« ما كاين ما يدّار ما كاين مع من !… »
(عبارة متداولة في المجال التعليمي و في غيره.)

من خلال الحضور اللافت لقضايا التعليم في الخطابات الملكية، و من خلال مجريات الأمور بعد إصدار المجلس الأعلى للتربية و التكوين والبحث العلمي لرؤيته الاستراتيجية لإصلاح التعليم، يمكن لأي مهتم بقضايا التعليم في بلادنا أن يدرك الطبيعة النوعية للتحول الذي عرفته المواقف الرسمية تجاه هذه القضايا، و الذي يتجلى في حضور أهم عنصر ظل المنتقدون للسياسات الرسمية، يعتبرون أن غيابه هو السبب الأساس للأعطاب التي تعاني منها المنظومة التربوية ، و نعني به عنصر الإرادة السياسية، و مع ما يبشر به ذلك من آفاق مطمئنة، فإن الشك في جدوى جهود الإصلاح سيبقى ـ في نظرنا قائما ـ و ذلك لأسباب من أهمها خاصة رسبته التجارب السابقة في الأذهان ، و خاصة في أذهان الفاعلين في القطاع المعني، من قناعة راسخة باستحالة تحقيق أي إصلاح للمنظومة المشارإليها؛ و هي قناعة تعكسها بوضوح العبارة التي صدّرنا بها هذه المحاولة و التي أصبحت بمثابة لازمة رائجة في المجال التعليمي، تنطوي على حكم قيمة يبخس في الآن نفسه جدوى الفعل و جدارة الفاعل التربويين.

التدبير الإداري التربوي لقطاع التعليم:

نعني بهذا التدبير التسيير الداخلي للقطاع من طرف الإدارة المشرفة عليه، و هو في الحقيقة تدبير لا يختلف كثيرا عن النمط الأول (النمط السياسي) كما يبدو ذلك واضحا على مستوى هيكلة الإدارة المركزية للقطاع، حيث صارت تخضع لمعايير محض سياسية تراعي ما تقتضيه التسويات السياسية بين الأحزاب المشاركة في الحكومة لا بناء على المتطلبات التربوية، مما جعل هذه الإدارة تكتسي في أغلب الأحيان شكل كيان متعدد الرؤوس مما لا يتوافق مع ما تقتضيه الوحدة النسقية للمنظومة، و يؤدي بالتالي إلى انعكاسات سلبية على الطبيعة التربوية لسلطة الإدارة المركزية المشرفة على قطاع التعليم وعلى مدى تحكمها في الاختيارات التي تحدد مسار هذا القطاع، ، مع ما يكون لذلك من امتدادات ضارة على مختلف مستويات الإدارة التربوية مع ما ينتج عن ذلك من تضعضع لمستوى أداء هذه الإدارات و ما يرتبط بذلك من تدن لمستوى التعليم.
في العادة عندما يتم الحديث عن تدني مستوى التعليم يتجه التفكير إلى طبيعة أداء المدرس و إلى مدى تجاوب و تفاعل المتمدرس، دون الاهتمام بدور التدبير الإداري التربوي في ذلك التدني؛ لذلك سنحاول في ما يلي تناول هذا الجانب، بالتطرق لثلاثة عناصر كنماذج للاستدلال على ما نراه بهذا الخصوص: تدبير الزمن المدرسي، تدبير العملية التعليمية التعلّمية، و التأطير النظري للفعل التربوي.

