دام الجهاز الإداري على الشكل الذي عليه، أي مادامت تصرفات الجهاز الإداري لا تخضع للقرارات الرسمية… وأن هناك جهازا آخر سري هو الذي يعطي الأوامر التي تنفذ” . وعبر بوعبيد عن موقفه المتشبت بالاستمرار في استراتيجية النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات التي صادق عليها المؤتمر الاستثنائي للحزب خلال تعقيبه على المناقشات والتدخلات التي جرت داخل اللجنة المركزية بالقول “من الممكن أن يقول البعض أن وجودنا داخل البرلمان هو تزكية له، لكن علينا أن نفهم ماذا تعني التزكية، فالتزكية في الحقيقة هي أنه إذا كنت تعلم أن هناك شيئا مغشوشا ومدلسا وتسكت عنه، أما إذا عملت على فضحه فهذه ليست تزكية فالمقصود إذن من مشاركتنا هو الاستمرار في الكفاح في واجهة يجب أن نستفيد منها ويستفيد منها الشعب وعلينا كذلك أن نستمر في اتصالاتنا بالجماهير الشعبية وشرح برامجنا لها” .
شكل بيان اللجنة المركزية انتصارا لعبد الرحيم بوعبيد الذين راهن على معركة الديمقراطية رغم وعيه بصعوبة ذلك لما تتطلبه التجربة من نفس طويل. وقد حمل بيان اللجنة المركزية خطابا جديدا يعبر عن المنعطف الذي وجد الحزب فيه نفسه غداة الانتخابات، وبعد التذكير بعدد من الحيثيات من دراسة لتقرير بوعبيد وتقارير ممثلي الأقاليم ومناقشة التجارب الانتخابية، فإنه أكد على مضي الحزب في طريق الاختيار الديمقراطي بالقول “لا طريق للخروج بالمغرب من الأوضاع المتردية التي يرتطم فيها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودوليا إلا طريق الديمقراطية الحق التي تنطلق من الإيمان بضرورة إشراك الجماهيرالشعبية الكادحة إشراكا فعالا في إقرار الاختيارات ومراقبة تنفيذها عبر مؤسسات ديمقراطية حقيقية نابعة من انتخابات حرة نزيهة تحترم فيها إرادة الشعب احتراما كاملا” . كما شجب البيان الضغوط والتزوير الذي مورس في عمليات الانتخابات، وركز أيضا على إقتناع الاتحاديين بالنضال الديمقراطي من داخل المؤسسات رغم كل مظاهر التزوير “إن الديمقراطية الحق لا تمنح وإنما تنتزع انتزاعا بالنضال المتواصل في كافة الواجهات، ومن جملتها واجهة المجالس التمثيلية حتى لو اكتست هذه المجالس طابعا غير ديمقراطي البتة. إن التحرك بالجماهير ومع الجماهير لا يتنافى مطلقا مع التواجد النضالي في المؤسسات التي يراد منها أن تقرر في مصالح الشعب بل في مصير الوطن كله. فعلى هذا الأساس وضمن هذا الأفق سيكون تواجد إخواننا في البرلمان، إنهم سيمثلون حزبنا هناك كمعارضة بناءة ولكن صلبة وصامدة لا تساوم في حقوق الجماهير ولا تتردد بأي شكل من الأشكال في فضح كل ما من شأنه أن يمس قضايا وطننا وأهداف ورغبات شعبنا” .

3. عبد الرحيم بوعبيد ورهان استمرار الاختيار الديمقراطي خلال المؤتمر الثالث للحزب سنة 1978:

