(*) المغرب بلاد الاستمرارية.

 أيها السادة

ليس هذا العنوان من عندي، بل هو من اقتراح منظمي هذا اللقاء. ولا شك أنه يعكس اهتمام الرأي العام هنا في لبنان، وفي العالم العربي كله، بالتطورات التي شهدها المغرب مؤخرا، والتي تتلخص في ما يعبر عنه هناك بـ ” تجربة التناوب” ؟

وإذا كانت هذه العبارة، (“تجربة التناوب”)، لا تحتاج إلى شرح في المغرب، باعتبار أن المغاربة، والطبقة السياسية منهم خاصة، قد عاشوا ما قبل هذه “التجربة”، ويعرفون التطورات والملابسات التي أدت إليها: يعرفون ” من أين”؟ وبالتالي يستطيعون أن يرسموا لأنفسهم آمالا وتخوفات، لنقل سيناريوهات، للجواب عن السؤال : “إلى أين؟”، إذا كان الأمر كذلك في المغرب، فإن سؤال المشرق: “المغرب…إلى أين”؟ لا يمكن الجواب عنه بتقديم تصورات وسيناريوهات عن المستقبل، مقطوعة عما يؤسسها في الماضي؛ بل إن الجواب الصحيح عن هذا السؤال، أعني الجواب التاريخي، يتطلب في اعتقادي تقديم جواب عن سؤال آخر، سؤال: ” المغرب الآن… من أين؟”. ولما كان ما عبرنا عنه بـ: “المغرب الآن”، يتلخص فيما يسميه المغاربة بـ”تجربة التناوب”، فإن المطلوب ابتداء هو الجواب عن السؤال: “من أين التناوب في المغرب، ومع من؟”.

الواقع أن التاريخ يفرض نفسه كوسيلة ضرورية لفهم أي شأن من شؤون المغرب. إن المغرب بلاد الاستمرارية. والتطور، سواء إلى أمام أو إلى وراء، يحدث فيه داخل الاستمرارية وليس خارجها. إن تعيين أحد أبرز قادة المعارضة في المغرب، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، على رأس الحكومة، مثله مثل قبول هذا الأخير لهذا المنصب، حدث لا شك أنه ينطوي على قدر غير قليل من المفاجأة، حتى بالنسبة لأكثر المحللين المتتبعين للشأن المغربي! غير أن الذي يقرأ الحدث في المغرب، لا كحدث سياسي ظرفي، بل كحلقة في مسلسل من الاستمرارية، فإنه لا يشعر بالمفاجأة عند أي حدث. فـ”الجديد” في المغرب لا يكون عن عدم، بل كل شيء يحدث فيه إنما يحدث عن شيء.

لا ينتمي هذا الكلام إلى عالم “الفلسفة والكلام”، العالم الذي ينتمي إليه محدثكم على صعيد المهنة والتخصص، بل هو كلام ينتمي إلى عالم الواقع الذي يعيشه المغرب. أقول هذا لأن شرح “تجربة التناوب” الراهنة في المغرب لا يمكن، و لا يتأتى، بدون الرجوع إلى الوراء، أربعين سنة على الأقل.

كيف بدأ “التناوب”… قبل أربعين سنة: إعادة تشكيل “القوة الثالثة”

بالفعل، في يوم 15 أبريل من سنة 1958 قدم وزراء حزب الاستقلال استقالتهم من الحكومة إلى جلالة الملك محمد الخامس. وكانت هي الحكومة الثانية في المغرب الذي لم يكن قد مضى على استقلاله يومذاك سوى سنتين. كانت تلك الحكومة كالتي سبقتها برئاسة المرحوم مبارك البكاي. كان هذا الرجل من قدماء العاملين في الجيش الفرنسي، وقد عينته الإدارة الفرنسية قائدا (منصب يليه “المحافظ” مباشرة). وعندما نفى الفرنسيون محمد الخامس (20 أغسطس 1953) قدم استقالته، أو أراد “التاريخ” له ذلك، ولم ينخرط في سلك موظفي الداخلية الذين جندتهم السلطات الفرنسية ضد محمد الخامس والحركة الوطنية. وعندما اضطرت فرنسا إلى الاعتراف باستقلال المغرب (2مارس 1956) تحت ضغط المقاومة وجيش التحرير، النابعين أساسا من صفوف حزب الاستقلال، الذي كان زعيمه علال الفاسي ومن قادته المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وعلى رأس حركة المقاومة وجيش التحرير محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي، أقول: عندما اضطرت فرنسا إلى الاعتراف للمغرب باستقلاله وإعادة محمد الخامس من منفاه (18 نوفمبر 1955)، بعد أن تأكد لديها أن حركة المقاومة والتحرير في المغرب آخذة في التلاحم مع الثورة الجزائرية، اشترطت أن يكون على رأس الحكومة شخصية محايدة، أي لا تكون من رجال الحركة الوطنية خصم الاستعمار الفرنسي، بل من أولئك الذين لم يكونوا لا من رجال الحركة الوطنية ولا من أعوان السلطات الفرنسية وعملائها المباشرين، والذين بقوا مخلصين للعرش ظاهريا على الأقل. لقد أطلقت عليهم الأجهزة الاستعمارية في المغرب اسم ّالقوة الثالثة”، وحركتهم في الخفاء والعلن للاحتجاج على ما ادعوه من “استبداد” حزب الاستقلال بالسلطة. وقد تطور الأمر إلى حد اصطناع تمرد مسلح (تمرد عدي أوبيهي).

كان الهدف واضحا: تكسير وحدة الصف الوطني الذي تشكل منذ الثلاثينات من الحركة الوطنية بقيادة حزب الاستقلال ومن مؤسسة العرش وعلى رأسه الجالس عليه محمد الخامس، وبالتالي الحيلولة دون تحول استقلال المغرب إلى استقلال حقيقي يتحقق فيه جلاء القوات الأجنبية، الفرنسية والأمريكية والأسبانية، والسير قدما في بناء المغرب العربي انطلاقا من مساندة الثورة الجزائرية المساندة القوية المطلوبة، وبناء اقتصاد وطني متحرر، وتشييد حياة ديمقراطية يكون الفاعل السياسي فيها هم رجال الحركة الوطنية والجماهير الشعبية لقطع الطريق على أعوان الاستعمار والوصوليين والانتهازيين. وتلك هي الأهداف التي لم يتردد القادة الوطنيون وفي مقدمتهم علال الفاسي والمهدي بن بركة في التصريح بها وتأكيدها في كل مناسبة، منذ أن أعلن عن الدخول في مفاوضات الاستقلال.

لقد أعيد تشكيل هذه “القوة الثالثة” في السنة الثانية من الاستقلال باسم “جبهة الدفاع عن الحريات الديموقراطية”، وباركها رئيس الحكومة “المحايد”، الذي لم يعد محايدا. كانت قوة مصطنعة يراد منها تكسير تلك الوحدة الحميمة التي جمعت العرش و الحركة الوطنية في صف واحد للكفاح من أجل الاستقلال. وقد عمد دهاقنة الاستعمار إلى مختلف الأساليب من أجل تحقيق هذا الغرض. فإضافة إلى التمرد المسلح الذي أشرنا إليه كانت هناك حرب سيكولوجية جهنمية وظفت ما قام به “الضباط الأحرار” في مصر من إلغاء للملكية، وما قام به بورقيبة من عزل للباي وتصفية لنظامه، إلى جانب بعض الأخطاء المحلية، فكانت النتيجة أن أخذت تجربة لـ”التناوب” تلوح في الأفق: تناوب قوامه إقصاء الحركة الوطنية من الحكومة وإسنادها لـهذه “القوة الثالثة” التي وضعت موضع “المعارضة”. ودون إغفال العوامل الذاتية في الموضوع فإن دور العوامل الخارجية كان هو المحرك لهذا التحول الذي كان يجري في أواخر الخمسينات. يكفي أن نذّكر بالأهداف التي حددتها الحركة الوطنية كبرنامج لها، والتي أكد عليها المهدي بن بركة في محاضرة له في كوادر الحزب في بالدار البيضاء في إطار توضيح الموقف غداة تقديم الوزراء “الوطنيين” استقالتهم في 15 أبريل 1958، كما ذكرنا. قال شارحا أبعاد تلك الأزمة الوزارية الأولى التي عرفها المغرب المستقل: “فالأزمة إذن أزمة تطور ورغبة في التحرر من الأوضاع الاستعمارية الموروثة”() وتحيق الأهداف الوطنية. وقد ركز المهدي في محاضرته على الأهداف الثلاثة التالية:

1) “تحقيق الوحدة المغربية”، وكانت فرنسا وأسبانيا قد اقتطعتا أجزاء واسعة من المغرب التاريخي، جنوب وشرقا، بما في ذلك “موريتانيا” التي كانت تحت حكم الاستعمار الفرنسي، والتي كان المغرب يطالب بها بوصفها امتدادا طبيعيا وتاريخيا له، مثلها مثل ما يسمى اليوم بـ “الصحراء الغربية” التي كانت من نصيب أسبانيا في إطار الترضيات التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب ككل.

2) “تحقيق وحدة المغرب العربي”، ومعلوم أن المناداة بتحقيق وحدة المغرب العربي في ذلك الوقت (1958) والثورة الجزائرية في أوج شبابها معناه انخراط المغرب العربي كله في هذه الثورة ضد فرنسا، وبالتالي القضاء على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا قضاء ثوريا.

3) والهدف الثالث: “بناء اقتصاد متين وتوسيع نطاق هذا الاقتصاد في الفلاحة والتصنيع وبناء ديموقراطية حقيقية”. وهذا يعني، أولا وقبل كل شيء، وضع حد للهيمنة الاقتصادية الفرنسية التي شملت جميع الميادين، بما في ذلك ميدان الفلاحة: إذ كان معظم الأراضي الخصبة في المغرب ضيعات للمعمرين الفرنسيين.