1ــ تدبير الزمن المدرسي: من العناصر المهمة التي لا يوليها المسؤولون عن القطاع الاهتمام المطابق لأهميته، هو عنصر الزمن ، مع العلم أن هذا العنصر له دور وازن في ضبط قدرة هذا القطاع على استيفاء دوره التأهيلي وفق ما تقتضيه ضرورة المواكبة، ؛ فرغم أن الميثاق الوطني للتربية و التكوين أفرد لتدبير الزمن المدرسي إحدى دعاماته (الدعامة الثامنة)، إلا أنه اكتفى فقط بتناول جانب ذي طابع تقني لم يعد في الغالب يطرح أي مشكل و يتعلق الأمر بالتوزيع اليومي و التحديد الأسبوعي للحصص و للمواد الدراسية بالنسبة للمتعلم ، دون أن يتطرق إلى ما هو أهم و ألح من ذلك أي إلى إيجاد حلول لما يلحق الزمن المدرسي من ضياع يصعب استدراكه، ضياع يحدث لأسباب مختلفة منها ما له علاقة مباشرة بتدبير العملية التعليمية التعلّمية ذاتها، (الزمن المقتطع لصالح مكون التقييم والامتحانات كنموذج). علما أن الرؤية الاستراتيجة لم تذكر أي شيء عن هذا الزمن؛ بجانب ذلك لم يُول الزمن الخاص بالمدرس وما يطرحه من مشاكل أي اهتمام ، فمما يجدر اذكره بهذا الخصوص أن حصص عمل المدرسين تم إثقالها منذ أواخر العقد السادس من القرن الماضي بزيادات مُجهِدة تجاوزت في مجموعها نسبة 30 %، فبعد أن كانت الحصة الأسبوعية لأستاذ التعليم الثانوي مثلا لا تتعدى في البداية 16 ساعة ، انتقلت بعد ذلك إلى 18 ثم إلى 21 ساعة، و مثل ذلك حصل مع حصص العاملين في الابتدائي و الإعدادي، مع العلم بأن ذلك زاد من وطئه ما عرفته الفصول الدراسية من اكتظاظ مستفحل، و كان من المفروض في سياق دعوى الإصلاح أن يصار التعامل مع هذه الحصص و فق ما يوفر للمدرس شروطا أفضل لكي يعطي عمله أكله كاملا، و ذلك بمراعاة قدراته الفعلية على تحمل عبء عمله الصفي ، فضلا عن أعباء التحضير و التصحيح خارج الصف، إلا أن مثل هذا الأمر بقي خارج أي اهتمام.
بالإضافة إلى ذلك عرفت العطلة الدراسية الصيفية خصما كبيرا من طرفيها، دون أي مراعاة لدورها في منح المعنيين، متعلمين و مدرسين، فترة راحة ضرورية لتجديد حيويتهم، و دون مراعاة لما كانت تمنحه تلك العطلة لقطاع التعليم كعنصر مميز له، من قوة تنافسية إزاء القطاعات الأخرى ذات الاستقطاب الأقوى ذلك، مع العلم أن ذلك الإجراء الذي كان غرضه الظاهر الرفع من المدى الزمني للسنة الدراسية، لم يحقق المراد منه، حيث أدى استفحال ظاهرة إحجام، لكي لا نقول تمرد، التلاميذ عن الامتثال للمقتضيات الجديدة لتنظيم السنة الدراسية إلى المزيد من انحسار في السنة الراسية بدل امتدادها.
ارتباطا بالواقع غير السوي لحصص عمل المدرسين يجدر الذكير بأنه قد جرى التخلي نهائيا عن الساعات الإضافية الصفية المؤدى عنها التي كانت تسند للأساتذة عند الضرورة كحل لمشكل نقص التأطير، كما تم إلغاء التعويضات التي كانوا يحصلون عليها في شكل ساعات إضافية تحفيزية كانت تحتسب لهم كلما تجاوز حجم أقسامهم 39 تلميذا، ذلك مما حرمهم من دخل إضافي كانوا في أمس الحاجة إليه.