بالرغم من الاختراقات الكبيرة التي أحدثها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة عبد الرحيم بوعبيد في الممارسة السياسية سواء بعمله في المؤسسات أو بتوسيعه لمجالاته النضالية عبر تأسيس منظمته النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978، واسترجاع شرعية المنظمة الطلابية الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتعدد العمل الجمعوي، وتكثيف النضالات الاجتماعية، وتقوية العمل الشبابي والنسائي، وتكريس حضور عربي ودولي ، فإن ما وقع من تزوير في الانتخابات الجماعية والتشريعية أدى إلى بزوغ معارضة سياسية للخط السياسي للحزب من قلب التنظيمات الحزبية، إذ انبثق نقاش سياسي عميق حول سلامة الخط السياسي المرحلي والعلاقة مع النظام والجدوى من الانتخابات المغشوشة وأهمية النضال الديمقراطي .
وفي سياق هذا الجو الداخلي المشحون انعقد المؤتمر الثالث للحزب في دجنبر 1978 حيث قدم عبد الرحيم بوعبيد التقرير العام باسم المكتب السياسي للحزب والذي جاء في نبراته العامة متجاوبا مع دقة اللحظة وحراجة الموقف . فقد تعرض بوعبيد لمختلف القضايا التي كانت مطروحة وطنيا وحزبيا لكنه ركز بالأساس على إجهاض المسلسل الديمقراطي بالتزوير في الانتخابات مستعرضا ظروف اتخاذ الحزب لقرار المشاركة في الانتخابات وما تم خلال الحملة الانتخابية من تجاوزات، والتدخل من طرف أجهزة الدولة في دائرة أكادير التي ترشح فيها. وبعد أن شرح الاعتبارات التي جعلت الاتحاد الاشتراكي يشارك في الانتخابات وفي البرلمان ولم ينسحب منه ولا من المجالس المحلية، أكد بوعبيد على موقفه من ضرورة النضال من داخل المؤسسات قائلا “فلقد كان قرارنا بالبقاء في البرلمان والمجالس المحلية صادرا عن وعي وتبصر، هادفا إلى الصدع بصوت الجماهير المحرومة في كل واجهة، وهذا ما نفعله الآن بوصفنا حزيا ثوريا واعيا بكون المهمة الحقيقية للحزب الثوري ليست في ترك الفراغ للخصوم بل في مضايقتهم يوميا في كل ميدان والعمل في نفس الوقت على تعميق وعي جماهير الشعب بقضاياها ومشاكلها، ونحن لا نشك في أن حضورنا اليقظ والمسؤول في تلك المؤسسات سيؤتي ثماره قريبا…” ، كما اعتبر بوعبيد “…أن بعض مناضلينا يلجأون في بعض الأحيان إلى نوع من محاسبة الضمير. إنهم يتساءلون عما إذا لم نكن نزكي فعلا هذه المؤسسات التمثيلية المزورة بوجودنا فيها. إن مثل هذا التساءل كان سيكون مبررا ومشروعا لو أننا قبلنا أو نقبل الآن السقوط في ما من شأنه أن يناقض إيديولوجيتنا أو يخالف اختياراتنا في الميادين الأساسية… إنه لا يمكن تزكية جهاز ما بفضحه والتشهير بأخطائه واختياراته اللاشعبية وبتقديم الدليل الملموس وبالأرقام على الظلم الاجتماعي الذي خلقته اختياراته وتصرفاته التي جعلت كمشة من المحظوظين يستفيدون وحدهم من إمكانيات شعبنا وخيراته، في هذا الإطار لا يمكن الحديث عن التزكية بل عن الفضح” . وقد اضطر بوعبيد في تقريره إلى الرد على الآراء داخل الحزب التي تريد إعادة النظر في مبدأ المشاركة في هذه المؤسسات وبالتالي ضرورة الانسحاب منها قائلا “… مهما كان سلوك الجهاز الإداري ومهما كانت نتائج الاقتراع فإنه من غير الجائز أن لا يبادر حزبنا إلى الإستفادة من هذه الفرصة التي ستمكنه من الدخول مع الجماهير الشعبية في حوار مباشر حول المشاكل المحلية والوطنية…” . وهكذا كان خطاب بوعبيد في ختام أشغال المؤتمر الثالث للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1978 – الذي ركز بيانه السياسي على مسألة تأميم الدولة وإقامة ملكية برلمانية – يراعي في نفس الوقت حماس المؤتمر والمرحلة وبنية النظام الملكي في المغرب .

4. مذكرة الإصلاحات السياسية والدستورية والطريق نحو الانفتاح السياسي:

في سياق التحالفات الجديدة التي بدأت في التسعينات بين الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال من جهة، والنضالات العمالية المشتركة بين الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب من جهة أخرى، قدم عبد الرحيم بوعبيد بمعية امحمد بوستة الأمين العام لحزب الاستقلال مذكرة مشتركة للملك الحسن الثاني حول الإصلاحات السياسية والدستورية في أكتوبر 1991. وقد تمحورت هذه المذكرة حول إقرار حق مجلس النواب في تشكيل لجان البحث والتقصي، والعفو الشامل، وانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب بالإقتراع العام المباشر، والتقليص من الولاية التشريعية إلى خمس سنوات، وجعل الغرفة الدستورية ترقى إلى مجلس دستوري مستقل بذاته، وحماية حقوق الإنسان، والتنصيص على ضمانات دستورية لحقوق الإنسان وكرامة المواطن، وإحداث مؤسسة الوسيط، وإصدار عفو عام شامل على من تبقى من المعتقلين السياسيين، والسماح للمغتربين بالعودة الى الوطن، وتسوية وضعية كل النقابيين الذين صدرت في حقهم قرارات التوقيف والطرد، وإطلاق سراح المعتقلين في أحداث 14 دجنبر 1990، وضمان حرية التعبير والرأي والاجتماع والانتماء السياسي والنقابي، ووضع حد للهيمنة التي تمارسها الأجهزة السلطوية لوزارة الداخلية، ومحاربة الفساد الإداري، وتوطيد استقلال القضاء، وتوسيع قاعدة الديمقراطية بإتاحة الفرص أمام الشباب للمشاركة السياسية بتخفيض السن الإنتخابي للمشاركة في التصويت إلى 18 سنة .
فعندما نتأمل في المسار السياسي لعبد الرحيم بوعبيد منذ الاستقلال إلى وفاته سنة 1992، فإننا نستنتج أن القضية المركزية التي شكلت على الدوام مدار اهتمامه ونضاله هي قضية الديمقراطية، ذلك أن الاختيار الديمقراطي في إرساء أسس الدولة وتنظيم المجتمع وبناء الأداة الحزبية ظل محوريا في رؤيته السياسية للمسألة الديمقراطية، ومدخلا ضروريا للتحرر السياسي وإطارا فعالا لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ولعل أبلغ دلالة على رسوخ التوجه الديمقراطي لدى عبد الرحيم بوعبيد ما قاله في آخر كلمة له أمام اللجنة المركزية للحزب يوم 9 نونبر 1991 “وأنا على يقين بأن المهام التي رسمناها لأنفسنا إما في الدفاع عن حوزة البلاد أو في عمل الإصلاح الجذري (…) إن هذه المهام هي قدرنا لتكون الديمقراطية ومبادئها دائما نصب أعين المناضلين صباح مساء حتى تفرض مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان” .

خلاصـة عـامة:

لقد جمع عبد الرحيم بوعبيد في مساره السياسي الطويل بين جدلية الوطنية المغربية والنضال الديمقراطي، أي المزج بين القضايا الوطنية المصيرية والقضايا المرتبطة بحرية التعبير وكرامة المواطن وحقه في الديمقراطية في إطار الثوابت الوطنية، وهي خاصية ميزت عمله السياسي ومواقفه من المسألة الديمقراطية في المغرب. فبقدر ما كان قريبا من المؤسسة الملكية فإنه كان مؤمنا بملكية دستورية ديمقراطية، ورافضا للملكية المطلقة، ومدافعا عن دمقرطة النظام السياسي بالمغرب، وبناء دولة المؤسسات والحريات، وإقرار دستور نابع من الإرادة الشعبية للمغاربة، وتخللت خطاباته حمولات قوية اتجاه النظام في مراحل الأزمة بين الحزب والملكية. وحتى في المراحل الصعبة التي مر منها المغرب المستقل، فقد عرف عبد الرحيم بوعبيد كيف يحافظ على علاقاته بالقصر من خلال قنوات خاصة، وساعد هذا الموقف في العديد من الأحيان على تجنيب المغرب الباب المسدود. ولعل هذا العمل يدخل في إطار إحدى الثوابت التي عرفها المغرب في تاريخه الطويل وهي العلاقة بين المخزن والزوايا والقبائل، علاقات ساعدت دائما على تجنب الفراغ في مؤسسات الدولة .
وشاءت الظروف التاريخية أن تكون وفاة عبد الرحيم بوعبيد يوم 8 يناير 1992 في سياق منعطف تاريخي جديد في المسار السياسي للمغرب المستقل يجمع عدد من الباحثين أنه بداية لزمن سياسي جديد انفتحت فيه المؤسسة الملكية ومعها الأحزاب الوطنية على جيل جديد من الإصلاحات السياسية والدستورية تتمثل في استفتاءين على الدستور سنتي 1992 و1996، وانفراج سياسي وحقوقي تمثل في عودة المنفيين واللاجئين السياسيين وإطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين، وهو المسلسل الإصلاحي الذي توج بتقلد عبد الرحمن اليوسفي الذي خلف عبد الرحيم بوعبيد في قيادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لمسؤولية الوزير الأول سنة 1998 في إطار ما عرف في أدبيات الحقل السياسي المغربي بتجربة “التناوب التوافقي”، ودخول المغرب لمرحلة “الانتقال الملكي” في يوليوز 1999، لتبدأ بعد ذلك صفحة جديدة من الإصلاحات تراوحت بين المد العارم والفرملة القوية.

(*) باحث في التاريخ الراهن-
جامعة محمد الخامس الرباط.