وإذا نحن أضفنا إلى ذلك “مؤتمر الوحدة” في طنجة ( أبريل 1958)، المؤتمر الذي عقدته الحركات الوطنية في كل من المغرب والجزائر وتونس، والذي كان موضوعه “وحدة المغرب العربي” والوسائل الكفيلة بتحقيقها، وفي مقدمتها المساندة العملية والفعالة للثورة الجزائرية، وأخذنا بعين الاعتبار تأثير المد التحرري الذي كان يجتاح المنطقة العربية كلها، والذي كان من أبرز مظاهره آنذاك قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، أدركنا كيف أن الاستراتيجية الاستعمارية كان لابد أن تركز في المغرب على فصم عرى ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية، الحلف الوطني الذي حقق للمغرب استقلاله وجعل منه مركز جذب للتحرر في إفريقيا كلها. إن “القوة الثالثة” التي شكلها الفرنسيون سنة 1950 كطرف مناهض للجالس على العرش وللحركة الوطنية، والتي أعادوا تشكيلها سنة 1955 حين اضطروا للتفاوض ليجعلوا منها درعا واقيا يفاوضون من خلاله الحركة الوطنية، هي نفسها التي أعيد تشكيلها سنة 1958 للحيلولة دون استمرار ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية في التحامه ونضاله الموحد لتحقيق الأهداف الوطنية المذكورة.

فعلا، نجحت الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية في استقطاب بعض الشخصيات التي لم تكن داخل الحركة الوطنية واحتفظت مع ذلك بنوع من الولاء للعرش، فنصبتها على رأس هذه الصيغة الأخيرة من “القوة الثالثة”. وقد أشرنا قبل إلى المرحوم مبارك البكاي، أول رئيس للحكومة في المغرب المستقل، وعلينا أن نذكر الآن المرحوم أحمد رضا كديرة الذي كان على رأس “حزب”، بل “نادي سياسي”، أنشئ عقب الاستقلال مباشرة باسم “الأحرار المستقلين”، والذي كان اسما بدون مسمى. لقد وضع هذا الرجل نفسه في الطرف المقابل والمواجه للقوات التي تشكلت منها حركة التحرير الوطني في المغرب، فتزعَّم “القوة الثالثة” بعد إعادة تشكيلها في أواخر الخمسينات. كان هذا الرجل معروفا لدى الخاص والعام بميوله الفرنسية وارتباطه الشديد بكل ما هو فرنسي، والإعراض عن كل ما هو عربي أو إسلامي أو تحرري. وكان ذلك منه موقفا صريحا وعلنيا. إن الدور الذي لعبه هذا الرجل -الذي كان مديرا لديوان ولي العهد- في قيام “التناوب” لأول مرة في المغرب، والذي كان يعني في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات إقصاء الحركة الوطنية من الحكومة ومراكز السلطة وتخصيصها للأحزاب التي شكلت لتكون البديل، أقول إن الدور الذي لعبه هذا الرجل في الفصل بين العرش والحركة الوطنية، لا يوازنه إلا الدور الذي لعبه في الاتجاه نفسه، وللغرض ذاته، ذلك الشخص الذي تقلد بعده مسؤولية وزارة الداخلية : الجنرال محمد أفقير، صاحب المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 1972.

خلاف داخل الحركة الوطنية… ونجاح “القوة الثالثة” في إقصائها

لربما يبدو واضحا، منذ الآن، أن “تجربة التناوب” التي يعيشها المغرب اليوم هي مجرد عود على بدء: الجهة التي كانت في الحكومة منذ أزيد من ثلاثين سنة تسحب إلى “المعارضة”، والجهة التي كانت في المعارضة يؤتى بها إلى الحكومة. غير أن ما بين “التناوب” الذي أقر في سنة 1958 و”التناوب” الذي أقر في سنة 1998 أربعون سنة لم تكن كلها انتظارا لـ “النوبة” (أي للدور)، بل شهدت أحداثا وتطورات، وأسفرت عن نتائج هي التي جعلت “التناوب” يعود من جديد؟ ولربما في أفق جديد!

لقد كان من الممكن أن نعالج الموضوع على مستوى نظري بحت، فنريح ونستريح من تفاصيل قد تكون مملة. ولكن ذلك سيكون على حساب خصوصية التجربة؛ على حساب التحليل الملموس للواقع الملموس. صحيح أن أوضاع العالم العربي تتشابه، غير أنه إذا كانت وحدة التجربة في المشرق وتداخل مكوناتها وتأثير بعضها في بعض تأثيرا مباشرا يغني عن عرض تفاصيل الأحداث، حين يتعلق الأمر بقطر من أقطاره، فإن تجربة المغرب تختلف عن تجارب أقطار المشرق، فضلا عن كونها مجهولة لدى كثير من أبنائه -على مستوى التفاصيل على الأقل. لذلك رأينا من الضروري القيام بعرض لمسيرة الأحداث التي عرفها المغرب، خلال الأربعين سنة الماضية، من زاوية ما نسميه هنا : “تجربة التناوب”.

كان من نتائج نجاح الاستراتيجية الاستعمارية في فرض “قوة ثالثة”، مصنوعة، على الحركة الوطنية وعلى العرش كذلك، عند الإعلان عن الاستقلال، أن دبَّ خلاف داخل الحركة الوطنية، وبالذات داخل حزب الاستقلال، حول الموقف الذي يجب اتخاذه إزاء هذه التطورات السلبية، وأيضا حول الكيفية التي يجب أن يتطور بها الحزب ليتمكن من مواجهة المهام الجديدة. كان هناك تياران: تيار محافظ، وتيار جذري. وكان على رأس هذا التيار الأخير داخل قيادة الحزب المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، والفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي (وكانا على رأس جمعية المقاومة وجيش التحرير) إضافة إلى القادة النقابيين آنذاك، كانوا جميعا من القادة الفاعلين في الحزب: حزب الاستقلال. وإذا أضفنا إلى ذلك بعض الاختلافات من نوع الاختلاف بين الأجيال والجهات والمرجعيات الثقافية الخ… أدركنا الأسباب التي أدت إلى ذلك الانقسام الذي عرفه حزب الاستقلال، والذي أسفر عن انفصال هذا التيار الجذري مع أوسع الجماهير الشعبية، ليشكل ما عرف بـ”الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال” أولا (25 يناير 1959)، ثم “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” بعد ذلك (6 سبتمبر 1959) ، وهو الاتحاد الاشتراكي حاليا ( منذ 12 يناير 1975).

والحق أن “التناوب” بدأ، قبل انشقاق حزب الاستقلال، بفترة انتقالية تم فيها إسناد الحكومة إلى هذين التيارين، أحدهما دون الآخر إن لم يكن ضده؛ وذلك قبل إسنادها لـ “القوة الثالثة” التي كان على رأسها أحمد رضا كديرة: لقد أسندت رئاسة الحكومة أول الأمر إلى الأمين العام لحزب الاستقلال المرحوم أحمد بلافريج (15 مايو 1958) الذي كان إلى يمين التيار المحافظ داخل هذا الحزب، فاضطر لتقديم استقالته بعد مدة قصيرة، لتسند جل حقائب الحكومة إلى التيار “الجذري”: عبد الله إبراهيم رئيسا للحكومة ووزيرا للخارجية وعبد الرحيم بوعبيد وزيرا للاقتصاد الوطني وآخرين ( 24 ديسمبر 1958). وإلى هذه الحكومة يرجع الفضل في تنظيم الشأن الاقتصادي في المغرب عبر ما كان يدعى آنذاك بـ “السياسة التحررية الاقتصادية” التي سلكها المرحوم عبد الرحيم بوعبيد الذي شيد هياكل الاقتصاد المغربي كاقتصاد وطني تحكمه استراتيجية التحرر من التبعية. أما في ميدان السياسة الخارجية فقد اتجه المغرب نحو العالم العربي والعالم الثالث وتبنت الحكومة استراتيجية “عدم التبعية” سياسة لها، وهو ما كان يعبر عنه في المشرق وفي العالم الثالث كله بـ”عدم الانحياز”. أما في مجال المؤسسات الديموقراطية فقد أعدت العدة لانتخابات محلية قرر لها تاريخ 29 مايو 1990. فكان طبيعيا أن تتجند تلك “القوة الثالثة”، التي لم تكن تَخْفى علاقةُ متزعميها مع الأوساط الاستعمارية، ضد هذه الحكومة، فتمكنت من استصدار قرار بإقالتها في 21 مايو من نفس السنة، أي قبل إجراء الانتخابات بأسبوع واحد. ومع ذلك ومع ما مورس من ضغوط وتزوير، خاصة في القرى والأرياف، حصل الاتحاد على معظم بلديات المدن المغربية، كما كان قد حصل قبل ذلك على معظم الغرف التجارية. ولم ينافسه على المقاعد في هاتين التجربتين الانتخابيتين الأوليين سوى ذلك الجناح من الحركة الوطنية الذي بقي محافظا إلى اليوم بالاسم الذي حملته هذه الحركة أثناء الكفاح الوطني ضد الاستعمار: “حزب الاستقلال”. إن نتائج الانتخابات قد أظهرت، رغم ما مورس فيها من ضغوط وتلاعبات، أن ما نعبر عنه هنا بـ” القوة الثالثة” لم تكن قوة شعبية بل مجرد واجهة تتخذ من “الدفاع” عن المصالح الاستعمارية واستمرار الارتباط بالغرب، من خلال الولاء لفرنسا، استراتيجية سياسية لعرقلة سير المد الوطني التحرري.