2 ـ تدبير العملية التعليمية التعلّمية. ما يجب تسجيله بخصوص هذه العملية أنها عرفت محاولات تروم تجويدها إلا أن هذه المحاولات على جديتها لم تفلح في الغالب في تحقيق ما كان منتظرا منها، لكونها في الغالب كان يغلب عليها طابع الاجتهاد و لم تكن تندرج في إطار استراتيجية تربوية مدروسة ؛ لأجل الاستدلال على ذلك سنتناول في ما يلي عنصرين لهما في نظرنا دور وازن في ما آل اليه وضع منظومتنا على مستوى الأداء وهما : تجربة الكتاب المدرسي كدعامة معتمدة في العملية التعليمية التعلّمية و التقويم و الامتحانات كمكون من مكوناتها.

2/1ــ تجربة الكتاب المدرسي: لا غرو بأن هذه التجربة قد وفرت لتعليمنا كتبا مدرسية تتسم بقدر كبير من الإتقان من حيث الشكل و الاستيفاء من حيث المضمون ، لكنها في غياب رؤية لاستثمارها بشكل أمثل فقد تحولت لدى بعض الأساتذة و المعلمين و لدى تلاميذهم إلى ما يشبه «وجبات جاهزة» يكتفون بها عن البحث و الاجتهاد، و لا شك أن مثل هذا النوع من الاكتفاء و الاتكال لا بد أن يؤدي إلى بث و إشاعة الكسل المعرفي لدى المعنيين به، و لم لا إلى ما نشتكي منه من أزمة القراءة المتفشية و من إحجام عن الاطلاع، و لا نعتقد أن المبادرة الإيجابية التي قامت بها الوزارة الوصية بعد سنين من انطلاق تجربة الكتاب المدرسي بإرفاق هذا الكتاب بدليل للمدرس قد غير من واقع الأمر شيئا.
2/2 ــ التقييم و الامتحانات: هذا العنصر اكتسى مع مرور الوقت، حجما طاغيا جعله يكتسي طابع الغاية الأساس من العملية التعليمية التعلّمية، و ليس مجرد و سيلة لقياس مدى تحقق الغاية الحقيقية لهذه العملية و المتمثلة في التحصيل المعرفي و المهاري و ذلك، ابتداء من المراقبة المستمرة التي تحولت إلى نظام قائم بذاته لامتحانات مصغرة أدى بحضوره المتواتر إلى الرفع من منسوب الاهتمام و الانشغال بهذا المكون ؛ و مرورا بامتحانات الانتقال التي انتهى بها الأمر لأن تصبح بمثابة إجراء لتكريس رداءة المستوى التعليمي بسبب اعتماد عتبة للنجاح يتم ضبطها وفق معيار المقعد المدرسي وحده دون مراعاة لمعيار المستوى الدراسي المطلوب ذلك مما يؤدي عمليا إلى قتل أي دافعية لدى التلاميذ والأساتذة لأجل المزيد من التحصيل و المزيد من العطاء؛ ثم وصولا أخيرا إلى امتحان الباكالوريا الذي يصل إليه التلميذ و هم مثقل بكل التراكمات السلبية الناتجة عن مراحل التقويم السابقة، أخطرها ما يتولد لديه من فقدان للثقة في كسب رهان النجاح في الامتحان اعتمادا على حصيلته الدراسية وحدها، و يولده لديه بالتالي من جنوح نحو التماس ذلك عن طريق ممارسة الغش، تلك الممارسة التي اكتسبت لدى المتعلم، بفعل الشيوع، سمة الوسيلة المشروعة لانتزاع ما يعتبره حقا من حقوقه بأي وسيلة كانت و لو بالعنف ، و بالطبع فإن ذلك من أهم أسباب تفشي هذه الظاهرة في الوسط المدرسي.
مما تقدم يبدو بوضوح أن الحاجة أضحت ماسة إلى إعادة النظر في نظام التقويم و الامتحانات بغإية تحقيق التوازن و التكامل الخلاق بين مكونات العملية التعليمية التعلّمية، و ذلك بإعطاء هذا المكون حجمه الطبيعي داخلها كمجرد وسيلة عادية للقياس مندمجة في سيرورة التعليم و التعلّم ؛ و بدون شك فإن تحقيق هذا التوازن سيتطلب قبل كل شيء التخلي عن الهاجس المتحكم وحده في وضع أسس هذا النظام، و المتمثل في الحرص المفرط على ضمان مصداقية مجرياته، و ربما أيضا للبرهنة على هذه المصداقية إزاء سلطات التقييم الخارجية !… عبر التكثيف المفرط للإجراءات الضابطة و الوقائية بكلفتها المادية و الزمنية الباهظة، كما تعكس ذلك بوضوح طبيعة الإصلاحات المتعددة التي خضع لها امتحان البكالوريا.