كان طبيعيا إذن أن تتجند هذه “القوة الثالثة” ومن ورائها المصالح الاستعمارية الفرنسية ضد هذه الحكومة التي سارت على طريق المساندة الفعالة للثورة الجزائرية، داخليا وخارجيا من جهة، وعلى طريق بناء اقتصاد وطني متحرر ذي اتجاه اجتماعي اشتراكي من جهة أخرى. وهكذا فما إن بدأت في تنفيذ الخطة الإنمائية الخمسية التي أعدتها (1960-1964) والتي كانت ترمي إلى الدخول بالمغرب في مرحلة “ما بعد التخلف والتبعية”، حتى اشتد الضغط على محمد الخامس فأقال هذه الحكومة، على مضض وبعد تردد طويل (26 مايو 1960)، وتولى اسميا رئاسة الحكومة التي أسند فيها منصب نائب رئيس الحكومة إلى ولي العهد آنذاك، الملك الحسن الثاني حاليا. وقد تبع ذلك سلسلة من الإجراءات والتغييرات في مراكز الإدارة والمؤسسات العمومية وشبه العمومية أبعدت ما تبقى من العناصر المنتمية للحركة الوطنية داخل الإدارة المغربية بمختلف مستوياتها وأحلت محلها عناصر من “القوة الثالثة”. والحق أن “التطهير” الذي كانت تطالب به الحركة الوطنية، تطهير الإدارة من الذين تعاونوا مع السلطات الفرنسية ضد العرش والحركة الوطنية، قد مورس معكوسا. فلم تمض إلا سنة أو سنتان على إعادة تشكيل هذه “القوة الثالثة” بزعامة كديرة حتى كانت مناصب المسؤولية في الإدارة المغربية قد عمها “التناوب” : لقد “طهرت” من العناصر “الحزبية” وأسندت إلى الجهة المناوئة. وإذا كان الاتحاد لم يكن معنيا بهذا النوع من “التطهير” لكونه لم يكن ذا نصيب في مراكز المسؤولية على صعيد الجهاز الإداري، فإنه كان المعني الوحيد لدى الكولونيل أفقير (أحد الضابط في الجيش الفرنسي سابقا) عندما تسلم إدارة الأمن الوطني (يوليو 1960) بعد أن قضى مدة طويلة في القصر الملكي (كان قد عين هناك من طرف السلطات الفرنسية). لقد انشغلت إدارة الأمن في عهده بالتضييق على صحافة الاتحاد ومطاردة مناضليه. وكان من جملة ما وقع: حادثة سير استهدفت حياة المهدي بنبركة (16 نوفمبر 1962).

بعد وفاة محمد الخامس المفاجئة، اثر عملية جراحية بسيطة (28 فبراير 1961)، تشكلت حكومة جديدة برئاسة الملك الحسن الثاني (يونيو 1961) بمشاركة جميع رؤساء الأحزاب باستثناء الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي حاليا). أما السيد رضا اكديرة فقد أسندت إليه وزارة الداخلية التي كان على رأسها مبارك البكاي، كما احتفظ بوزارة الفلاحة ( وهو منصب كانت له أهمية خاصة لأن المغرب لم يكن قد استرجع بعد الأراضي التي اغتصبها المعمرون الفرنسيون وكانت مساحتها تزيد على مليون هكتار). وإضافة إلى ذلك أسندت له مهمة التوقيع على المراسيم الحكومية نيابة عن رئيس الحكومة (جلالة الملك الحسن الثاني) بوصفه مديرا للديوان الملكي. وهكذا دشنت مرحلة جديدة من “التناوب” وضع الجميع فيها في طرف، ووضع الاتحاد الوطني (الاتحاد الاشتراكي حاليا) في طرف. ومع أن حزب الاستقلال كان يعرف جيدا ما يمثله هذا الرجل، متعدد الوزارت والمهام، ويعرف أنه كان من أشد المناهضين له، فقد قبل المشاركة في حكومة يكون دور رئيسه فيها المرحوم علال الفاسي وزيرا لوزارة استحدثت –ربما خصيصا له –باسم “وزارة الشؤون الإسلامية”! إن هذا يدل على مبلغ الهوة التي كانت قد تعمقت واتسعت بين هذا الحزب وبين التيار الذي انفصل عنه وحمل اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. لقد تحول قسم كبير الصراع السياسي في المغرب إلى صراع بين هذين الجناحين من الحركة الوطنية، وكان انضمام جناح “حزب الاستقلال” إلى الحكومة التي كانت الشخصية الرئيسية فيها هو السيد رضا كديرة من قبيل عكس المعنى. كان الأمر يبدو وكأن الأمر يتعلق بتحالف “الجميع” ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مما زاد من شعبيته والتفاف أوسع الجماهير حوله.

تقرير “النقد الذاتي” الذي حجب: موقفان من قضية الديموقراطية

وينعقد المؤتمر الوطني الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية (25 مايو 1962) بعد سنتين بالضبط من هذا “التناوب” الذي أقصي فيه الاتحاد عن الحكومة. لقد مضت الآن ست سنوات على استقلال المغرب كان خلالها مسرحا لعدة تجارب من “التناوب”، فكان لابد من إلقاء نظرة على هذه التجارب واستخلاص الدروس منها. ذلك ما فعله المهدي بن بركة في تقرير بعثه من منفاه الاضطراري إلى الكتابة العامة للاتحاد. هذا التقرير الذي رفضته الكتابة العامة وحجبته() وكلفت عبد الله إبراهيم رئيس الحكومة السابق بتحرير “تقرير مذهبي” آخر.

ومن المفيد هنا أن نقف مع تقرير المهدي الذي اشتهر أولا بـ “النقد الذاتي” ثم فيما بعد بـ “الاختيار الثوري”. يتألف هذا التقرير من أربعة أقسام: الأول في تحليل “الحالة الراهنة”، والثاني في النقد الذاتي، والثالث في الأهداف الاستراتيجية، والرابع في البرنامج المرحلي. وما يهمنا هنا هو ما يخص المسألة الديمقراطية لأنها هي التي تتصل بموضوع”التناوب” اتصالا مباشرا.

أكد الشهيد المهدي في البرنامج المرحلي تأكيدا خاصا على مسألة الديموقراطية التي افتتح بها هذا القسم من التقرير: كان المغرب إلى ذلك الوقت بدون دستور. وكان الاتحاد قد رفض المشاركة في مجلس عينه الملك الراحل محمد الخامس لوضع الدستور (نوفمبر 1960)، ورفع شعار “انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور”، مما سهل -ربما- على متزعمي تلك “القوة الثالثة” تفجير ذلك المجلس بالاعتراض على رئاسة علال الفاسي له، فأجلت قضية الدستور إلى تاريخ لم يعين. وإلى هذه المسألة أشار الشهيد المهدي بلغة النقد الذاتي إذ كتب يقول: “ويجب الاعتراف هنا أن الخطر المزعوم لثورة الإقطاع المصطنعة (تمرد عدي أوبيهي 1957) على كيان الدولة قد استفاد منها القصر كوسيلة للضغط علينا للتعاقد معه عند تأسيس حكومة عبد الله إبراهيم، وكانت نتيجة هذا التعاقد الرمزي بين القوى الشعبية وبين الملك أن وضعت على الرف المشكلة الدستورية، وقد كنا ممثلين ببعض إخواننا المسؤولين في الحزب داخل هذه الحكومة. ويحق لنا اليوم أن نتساءل إلى أي حد لم نكن مخطئين في تجميد المطلب الدستوري حتى أظهرت التجربة بعد سنتين بصفة قاطعة أنه يستحيل نجاح أي إصلاح في دائرة الحكم المطلق القائم. وأخيرا أدركنا بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم أن كل تعاقد مع القوى المحافظة لا قيمة له ما لم يكن على أساس برنامج واضح ومحدد، وإلا يصبح ممثلو الحركة التقدمية في الحكم بمثابة رهائن تستغلها الرجعية لتزكية سياستها وتضليل الرأي العام” ( ص22). ويقول بصدد البرنامج المرحلي: “إن الشرط الضروري لنجاح أي برنامج [حد] أدنى هو حل المشكل الديموقراطي. أما عناصر التحريك فهي تتلخص في النقط الآتية: التضامن ضد الاستعمار على الصعيد الدولي. التضامن الفعلي مع الجزائر. الإصلاح الزراعي كشعار فوق الشعارات تُضمن به الديموقراطية الواقعية بالبلاد” (=العدالة الاجتماعية). ثم أضاف: “إن مثل هذا البرنامج صالح ليكون إطار عمل مشترك مع الهيئات السياسية الأخرى بل ومع الحكم نفسه”(ص 30).

يحمل هذا التقرير تاريخ 2 مايو 1962، أي 25 يوما قبل انعقاد المؤتمر الذي لم يسمع المنتدَبون إليه بهذا التقرير، بل قدم إليهم “تقرير مذهبي” آخر حرره عبد الله إبراهيم لم يرد فيه شيء في موضوع الديمقراطية سوى هذه الفقرة :”إن تجربتنا في الحكومة قد أتاحت للجماهير المغربية أن تقتنع اقتناعا جازما بأنه يستحيل بصفة موضوعية متابعة سياسة هادفة في التحرر الوطني وإصلاح الأنظمة الاقتصادية داخل أسلوب في الحكم عتيق، فاقد لكل امتداد، وفي نطاق إدارة متحجرة غير مسؤولة ومتعفنة”. ويضيف التقرير : “وقد سبق للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ 4 أبريل 1960، عندما لاحظ المأزق الذي كان يرزح فيه المغرب، أن أكد بقوة ضرورة انتخابات عامة لإقامة مجلس تأسيسي، وأن التجربة ما انفكت تثبت في الميدان السياسي صواب هذا الموقف”.

موقفان مختلفان: المهدي يرى أنه من الممكن العودة إلى “التناوب” لتطوير الحكم من الداخل نحو الديموقراطية الحقيقية السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر برنامج مرحلي يستمد نفَسَه من برنامج استراتيجي محدد، وموقف يفضل الانتظار، متمسكا بشعار “انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور”. وقد تبنى المؤتمر هذا الموقف الأخير لأنه الوحيد الذي قدم له.

وفي مقابل ذلك أعد الملك الحسن الثاني دستورا قدمه للاستفتاء في 7 ديسمبر 1962، وقف الاتحاد منه موقفا معارضا فقرر مقاطعة الاستفتاء. أما حزب الاستقلال الذي كان في الحكومة فقد قد أيد هذا الدستور الممنوح وتجند قادته وأطره للدعاية له بما فيهم رئيس الحزب المرحوم علال الفاسي الذي نزل بكل ثقله في حملة الاستفتاء. ولم يمر شهر واحد على الاستفتاء الذي أقر به هذا الدستور حتى أجري تعديل وزراي ضُمَّتْ بموجبه وزارة الاقتصاد إلى السيد كديرة الذي كان يقوم بكثير من مهام رئيس الحكومة (الملك) بوصفه مديرا للديوان الملكي إضافة إلى وزارة الداخلية، كما نُزعت فيه وزير المالية من حزب الاستقلال وعوضت بوزارة الأشغال العمومية. وأمام هذا التعديل الوزاري الذي اعتبره الوزراء الاستقلاليون إهانة لهم، بعد أن تجندوا للاستفتاء على الدستور الممنوح، اضطروا لتقديم استقالتهم. ويبدو أن هذا الدفع بحزب الاستقلال خارج الحكومة كان مقصودا أيضا. فلقد ترتب عن إقرار الدستور إجراء أول انتخابات برلمانية في المغرب. وقبل إجرائها بشهرين أعلن السيد كديرة عن تأسيس حزب باسم “الفديك” أي ما ترجمته:”جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية”.

بالفعل أجريت هذه الانتخابات في 17 مايو 1963 في جو من التدخل الإداري السافر خصوصا في القرى والأرياف، فأسفرت عن “فوز” الحزب الجديد ” الفديك” بأغلبية المقاعد. أما الاتحاد، الذي شُدِّد الخناق على مرشحيه ومناضليه أثناء الحملة الانتخابية، فقد حصل عند فرز الأصوات على 46 مقعدا. أما النتيجة الرسمية التي أعلنت في اليوم التالي فقد أعطته 22 مقعدا. كان من المفهوم، إذن، أن يقرر الاتحاد عدم المشاركة في أية حكومة تؤسس على هذه النتائج.

ولم يمر سوى شهرين على هذه الانتخابات حتى شنت حملة واسعة من الاعتقالات شملت جميع كوادر الحزب في مختلف المدن (ولم تمس الجهاز النقابي)، وذلك بتهمة القيام بمؤامرة ضد النظام (16 يوليو 1963). لقد حوصر أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد داخل مقر الحزب حيث كانوا مجتمعين للنظر في المشاركة في الانتخابات الجماعية التي كانت على الأبواب. وتشهد السنتان التاليان محاكمات متواصلة لقادة الاتحاد وأطره. وتحل سنة 1965 التي عرفت انفجارا شعبيا هائلا، في الدار البيضاء خاصة (23 مارس 1965)، أعلنت بعده حالة الاستثناء فحل البرلمان، وبدأت اتصالات مع من بقي من قادة الاتحاد خارج السجن: عبد الرحيم بوعبيد في المغرب والمهدي بن بركة في المنفى الاضطراري. ولاشك في أن هذه الاتصالات كان لها دور في إقدام الشهيد المهدي لأول مرة على نشر تقريره “النقد الذاتي” الذي أشرنا إليه آنفا.

“التناوب” في المغرب لم يكن مجرد مسألة محلية…

كتب المهدي مقدمة لهذا التقرير وقعها بتاريخ يوليو 1965 تعرض فيها للأوضاع التي عرفها المغرب منذ 1962 وبالخصوص منها انفجار الدار البيضاء 1965، ثم تساءل: “فما هو الحل الذي نراه صالحا في الظروف الراهنة” ؟ ثم أجاب: “سوف يجد القارئ في تقرير سنة 1962 الشروط التي كنا نعتبرها ضرورية إذ ذاك لتسوية ممكنة مع القصر على أساس تحقيق ديموقراطية سليمة وتطبيق إصلاح زراعي جذري والسهر على سياسة التضامن مع النظم الثورية في البلاد العربية والإفريقية. وإن هذه الشروط –التي هي بمثابة التزامات يجب احترامها كل يوم- ما تزال قائمة في الوقت الراهن رغم أن الظروف التي ستنطلق منها قد زادت تدهورا، بعد ثلاث سنوات من الأخطاء والتلاعب في الميادين السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية”.

ذلك ما كتبه الشهيد المهدي بتاريخ يوليو 1965،في موضوع استئناف “التناوب” على أسس جديدة. ولا شك أن ذلك هو فحوى المباحثات التي جرت آنذاك بين جلالة الملك الحسن الثاني والمرحوم عبد الرحيم بوعبيد. وبينما كان المتتبعون للشأن المغربي ينتظرون انفراجا حقيقيا على مستوى “التناوب”، خصوصا وقد راجت أخبار عن استعداد المهدي بن بركة للعودة إلى المغرب من منفاه الاضطراري، إذا بالجميع يفاجأ باختطاف المهدي في باريس (29 أكتوبر 1965). لقد اتهمت السلطات الفرنسية وزير الداخلية المغربي آنذاك الجنرال أفقير ومدير الأمن الوطني أحمد الدليمي بأن لهما يدا في هذا الاختطاف وطلبتهما للتحقيق. أما الثاني فقد ذهب إلى باريس في رحلة مسرحية حيث استمع له وبرئ. وأما الثاني فقد بقي في “الداخل” على رأس وزارة الداخلية التي بقيت صاحبة الأمر في البلاد. وقد اتضح فيما بعد أن اختطاف المهدي قد ساهم فيه أيضا كل من الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) ووكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي إي) مع تواطؤ عناصر من الاستخبارات الفرنسية. لقد كان المهدي آنذاك المحرك الأول لحركة “مؤتمر القارات الثلاث” من جهة، وكان قد أقام علاقات متينة مع الرئيس جمال عبد الناصر، ولفت الانتباه في محاضرة ألقاها في القاهرة إلى ضرورة التصدي لتوسع إسرائيل في إفريقيا على حساب القضية العربية. ومن جهة أخرى كانت قد توطدت علاقته مع قادة العالم الثالث من تيتو إلى شيكيفارا وكاسترو. نذكر هذا لنلفت الانتباه إلى أن مسألة “التناوب” في المغرب لم تكن مسألة محلية، بل كانت جزءا من صراع بين قوى التحرير في الوطن العربي والعالم الثالث من جهة، وبين الاستعمار والصهيونية من جهة أخرى. ولم يكن أحمد رضا كديرة، متزعم “القوة الثالثة” في المغرب، يخفي ارتباطه، لا بالاستعمار الفرنسي ولا بالصهيونية.

وتستمر الأزمة في النصف الثاني من الستينات، و المناضلون الاتحاديون يساقون من محاكمة إلى أخرى. ويستشري الفساد في جميع مرافق الحياة وينتشر التذمر في كل مكان وفي جميع المرافق، ويفاجأ الناس بمحاولة انقلاب في صيف 1970، فشلت بالصدفة. ثم تلتها محاولة ثانية بقيادة الجنرال أوفقير هذه المرة (1971)، فشلت هي الأخرى بالصدفة. ثم تلا ذلك تمرد في بعض المناطق الجبلية اتهمت فيه عناصر من المغتربين الاتحاديين في الجزائر وليبيا، فترتبت عن ذلك حملة واسعة وشرسة من الاعتقالات، لم يسبق لها مثيل إذ طالت جميع كوادر الحزب.

ويحدث ما لم يكن في الحسبان. لقد قررت إسبانيا منح استقلال صوري للصحراء الغربية التي كانت تحتلها، وهي من جملة الأراضي المغربية التي تأخر استرجاعها لأسباب ليس هنا مكان شرحها. المهم أن وحدة التراب الوطني صارت مهددة. ووحدة التراب الوطني في المغرب قضية تعلو على جميع الخلافات السياسية. كان لابد إذن من وحدة الصف إزاء هذه القضية الأساسية. وهكذا دشن سنة 1974 مسلسل جديد من الاتصال مع قادة الاتحاد الذي كان في حالة منع فعلي منذ 1973. وقد أسفرت هذه الاتصالات عن رفع المنع عن الاتحاد وإطلاق ما كان قد بقي في السجون من مناضليه.

المؤتمر الاستثنائي وتكريس الاختيار الديموقراطي… و”حوادث سير”

كان لابد من استئناف المسيرة، وكان لابد من استخلاص الدروس. وهكذا عقد الاتحاد مؤتمرا استثنائيا (10-12 يناير 1975) مورس فيه نوع من النقد الذاتي، فتم الاعتراف بالأخطاء الماضية بوصفها “أخطاء ثورية”، وأقر النهج الديموقراطي كوسيلة لتحقيق الاختيار الاشتراكي، مع السكوت عن شعار “المجلس التأسيسي لوضع الدستور”، وهو الشعار” الذي كان الاتحاد يتمسك به والذي استغلته “القوة الثالثة” في تعميق الفجوة بينه وبين العرش عندما أعطت له معنى مستقى من مرجعيتها هي، المرجعية الفرنسية التي يرتبط فيها هذا “المجلس التأسيسي” تاريخيا بإلغاء الملكية . وهذا ما لم يكن يدور بخلد الاتحاديين قط، لا لاستحالته عمليا فحسب، بل أيضا لأنه يتنافى مع تاريخهم النضالي وتاريخ الحركة الوطنية كلها. إن شعار “المجلس التأسيسي لوضع الدستور” كان في الحقيقة من أجل قطع الطريق أمام تأثير الأوساط الاستعمارية الفرنسية من خلال “القوة الثالثة”، في تنظيم الحياة الدستورية في البلاد. وقد أدرك متزعمو هذه القوة هذا المعنى الوطني، وذلك ما يفسر الانتقال من “جبهة الدفاع عن الحريات الديمقراطية” ( 1958) إلى الاسم الذي اختاره أحمد رضا كديرة لحزبه “الفديك”: “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” (1963). وواضح أنه لم يكن هناك ما يبرر هذا الاسم سوى تمسك المؤتمر الثاني للاتحاد (1962) بشعار “المجلس التأسي”. ورغم أن المناضلين في قيادة الحزب كانوا يعون تمام الوعي هذا الاستغلال البشع لشعار “المجلس التأسيسي” من طرف خصوم الاتحاد، فقد كان من الصعب عليهم “التنازل” عنه. ولم يتم السكوت عنه في المؤتمر الاستثنائي (1975) إلا بعد مرحلة من “الحل الوسط”، على صعيد الشعار، وذلك حين اهتدت اللجنة الإدارية الوطنية للاتحاد في اجتماعها بتاريخ 14 أكتوبر 1972 إلى صيغة “مجلس وطني تأسيس وتشريعي” مؤكدة في جوابها على الرسالة الملكية المؤرخة بـ 23 سبتمبر 1972 أن اقتراح الاتحاد لهذه الصيغة: “لا يصدر عن أي تمسك دوغماتي بمبدأ المجلس التأسيسي”. لقد جاء هذا التوضيح في وقت كان من المفروض فيه أن يصعد فيه الاتحاد ضغوطه على صعيد الشعارات، فقد صدر عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها أوفقير (16 أغسطس 1972). ومع ذلك لم يركب الاتحاد مركب الشنطاج و المزايدة.