التأطير النظري للفعل التربوي:
في موازاة ذلك عرفت منظومتنا» حقبا«  بيداغوجية انشغل فيها الفاعلون التربويون أو شُغلوا ( بنوايا صادقة بلا شك) بسلسلة من المفاهيم المفعمة بآمال و نوايا الإصلاح و التجديد التربوي: ؛ حقب انشغل فيها الفاعلون بالأداء  »الافتراضي «، عن الأداء الفعلي و المطلوب، و ذلك بالإضافة إلى انخراطهم في مسلسل من الندوات و الأنشطة حول أنماط من التربية المرتبطة بالرهانات السياسية الرائجة أكثر منها بالرهان التربوي ـ التربوي ، و لأن هذه الانشغالات، و خاصة الأخيرة منها، تكون في الغالب بتمويل خارجي و يتلقى عنها المشاركون تعويضات، فإنها فضلا عن كونها تولد انطباعا خادعا بوجود حركية دائبة لا نجد لها مردودا مطابقا على أرض الواقع ، فقد ساعدت على نشر ما سماه أحد وزراء القطاع ب «ثقافة» التعويضات، بسبب ما كان يتلوها من نقاشات و مواقف لا يسود فيها إلا ما له علاقة بنوعية التغذية و بقيمة التعويضات، و بالطبع فغن مثل هذه «الثقافة» لا تخفى آثارها السلبية على تمثلات الفاعلين لواجبهم المهني.
في ما تقدم لم نشغل أنفسنا بالبحث عما تحقق و ما لم يتحقق من أهداف الميثاق الوطني للتربية و التكوين و المخطط الاستعجالي ـ أو الاستدراكي بالأحرى ـ اللاحق به؛ فالوثيقتان الصادرتان عن المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي ( التقرير التحليلي و الرؤية الاستراتيجية) تغنينا عن ذلك ، بل فضلنا بدلا من ذلك، الانكباب على ما نعتقد أنه يساعدنا على الوصول إلى الإجابة عن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الانشغال العام المتعلق بالأسباب الكامنة وراء لا جدوى الإصلاحات و بالتالي وراء حالة « الاحتضار» الذي يتهدد المدرسة العمومية، مثل هذه الإجابة لا يمكن أن نجدها ـ في نظرنا ـ إلا في ظروف و طريقة اشتغال المنظومة التعليمية و في السياسات التي كانت تدبرها.
من خلال محاولتنا لاستكشاف معالم واقعية دالة على ذلك، يتبدى لنا أن ما عاناه و يعانيه نظامنا التعليمي من عجز في تمثل الجرعات العلاجية للإصلاح، يرجع إلى عاملين رئيسين هما: التآكل الذي تعرض له التوافق الوطني الضروري لتحقيق التعبئة اللازمة لخلق التجاوب و التفاعل التلقائيين مع النهج الإصلاحي لنظامنا التعليمي و ذلك، ارتباطا بالتحولات التي عرفتها السياسة الرسمية بعد سنوات قليلة من حصول المغرب على الاستقلال، و القصور المؤسسي المرتبط بذلك على مستوى تدبير المنظومة.
انطلاقا من ذلك و في سياق استكشاف ما توفره المرحلة الحالية من إمكانيات قابلة للاستثمار لإخراج منظومتنا من المنغلق الذي أوصلتها إليه المراحل السابقة، من الطبيعي أن نبحث عن ذلك من زاوية ذات العاملين المشار إليهما.