كان سكوت المؤتمر الاستثنائي عن شعار “المجلس التأسيسي” تأكيدا آخر لذلك “التوضيح”، خصوصا وقد بارك الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي من منفاه الاضطراري هذا المؤتمر برسالة صوتية مسجلة كان لها وقع عميق في المؤتمرين. المهم أن الرسالة كانت واضحة، رسالة المؤتمر الاستثنائي. وهكذا استأنفت الحياة النيابية من جديد في المغرب، في السنة التي تلت هذا المؤتمر، بانتخابات محلية (1976) حصل الاتحاد فيها على معظم البلديات ثم تلتها انتخابا برلمانية (1977) أحصى الاتحاديون فيها ما يزيد عن 120 مقعدا فازوا بها عقب فرز الأصوات مباشرة، وهو عدد سيتقلص عند إعلان النتائج الرسمية في اليوم التالي إلى أقل من 30 مقعدا، وربما يعود هذا إلى ما يشبه “حادثة سير” لم تكن متوقعة! والقصة كما يلي:

كان الجو الذي سبق الانتخابات هادئا نسبيا باستثناء الأقاليم الجنوبية التي كانت تعيش في حالة من القمع المتواصل مما جعل ممثليها في اللجنة المركزية للاتحاد يصرون على مقاطعة الانتخابات. فاضطر الكاتب الأول عبد الرحيم بوعبيد إلى إعلان ترشيحه في مدينة أكادير عاصمة الجنوب أثناء انعقاد اللجنة المركزية، لحمل ممثلي أقاليم الجنوب على قبول المشاركة. لقد ترتبت هذا الشأن الداخلي للحزب أزمة مع الحكم لم تكن منتظرة. فقد عبر الحكم ممثلا في وزير الداخلية آنذاك (الذي ما يزال وزيرا للداخلية إلى الآن) عن الرغبة في أن يترشح بوعبيد بعيدا عن الأقاليم الصحراوية، فما كان من هذا الأخير إلا أن رفض بشدة هذا التدخل في الشأن الداخلي للحزب. وتطور الأمر إلى صراع مكشوف: من سيتنازل؟ وبما أن بوعبيد لم يتنازل فقد كان مفهوما أن تكون النتيجة “سقوطه” في الانتخابات، على الرغم من أن أكادير تعتبر أصلب قلاع الاتحاد. وهكذا أقفل الباب أمام أية مشاركة للاتحاد في عملية “تناوب” جديدة على أساس هذه الانتخابات.

ومع أن الانتخابات الموالية 1983 قد أسفرت عن نجاح عبد الرحيم بوعبيد، في دائرة أخرى، فإن “التناوب” كان بعيدا عن الأفق في ذلك الوقت. وكان لكل طرف سببه الخاص: فمن جهة دخلت الحكومة المغربية آنذاك في تطبيق أوامر صندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة الاقتصاد، وكان الاتحاد يعارض هذه العملية، فلم يكن هناك إذن مجال لبرنامج يقوم عليه “التناوب”. ومن جهة أخرى كان سوء التفاهم قد تعمق داخل الاتحاد بين بعض القادة التاريخيين المغتربين وبين بعض المسيرين للحزب في الداخل، مما جعل هذا الأخير ينشغل بشأنه الداخلي أكثر من انشغاله بأي شيء آخر، ما عدا قضية الصحراء التي كانت الجسر الذي يجمع الجميع.

الوضع الراهن: معطيات جديدة

تلك هي، في الجملة، قصة “التناوب” في المغرب إلى هذه السنة (1998) التي عين فيها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي على رأس الحكومة. ولا بد أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو التالي: وما الذي تغير في المغرب حتى أصبح دخول الاتحاد في تجربة لـ”التناوب” شيئا ممكنا، بعد 38 سنة من المعارضة؟

هناك معطيات لابد من الإشارة إليها ولو باختصار:

1- هناك أولا الوضعية التي ترتبت عن استمرار ما يعرف بـ “مشكل الصحراء” لمدة ربع قرن (منذ 1974)، وهي القضية الوطنية التي تحقق حولها إجماع شامل تضاءلت دونه كثير من الخلافات، وذابت فيها كثير من مظاهر أزمة الثقة الموروثة من سنوات التوتر السابقة.

2- وهناك التطور الذي حصل داخل الاتحاد نفسه منذ مؤتمره الاستثنائي (1975) الذي تقرر فيه الاختيار الديموقراطي كوسيلة للنضال السياسي، والدخول في التجارب الانتخابية وما يترتب عنها، خصوصا تحمل المسؤولية على صعيد المجالس البلدية والبرلمان وممارسة المعارضة النيابية، في إطار هامش كبير من حرية القول.

3- ثم هناك التطورات التي عرفتها العشر سنوات التالية 1975-1985 على الصعيدين العربي والدولي: كامب ديفد، انفجار الجزائر، ثم المسلسل السريع الذي أدى إلى انهيار المعسكر السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وانتهاء الحرب الباردة يعني بالنسبة للمغرب غياب الدوافع التي تجعل هذه القوة الكبرى أو تلك تحذر من قوى اليسار وتعرقل المصالحة الوطنية الخ.

4- وخلال العشر سنوات التالية 1985-1995 شهد المغرب تدهورا خطيرا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة تطبيقه لأوامر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، في إطار ما يسمى بإعادة الهيكلة، إضافة إلى تدهور الأوضاع في الجزائر واستشراء أعمال العنف فيها سواء التي تقوم بها الحركة الإسلامية أو التي تنسب إليها، وما يشكله ذلك من تهديد للمغرب لا تخفى أبعاده ومخاطره.

5- هذه العوامل كلها عملت على خفض التوتر في العلاقات السياسة بالمغرب، مما أدى إلى قيام “الكتلة الديموقراطية” بين الأحزاب الوطنية (1993)، أعني الأحزاب التي تتمتع بوجود ذاتي لكونها تفرعت عن الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، وذلك في مقابل الأحزاب التي يرجع أصلها إلى “القوة الثالثة” التي تشكلت بعد الاستقلال بزعامة المغفور له أحمد رضا كديرة، والتي صار يطلق عليها في الخطاب السياسي المعاصر اسم “الأحزاب الإدارية”. وقد كان رد فعل “بعضها” تشكيل كتلة برلمانية مضادة باسم “الوفاق” بينما بقي بعضها الآخر خارج هذا “الوفاق” لتظهر –عند الحاجة- بمظهر “أحزاب الوسط” التي تمكن من الأغلبية البرلمانية هذه الجهة أو تلك. وعلى العموم يمكن القول إن هذه “القوة الثالثة”، يمينها ووسطها، قد استُنفذت إمكانياتُ توظيفها، وأن الرتابة التي جعلت منها أحزابا اسمية تتشكل منها حكومات تتغير فيها الأسماء فقط دون أن يثير ذلك أي اهتمام، لا في الداخل ولا في الخارج، كان لابد أن يؤدي ذلك إلى البحث عن بديل، إلى “تناوب” جديد.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان لتسلم الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي لقيادة الاتحاد بعد وفاة المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، دور لا يجب التقليل من أهميته. لقد تولى الأستاذ بوعبيد قيادة الاتحاد في ظروف الأزمات التي عرفها الحزب منذ اختطاف المهدي فخاض الصراع على واجهات متعدد: كان رجل تكتيك من الطراز الرفيع ولكنه كان أيضا مصارعا صلبا قوي الشكيمة، مما جعل علاقته بالأطراف الأخرى تعاني من كثير من المد والجزر. أما الأستاذ اليوسفي، فقد اضطر للإقامة خارج المغرب منذ اختطاف المهدي أي منذ منتصف الستينات، وكان قد صدر في حقه حكم بالإعدام. وهكذا ظل دائما بعيدا عن الصراعات والمنازعات داخل الحركة الوطنية، واحتفظ بعلاقات إيجابية مع قادة حزب الاستقلال فضلا عن كونه أحد قادة جيش التحرير أيام الكفاح الوطني. كل ذلك كان له دوره في قيام “الكتلة الديموقراطية” وفي ظهور نوع من العلاقات جديد، قوامها الاعتراف بالاختلاف داخل الأحزاب الوطنية. أضف إلى ذلك أن المشاركة في المجالس البلدية والبرلمان منذ 1976 قد أدت هي الأخرى إلى نوع من الاعتراف بـ”الآخر”، في الحياة السياسة المغربية، على الرغم من أن جميع الوطنيين يعرفون أن “الآخر” الذي تفرزه الانتخابات، التي لا يتوافر فيها ما يكفي من النزاهة، لا يمثل تمثيلا حقيقيا أية قوة اجتماعية أو اقتصادية حقيقية.

ويمكن القول بصفة عامة إن تجربة الأربعين سنة الماضية، مع ما رافقها من تطورات عربية ودولية، قد أقنعت الوطنيين والمناضلين في المغرب، ولو مع شيء من التردد، أنه لم يكن في الإمكان أحسن مما كان، وأن الضرورة تفرض اليوم أكثر من أي وقت مضى البحثَ عن إمكانات جديدة يجب أن تتاح لها الفرصة للظهور. ذلك ما يمكن أن يوصف بأنه يشكل القناعة التي نسجت خيوط الاتصال والتواصل بين الفاعلين السياسيين في المغرب، والتي في إطارها عمل الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، بوصفه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، سواء داخل الكتلة الديمقراطية أو على مستوى العلاقة مع العرش والشخصيات المحيطة به، أو على مستوى الاتحاد الاشتراكي نفسه. ومن هنا كان اقتراحه التصويت بـ”نعم”، لأول مرة في تاريخ الحزب، على الاستفتاء على التعديل الدستوري سنة 1993. ومع أن هذا الاقتراح لم يلق استجابة من اللجنة المركزية للحزب فقد بقي الأستاذ اليوسفي على قناعته، معتبرا أن مجرد اقتراحه ذاك يشكل رسالة واضحة لا بد أن تكون لها استجابة ما. وقد تعزز هذا الأمل بعد ذلك عند ظهور نتائج الانتخابات المباشرة لثلثي أعضاء مجلس النواب (يونيو 1993) إذ سُمِح لأول مرة بظهور الاتحاد الاشتراكي كقوة سياسية أولى في البلاد –دون أن يعني ذلك أنه نال كل ما يستحقه من المقاعد.

خيبة أمل… عمل الجميع على تجاوزها

غير أن صدمة اليوسفي ستكون عميقة عندما تبين بعد ظهور نتائج انتخابات الثلث الآخر لمجلس النواب (سبتمبر 1993)، عبر انتخابات غير مباشرة ( من المجالس المحلية والغرف المهنية والتجارية والنقابات الخ )، أن دار لقمان بقيت على حالها: فقد وقع التصرف في هذا الانتخابات بصورة تلغي اتجاه نتائج سابقتها. هنا قدم اليوسفي استقالته من المكتب السياسي للاتحاد تعبيرا عن احتجاجه، وأيضا عن خيبة أمله في أن يكون للتعامل السياسي الجديد الذي سار فيه ما كان يتوقعه من نتائج.

غادر اليوسفي المغرب ليقيم في فرنسا مدة شهدت اتصالات مكثفة لإقناعه بالرجوع إلى موقعه على رأس الاتحاد الاشتراكي. كما شهدت الفترة نفسها عرضا من الملك على أحزاب الكتلة –الاتحاد والاستقلال أساسا- لتأليف حكومة “تناوب” يضمن الملك لها ثلاث سنوات من التأييد البرلماني. واستمر الأخذ والرد حول هذا الموضوع ما يقرب من سنة دون نتيجة. وبعد ذلك بأشهر عاد عبد الرحمان اليوسفي إلى المغرب ليكون في مقدمة مستقبلي الفقيه محمد البصري الذي سمح له بالرجوع إلى الوطن بموجب عفو ملكي، بعد غربة استمرت أزيد من ثلاثين سنة. وعندما أُعلِن عن تراجع اليوسفي عن استقالته من منصب كاتب أول للاتحاد، فهم الناس أن إجراءات جديدة لا بد أن تكون في الأفق. وذلك ما حصل بالفعل. فقد أعلن عن دستور جديد ينص على انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب انتخابا مباشرا، وفي المقابل إنشاء مجلس للمستشارين ينتخبون انتخابا غير مباشر من طرف الهيئات التي كانت تنتخب ثلث مجلس النواب في الدستور السابق. ومع أن هذا المجلس الجديد، مجلس المستشارين، يتمتع بسلطات تقترب من سلطة مجلس النواب، فإن هذا التعديل يشكل نوعا من الاستجابة، إذ يلزم عنه مباشرة حل مجلس النواب الذي كانت استقالة اليوسفي احتجاجا على التدخل الذي تعرض له ثلثه “المنتخب” من المجالس المحلية والهيئات المهنية والنقابية.

والأهم من ذلك أن الدستور الجديد ينص لأول مرة في المغرب على أن الوزير الأول هو الذي يقترح قائمة وزارته على الملك الذي يعين هذا الأخير (ضمنيا من الجهة التي لها الأغلبية النسبية في مجلس النواب ). ومعنى ذلك أن الوزراء سيصبحون، لأول مرة في المغرب، مسؤولين أمام الوزير الأول. ومع أن هذا لا ينطبق على ما يطلق عليه “وزراء السيادة”، الذين يعتبرون مسؤولين أمام الملك مباشرة (وزراء الداخلية والخارجية والدفاع والعدل والأوقاف )، فإن البرنامج الحكومي الذي يصادق عليه المجلس الوزاري برئاسة الملك يلزمهم، كما يلزمهم التضامن الحكومي. والأهم من ذلك أن العملية تنطوي على تعديل سياسي هام في الحياة السياسة المغربية يتمثل في ظهور مؤسسة الوزير الأول. لقد كانت من قبل وزارة فارغة أو شبه فارغة لا وزن لها ولا اعتبار في الخطاب السياسي المغربي، بما في ذلك خطاب وسائل الإعلام الرسمية. لقد كان التركيز من قبل على وزارة الداخلية وحدها التي كان الناس يطلقون عليها “أم الوزارات”، وذلك منذ أن تولاها أحمد رضا كديرة في أوائل الستينات، مرورا بالجنرال أفقير، إلى وزيرها الحالي الذي مر عليه الآن، وهو على رأسها، ربع قرن من الزمن!

لم يكن من الممكن، إذن، تجاهل هذه التعديلات الدستورية التي -رغم شكليتها- قد تفتح الباب أمام وضعية أكثر قابلية للتطور نحو الديمقراطية الحقيقية. لذلك قرر الاتحاد –بل الكتلة الديموقراطية باستثناء فصيل صغير- التصويت بـ “نعم” للدستور الجديد (13/9/1996). وتلك هي المرة الأولى التي يصوت فيها الاتحاد الاشتراكي بالإيجاب للدستور في المغرب. وبما أن هذا الدستور ينص كما قلنا على غرفتين، واحدة للنواب وأخرى للمستشارين، فقد نتج عن إقراره حل مجلس النواب السابق، بصورة آلية، وإجراء انتخابات جديدة. وعندما ظهرت نتائج الانتخابات (نوفمبر 1997) تبين أن الاتحاد الاشتراكي يأتي في المقدمة، مما يعني أن الوزير الأول سيكون منه، وأن جملة مقاعد البرلمان قد توزعت على “اليسار” و”الوسط” و”اليمين” بشكل متعادل: الثلث لكل طرف. أما “اليسار” فيتكون من الكتلة الديموقراطية التي أصبح الاتحاد يشكل الأغلبية داخلها. وأما “الوسط” فيتكون من الأحزاب التي كانت قد ورثت في منتصف السبعينات “القوة الثالثة” التي تحدثنا عنها، وأما “اليمين” فيتكون من الأحزاب التي شقت، أو انشقت، في منتصف الثمانينات، عن هذا الذي يدعى اليوم بـ “الوسط” لترث منه خط ّالقوة الثالثة” ومهمتَها في أن تتشكل منها الحكومات، في مرحلة “التناوب” المجمد الذي سبق حكومة اليوسفي.

دعائم توفرت… فكانت “حكومة التناوب”

واضح أن هذه التركيبة النيابية الجديدة-القديمة تفسح المجال لأول مرة للاتحاد الاشتراكي للمشاركة في حكومة يتولى فيها منصب الوزارة الأولى، التي يسمح الدستور لأول مرة بظهورها كمؤسسة متميزة. وواضح كذلك أنه لم يكن من السهل، أمام هذا المسلسل من التعديلات، رفض العرض الذي تنطوي عليه. ومن هنا قرار الأستاذ اليوسفي خوض التجربة.

لم يكن من السهل أبدا الانقياد –داخل الكتلة- لهذا الاختيار الذي اختاره الأستاذ اليوسفي، تماما كما أنه لم يكن من السهل الوقوف في وجه هذا الرجل من أي كان. فتاريخه النضالي وسلوكه المثالي وصفاء سريرته أشياء لا يضعها أحد، لا داخل حزبه ولا خارجه، موضع شك، وبالتالي فما يقدمه كقناعة شيء يفرض نفسه على الجميع كقناعة صادقة لا تحتمل الرد، على الرغم من جميع التخوفات التي يمكن أن يعبَّر عنها والتي لا تخلو الساحة من الكثير من المعطيات التي تبررها. وبعبارة أخرى إن جميع الذين يشاركون في الحكومة الحالية، والذين يؤيدونها دون المشاركة فيها، إنما يفعلون ذلك لأنهم يثقون في اليوسفي، ويدركون أيضا أن اختيار الملك له كوزير أول ليس اختيارا خاليا من المعنى. والسياسة في المغرب، وبعبارة أخرى “الجديّة في السياسة” في المغرب، تمارس بالرموز والمعاني. وهذا شيء بديهي: فالفاعلون السياسيون الحقيقيون في المغرب يعرف بعضهم بعضا معرفة حقيقية، والخطاب بين “العارفين” يجري دوما لا بالتصريح بل بالتلميح. ولذلك فمن العبث البحث عن ضمانات مكتوبة، فالمكتوب في مثل هذه الحال يبقى في الغالب حبرا على ورق.

لقد أكد اليوسفي مرارا وتكرارا، قبل تعيينه وزيرا أولا بأكثر من سنة، أن الاتحاد مستعد لتحمل المسؤولية في حكومة تتوفر لها ثلاث دعائم: ثقة الملك، وأغلبية مريحة في البرلمان، و السند الشعبي…

أما الركن الأول فقد أكده جلالة الملك حينما صرح أمام مجلس النواب في حفل تنصيبه، أنه بعد هذا التنصيب سيعين من يرتضيه ضميره وزيرا أولا. وقد فهم الناس منذ ذلك الوقت أن تحكيم الضمير لن يسفر عن شخص آخر غير اليوسفي، فجلالته يعرف أكثر من غيره الفاعلين السياسيين في المغرب . لقد توفرت الثقة إذن، وهل هناك من ثقة أثقل وزنا من فتوى الضمير!