إذا كان تآكل عنصر التوافق و القصور المؤسسي قد أوصلا منظومتنا التعليمية إلى ما وصلت إليه ، فإننا نظن أن المرحلة الحالية توفر ظروفا جد ملائمة لتجاوز هذه الوضعية و منها ما ذكرناه عن حضور الإرادة السياسية التي كان يشكل غيابها لدى المسؤولين السبب الرئيس لذلك التآكل، و توفّر دعامتين قويتين قمينتين بمعالجة الوضع و بالتالي إخراج المنظومة التربوية بشكل فعلي من المنغلق الذي توجد فيه.
تتمثل أولى هاتين الدعامتين، في الأهمية التي أولاها دستور 2011 للتعليم عبر التنصيص على مقتضياته في عدة فصول، وهو ما لم يكن موجودا في الدساتير السابقة، و ذلك من شأنه أن يجعل عنصر التوافق حول قضايا التعليم يرتقي من مستوى العاطفة و النوايا ، إلى مستوى التكريس الدستوري الملزم للدولة كما لكل القوى الوطنية الفاعلة بمختلف مشاربها.
و تتمثل ثانيهما في الأهمية التي أولاها النص الدستوري للهيئة الاستشارية العليا المرتبطة بتدبيره في صيغتها الجديدة ، و نعني بها « المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي» حيث أفرد لهذا المجلس واحدا من الفصول المخصصة للتعليم(الفصل 168) حددت فيه المهام المسندة إليه ، ذلك مما يعزز السلطة الاستشارية لهذا المجلس بعنصر الإلزام الدستوري.
لا شك أن هذا التطور قد وفر لإصلاح المنظومة التعليمية دعامات قوية لضمان نفاذ مقتضياته لم تكن متوفرة له قبل ذلك، أبرزها تلك الأهمية التنظيمية التي اكتسبها المجلس الأعلى المشار إليه و التي بفضلها أصبح بمثابة قيادة استراتيجية للمنظومة التي نحن بصددها، و بذلك تمت معالجة ما كانت تعاني منه المنظومة التعليمية من نقص مزمن على المستوى المؤسسي، يتمثل في افتقادها لمؤسسة تدبيرية ذات مدى استشرافي، و ارتجاعي أيضا، جديرة بالطبيعة الاستراتيجية لوظيفتها التأهيلية و مطابقة لما تتطلبه خصوصية الامتداد الزمني لهذه الوظيفة ، ذلك النقص الذي كان له في نظرنا دور كبير في التيه الذي تعاني منه محاولات إصلاح التعليم من عثرات.
و لكن هل يكفي توفر هذه الدعامة لكي نطمئن على مستقبل الإصلاح؟ ما يمكن قوله بهذا الصدد هو أن الصلاحيات التي أسندت إلى المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي، جعلت منه مؤسسة تمتلك زمام أمورها و لها كامل السيادة على اجتهاداتها و إنجازاتها بعيدا عن أي إكراه ضاغط إلا ما تستوجبه المتطلبات الفعلية و الملحة لترسيخ أسس المدرسة العمومية ، و أنه فضلا عن ذلك و لأجل ذلك، أصبح ، كما تنص عليه و ثائقه المعرفة به ، « فضاء … للنقاش و التنسيق بشأن مختلف القضايا المتعلقة بهذه المجالات» الأمر الذي سيساهم في الرفع من مستوى النقاش حول هذه القضايا و جعله بمنأى عن المراهنات السياسوية المطبوعة في الغالب بتعارض الثنائيات المعرقلة، كما أن وجود «الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي» ضمن أجهزته ، قد منحه مقوما هيكليا سيحقق له بلا شك تمفصلا كاملا في النظام التربوي و حضورا فعليا في مختلف مستوياته الإشرافية و التقييمية، مركزيا و جهويا و محليا، بدل أن يبقى مجرد بنية فوقية غارقة في التحليلات و القراءات النظرية المناسباتية، شرط أن يكون لذلك الحضور آلياته التتبعية و المواكبة في كل تلك المستويات.