وأما الركن الثاني فقد توافر أيضا، وبدون صعوبة : فقد قام الأستاذ اليوسفي بمجرد ما كلفه الملك بما لم يكن منتظرا، وبما لم يكن في إمكان غيره القيام به: قام باستشارات واسعة شملت جميع الهيئات السياسية والنقابية المعترف بها قانونيا، سواء في ذلك أصدقاء الاتحاد أو خصومه، القدماء منهم والجدد. إن هذا الاعتراف بجميع مكونات الحياة السياسة في المغرب بما في ذلك أولئك الذين ينتمون تاريخيا إلى “القوة الثالثة” التي تحدثنا عنها شيء غير مسبوق. وقد أسفرت الاتصالات عن أغلبية مريحة فعلا تضم نواب الكتلة والمرتبطين بها ونواب “الوسط”، إضافة إلى نواب الفصيل الإسلامي الذي شارك في الانتخابات.

وأما عن الركن الثالث وهو السند الشعبي فيمكن القول: إنه لأول مرة في المغرب بدأ الناس، منذ الشهر الثاني من تشكيل هذه الحكومة، يطرحون عبر وسائل الإعلام، الرسمية وغير الرسمية، هذا السؤال: لقد عقدت آمال كبيرة على هذه الحكومة فماذا حققت؟ إن دلالة هذا السؤال كامنة لا في صيغته بل في مجرد طرحه. ذلك أنه لم يسبق أن طرح مثل هذا السؤال في المغرب منذ أربعين سنة، أي منذ الحكومات الأولى التي شكلتها فصائل الحركة الوطنية بعد الاستقلال، وعلى عهد الملك الراحل محمد الخامس. إن ذلك يعني أنه لا أحد في المغرب –على مدى ثلاثين عاما- كان ينتظر أن تسفر عملية تنصيب حكومة “جديدة” عن أي شيء جديد. أما هذه الحكومة فأنظار الشعب المغربي كله مشدودة إليها. وليس هناك من يستطيع أن يُنْكِر أنها تحظى برضا جميع مكونات الشعب المغربي، بما في ذلك رجال الأعمال والمؤسسات التجارية الحرة، فضلا عن الجماهير الشعبية في المدن كما في الأرياف. وهناك وعي عميق بأنه إذا لم تحقق هذه الحكومة شيئا فذلك لن يكون بسبب آخر غير العرقلة الإدارية، الشيء الذي يعني أنها لم تتوافر لها الوسائل التي يمكن بها أن تعمل. وهذه مسألة سنعود إليها بعد قليل.

وإلى جانب هذا السند الشعبي التلقائي هناك ترحاب دولي لم يسبق له مثيل. فلأول مرة تعرب الدول الغربية التي تهتم بالشأن المغربي، الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وإنجلترا الخ، تعرب علنا وفي تصريحات رسمية، عن ترحيبها بهذا التغيير الذي حصل في المغرب بتعيين الوزير الأول من المعارضة، خصوصا عبد الرحمان اليوسفي المعروف على نطاق دولي بسمعته الطيبة. وهناك وعود بالمساعدة والاستثمارات لا تُخفي صيغتُها أنها تشجيع لهذا الاتجاه.

والآن وقد مرت ثمانية أشهر على هذه الحكومة (4 فبراير 1998)، التي يطلق عليها في المغرب “حكومة اليوسفي” تارة و”حكومة التناوب” تارة أخرى، المهم أن لها اسم تحمله على خلاف الحكومات الغفل السابقة، فما هي النتائج التي يمكن تسجيلها لها أو عليها خلال هذه المدة؟

على الرغم من أن مدة ثمانية أشهر لا تكفي لتقويم عمل حكومة نصبت في إطار الظروف والمناسبات التي شرحنا، فإن الملاحظ يستطيع مع ذلك أن يسجل ما يلي:

1- أما عن برنامج الحكومة الذي صودق عليه في البرلمان بمجلسيه، فهو برنامج عام انتقالي، يستهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه على طريق الإعداد للخطة الخماسية التي تنكب الوزارات المختلفة على إعدادها، وقد حظي هذا البرنامج بما يشبه الإجماع الوطني، وإن أخذ عليه خلوه من كثير من التفاصيل والأرقام. وهذا مفهوم ومبرر فأعضاء الحكومة حديثو العهد بميادين مسؤولياتهم والبرنامج انتقالي.

2- هناك مبادرات أقرت لصالح الفئات المتضررة والضعيفة من المنتجين. وهناك أيضا الإعلان عن تصفية ملف المعتقلين السياسيين والمخطوفين، وقد صفيت جوانب أساسية منه إذ تم الاعتراف بموتى ومخطوفين وتقرر تعويض لذويهم. هذا إضافة إلى العديد من النصوص التي بدونها لا يتأتى إنجاز ما هو مطلوب إنجازه. ومع أن هذه الإنجازات هي دون المنتظر بكثير فإن معظم الناس في المغرب يتفهمون الوضع المعقد والمتشعب الذي على هذه الحكومة أن تواجهه. وهناك شبه إجماع بأنه إذا فشلت هذه الحكومة، فإن فشلها لن يكون راجعا إليها نفسها بل إلى أشياء خارجة عن رغبتها وإرادتها.

المسألة هي مسألة التحول إلى الديموقراطية… حظوظ تجنب الفشل

والسؤال الآن هو: ما هي حظوظ تجنب هذا الفشل المحتمل؟

يمكن القول، مبدئيا، إن الناس في المغرب ما زالوا محتفظين بالأمل، وأيضا مستعدين للانتظار، فهم يقدرون الظروف الصعبة. وهم مستعدون للانتظار أكثر إذا تبين لهم بوضوح أن أمامهم مخرج مؤكد من النفق. ومع ذلك فالشكوك المشفوعة بالإشفاق قائمة، وربما تتزايد.

وهنا لابد من التمييز بين أمرين حتى تكون الرؤية واضحة.

فإذا نظرنا إلى هذه التجربة من زاوية ما يمكن أن تحققه على المدى القريب، على مستوى مشاكل البطالة والتشغيل والتعليم الخ، فإن المرء سيكون حالما إذا هو توقع تحسنا جذريا أو إصلاحا شاملا قبل مرور خمس سنوات من العمل المتواصل.

غير أن الذين يعرفون الوضع في المغرب جيدا، ويعرفون الذهنية المغربية، لا ينظرون إلى هذه التجربة التي ترتبط باسم اليوسفي من زاوية ماذا يمكن أن تحققه على مستوى المشاكل التي ذكرنا. إن العرض الذي قدمناه عن تاريخ مشكلة “التناوب” في المغرب، منذ حصوله على استقلاله سنة 1956 إلى اليوم، يظهر بجلاء أن الأمر يتعلق في الحقيقة بتحَدٍّ تواجهه اليوم معظم بلدان العالم الثالث، إنه مشكل التحول إلى الديموقراطية. وإذا كنا قد تتبعنا تطور هذا المشكل في المغرب عبر تفاصيل، ربما أثارت الضجر، فذلك من أجل أن نلفت الانتباه إلى خصوصية هذا المشكل بالنسبة للمغرب. وبالإمكان الآن إبراز عناصر هذه الخصوصية:

منذ عقدين من السنين أو أكثر انتبه المحللون الغربيون المتتبعون للشأن المغربي إلى ما يميز الوضع السياسي في المغرب، أعني ما عبر عنه بعضهم بقوله: “المعارضة في المغرب ضرورية للعرش، والعرش ضروري للمعارضة”. وهذه حقيقة يعيها حق الوعي كل من العرش والمعارضة. فقد صرح جلالة الملك الحسن الثاني يوما للصحفيين قائلا: إنه لو لم تكن المعارضة قائمة في البلاد لأنشأتها. أما المعارضة نفسها، سواء يوم كانت تتمثل في حزب الاستقلال قبل إنشاء الاتحاد، أو بعده، فقد كانت دوما معارضة للقوى التي تريد أن تحتوي العرش وتبعده عن الارتباط بالشعب وأهدافه، أو أن تلغيه إلغاء. لقد عرضت فرنسا على الوطنيين المغاربة عندما اضطرت للدخول معهم في مفاوضات الاستقلال أن يقبلوا الاستقلال دون إرجاع محمد الخامس من المنفى، فكان رد الوطنيين وعلى لسان أولئك الذي قادوا المفاوضات، والذي سيصبحون قادة للاتحاد، أنه لا مفاوضة ولا نقاش في عودة الملك الشرعي. ولا زال كاتب هذه السطور يتذكر صوت المهدي بن بركة في تجمع جماهيري بالدار البيضاء سنة 1955 وهو يروي ما يجري في المفاوضات مع فرنسا، قال: “طلب منا الفرنسيون أن نقبل الاستقلال أولا ثم تقوم الحكومة المغربية بعد ذلك بطلب إعادة محمد الخامس. أما أن تعيده الحكومة الفرنسية نفسها في هذا الظرف بالذات فذلك ما لا يقبله كبرياء الرأي العام الفرنسي”. قال المهدي: “ونحن كذلك قلنا لهم: إن كبرياء الرأي العام المغربي لا يقبل الاستقلال دون رجوع محمد الخامس الذي كان نفيه مسا بكرامة المغاربة”.

لقد ارتكبت فرنسا خطأ جسيما عندما اعتقدت أن “القوة الثالثة” التي أنشأتها من بعض الإقطاعيين وأعوانها من شيوخ القبائل وغيرهم يمكن أن تفرض بواسطتها على الشعب المغربي ملكا آخر غير الملك الوطني محمد الخامس. وجوهر الخطأ الذي ارتكبته الحكومة الفرنسية هو أنها اعتقدت أن المغاربة يتشبثون بالملك فقط لأنه ملك، ونسيت أن هذا الملك نفسه، الذي فضلته فرنسا على غيره من الأمراء لصغر سنه، لم يكن شيئا مذكورا قبل أن يتبنى قضية بلده وشعبه، قضية الاستقلال في أوائل الثلاثينات من هذا القرن. ويجب أن نضيف إلى ذلك أن علاقة قادة المعارضة بالملك الحسن الثاني، سواء منهم المهدي بنبركة أو عبد الرحيم بوعبيد أو عبد الرحمان اليوسفي، ترجع إلى ما قبل الاستقلال، حينما كان ولي العهد الشاب يقوم بصلة الوصل بين والده والقادة الوطنيين، وحين كانت السلطات الاستعمارية تعتبره متطرفا يحرض والده على فرنسا. وأكثر من ذلك كان من الممكن أن يكون اليوسفي مديرا لديوان ولي العهد منذ بداية الاستقلال. غير أن الرياح تجري أحيانا بما لا تشتهي السفن. ومن “العبث” الذي يرافق السياسة دوما، منذ غابر العصور، أن “الرياح” المفاجئة هي التي تقرر في اتجاه التاريخ. ومع أن التاريخ لا يكرر نفسه فهناك في مختلف العصور سلسلة من التحولات تتكرر بصور جديدة، ولكن متشابهة.

من هنا ندرك أن “التناوب” في المغرب لا يتعلق مضمونه بمن سيكون على رأس هذه الوزارة أو تلك، بل بمن سيكون إلى جانب الملك ويكون الملك إلى جانبه: هل الحركة الوطنية وامتداداتها أم “القوة الثالثة” التي أراد الاستعمار أن يرهن الملك بواسطتها في فلك مصالحه. واليوم وقد تغيرت الظروف ولم تعد المصالح الأجنبية محكومة بالحرب الباردة وصراع القوى الدولية لا بد أن يتخذ “التناوب” مضمونا آخر: إما الفراغ الذي تعمره الانتهازية التي برهنت التجربة أنها أول من يتخلى عن العرش وصاحبه عند الشدائد (سواء زمن الحماية أو ساعات المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين)، وإما إعادة ترتيب العلاقة بين العرش والقوى الوطنية الحقيقية بما يجعل من كون الواحد منهما ضروريا للآخر جسرا سلميا ونموذجيا لعملية الانتقال نحو الديموقراطية في إطار ملكية دستورية، تجسم تاريخ الملكية وتاريخ الوطنية في المغرب، وهما تاريخ واحد يمتد على أكثر من اثني عشر قرنا.

ومن هنا يبدو واضحا أن مصير حكومة اليوسفي يطرح مصير المغرب ككل. والجميع يعي هذه الحقيقة ويعي أن قولة الفيلسوف اليوناني “إنك لا تستطيع أن تستحم في النهر مرتين فمياهه تجري باستمرار” تصدق على المغرب اليوم. لقد سئل الأستاذ اليوسفي، قبل تعيينه وزيرا أولا بشهور، عن ما يتوقع من تطورات، فكان جوابه: “المغرب عبارة عن قاعة انتظار كبيرة، على المرء فيها أن ينتظر طويلا قبل الدخول إلى مستقبِله”. وإذا كان المثل المغربي يقول “دخول الحمام ليس كالخروج منه”، فإن جميع الذين هم على صلة باليوسفي يعرفون أنه يتنفس برئة واحدة، وأنه بالتالي لا يستطيع المكوث طويلا في حمام موبوء، خصوصا إذا تبين له أن هناك من يلقي فيه بالقمامة عمدا ولهدف في نفس يعقوب! وبدون شك سيكون الرجل معذورا، فقَدْ فَقَدَ رئته الأخرى في معركة إعادة الملك الشرعي من المنفى وتحقيق الاستقلال! وواضح أن فشل اليوسفي سيكون ليس فشلا لشخص بل إخفاقا نهائيا لتجربة “التناوب” التي تعني التحول السلمي إلى الديموقراطية.

وأمام هذه النتيجة المرعبة لابد من تحديد السبب أو الأسباب التي يمكن أن تكون مصدرا للفشل؟

المشكل هو الإرث الذي تراكم عبر أربعين سنة

ليس من الممكن التنبؤ بالتفاصيل ولكن يمكن تحديد العوامل المحتملة.

– هناك ما يمكن أن نطلق عليه “العوامل الذاتية” التي ترجع إلى ما قد يظهر، أو يحرك، من تناقضات داخل الكتلة ككل، أو داخل الحزبين الرئيسيين فيها: الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال. ومع أن كل شيء محتمل في هذا المجال فإن غياب البديل في الأفق ووعي الجميع بخطورة المرحلة الراهنة يجعل من الصعب المضي بأي خلاف في هذا المجال إلى حد إفشال التجربة.

– أما احتمال فقدان الحكومة الأغلبية البرلمانية المريحة التي تتوافر لها اليوم فهو احتمال بعيد في الأفق المنظور. ذلك أن هذه الأغلبية تعكس في الحقيقة مفعول ثقة الملك، وهي ثقة لا نعتقد أنه سيكون في تصرفات اليوسفي المعروف باستقامته ونزاهته ولباقته ما يزعزعها. وليس هناك قوى خارجية ضاغطة لزعزعة هذه الثقة، بل بالعكس فجميع الدول المعنية بالشأن المغربي أيدت وتؤيد هذه التجربة وتدفع بالأمور نحو نجاحها.

– أما القوى الداخلية التي يمكن أن تمارس الضغط الفعلي المضاد لوجود هذه الحكومة فلا يبدو أن هناك مثل هذه القوى، خصوصا وقد كانت هيئات رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين من أول من رحب بهذه الحكومة، وقد اتخذت مبادرات بنكية عملية في هذا السبيل. أما القوى الأخرى غير الاقتصادية فليس هناك في الوقت الراهن قوى من هذا القبيل، فثقة الملك والسند الشعبي الواسع يجعلان من المستبعد تماما مثل هذا الاحتمال.

فأين يمكن أن يكمن سبب الفشل إذن؟

إنه يكمن في نظرنا في الإرث الذي تراكم خلال الأربعين سنة الماضية على مستوى أجهزة الدولة ككل، وبالخصوص منها الجهاز الإداري الذي يستشري الفساد في جميع مرافقه، وهو فساد بنيوي، بمعنى أن مس أي جانب منه يثير جوانب أخرى مباشرة. وكما هو معروف فالفساد الذي من هذا النوع يحتمي بعضه ببعض في جميع الاتجاهات والمستويات. إنه كالأخطبوط يسري في الجسم كله ولا يمكن التخلص منه إلا بعملية جراحية.

والتحدي الذي يواجه التحول السلمي إلى الديموقراطية هو هذا بالذات. والتجربة المغربية، والتي هي الأولى من نوعها في العالم العربي، تضع أمامنا المعطيات التالية:

– هناك في المغرب الآن ديمقراطية حقيقية على مستوى حرية التعبير والتعددية الحزبية، ويمكن أن تتحسن الأمور على مستوى نزاهة الانتخابات، وتكون النتيجة أغلبية مستقلة لأحزاب الكتلة تمكنها من تشكيل حكومة كالحكومة القائمة.

– وهناك تصفية حقيقية لسجل حقوق الإنسان قُطعت فيها أشواطٌ واسعة ومن المنتظر، بل من المؤكد، أن تتم التصفية نهائيا في الأشهر القليلة القادمـة

– وهناك علاقات بين القوى السياسية تتميز بانخفاض التوتر، إلى جانب سلم اجتماعية فلا إضرابات ولا مطالب تستعصي تلبيتها، وهناك هدوء على مستوى الطلاب والجامعات الخ.

ومع ذلك فالإصلاح، في أي مجال يطرح مشكلة الجسم الذي يستشري فيه الفساد المترابط على جميع المستويات.

نعم ، هناك في الإدارة المغربية بمختلف مستوياتها كفاءات على درجة عالية من النزاهة والاستقامة والتفاني في العمل. ولكن معظم مفاصل الإدارة ومراكز المسؤولية تفتقد إلى مثل هذه العناصر، وقد آن الأوان لأن يفسح المجال للعناصر النظيفة لتولي المسؤوليات التي هي أهل له. أما العناصر التي انساقت مع الفساد لسبب أو آخر، بدافع من تدخلات أو بدافع من المصالح الشخصية وروح الانتهازية، فقد آن الأوان لأن تنسحب بهدوء، وتحت غطاء “عفا الله عما سلف” إن اقتضى الأمر ذلك، خصوصاً وهناك سوابق من هذا النوع، منذ بداية الاستقلال.

ومع أن الفرق كبير وشاسع بين وضعية الفساد اليوم ووضعية الفساد أمس، فإن أوجه التشابه على المستوى الصوري البنيوي تفرض نفسها، فالإرث هو إرث غياب الديمقراطية، الغياب الذي يفسح المجال لاستغلال النفوذ والاستظلال بمظلات استظلالا ما أنزل الله به من سلطان.

ومهما يكن فمعالجة الفساد أمر ضروري، إذ عليه يتوقف الخروج من النفق. لابد من التفكير الجدي في الموضوع، فالإصلاح بواسطة الفاسد وفي إطار الفساد غير ممكن. إن الأمر يتطلب إرادة سياسية قوية ومصممة على معالجة المشكل بطي الصفحة جملة وتدشين بداية جديدة. وإذا كان لا بد من الحرص على تجنب الشطط في مثل هذه التدابير فلا أعتقد أن أحداً في المغرب يشك في أن حكومة اليوسفي الحالية، مؤهلة تماماً لتجنب هذا الشطط. إن الأمر كله يتوقف إذن على ظهور إرادة حقيقية تعطي لمفهوم “التناوب” مضموناً ملموساً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كان شعار “من أين لك هذا؟” شعاراً غير واقعي في الظرف الراهن على الأقل، فإن المطالبة بتوظيف هذا الـ”هذا” لصالح البلاد أمر ضروري، وأشد ضرورة منه أن يكون الـ”هذا” في المستقبل نتيجة عمل مشروع وفي إطار القانون.

و كيفما كان الحال، يبقى أن تدشين بداية جديدة من النوع الذي وصفنا، أو عدم تدشينها، هو الذي سيقرر في مصير هذه الحكومة وفي مصير التجربة ككل، عاجلا أو آجلا. وقد لا يخطئ المرء إذا هو توقع أن “تقرير المصير” هذا لن يكون في الإمكان تأجيله أكثر من بضعة أشهر