لكن إذا كان ذلك قد وفر للمجلس المشار إليه الشروط الضرورية للتمكن من صياغة استراتيجية وطنية حقيقية لإصلاح التعليم انطلاقا من معطيات وو فق متطلبات داخلية لا بناء على إملاءات أو إيحاءات من سلطات تقييم خارجية، تلك السلطة التي يصار إلى إقرارها بشكل منهجي في السياق العولمي الحالي،، فإن هناك عوائق موروثة كان لها في نظرنا دور كبير في فشل جهود تفعيل بنود الميثاق الوطني للتربية و التكوين كما قد يكون لها نفس الدور السلبي بالنسبة لتفعيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى إن لم يتم العمل على معالجتها، منها بالطبع الاختلالات التي أشرنا إليها على مستوى الأداء، بالإضافة إلى أخرى ترتبط بتوفير الشروط المادية و التنظيمية الضرورية لتفعيل مقتضيات الإصلاح نكتفي بتناول ثلاث منها:
أول هذه العوائق يتمثل في عنصر التمويل ؛ خطورة هذا العائق تتمثل في كون المشاكل المرتبطة به كانت دائما هي المسؤولة عن معظم العثرات التي اعترضت المسيرة التعليمية ، و المتمثلة ليس فقط في العجز عن المسايرة الناجعة لمتطلبات الإصلاح، بل أيضا في ما بنتج عن هذا العجز من أعطاب في الكيان التعليمي بسبب اللجوء إلى الاستجابة الاضطرارية للحد الأدنى من هذه المتطلبات بأدنى ما تستوجبه من مستلزمات مالية و مادية، كما حدث في قضية التعميم الذي تحول في الواقع إلى تعميم لعاهة الاكتظاظ التي تتنافى كليا مع شروط تحقيق الجودة.
ارتباطا بذلك فإن نفس العثرات هي ما يتهدد مشروع الإصلاح الذي بُدىء في تنزيل بعض مقتضياته (التدابير ذات الأولوية) ، في حالة ما إذا لم تتم معالجة المشكل بالنجاعة المطلوبة، مما يستدعي دعم المنظومة بنظام تمويلي من النوع الذي سيوفر لها موارد ذات طبيعة متنامية تضاهي وتيرةُ نموها وتيرة نمو حاجيات المنظومة التربوية، أي موارد ذاتية خارج ما توفره الميزانية.
من الإيجابيات التي جاءت بها وثيقة الميثاق الوطني للتربية والتكوين بهذا الصدد و جاءت بها بشكل أوضح وثيقة الرؤية الاستراتيجية، هو أنهما نصتا على ما يتناسب مع ذلك عبر اعتماد مبدأ التضامن كوسيلة ناجعة لدعم النظام التمويلي الحالي للمنظومة التربوية، لولا أنهما مع ذلك أغفلتا إحاطة هذه الوسيلة بالشرط اللازم لتحقيق التجاوب معها و التقبل الطوعي و التلقائي لها و المتمثل في عدم منحها طابع الإلزام الضريبي، شرط نعتقد أن غيابه كان هو السبب في جعل مقترحات الميثاق الوطني في هذا الباب حبرا على ورق، و قد لا يكون مصير مقترحات الرؤية الاستراتيجية أفضل من ذلك.
لذلك فإننا نعتقد أن ما يلزمنا لخلق مثل ذلك النظام هو الاستفادة من قيمنا العريقة في الإحسان و التكافل التي بدأنا نتصالح معها في السنين الأخيرة، باعتمادها في معالجة بعض شؤوننا العامة و التي برهنت على نجاعتها القوية عبر ما تحققه مؤسسات و صناديق التضامن ، و منها صندوق محمد الخامس للتضامن كنموذج رائد ، دون أن ننسى تلك المؤسسة الأصيلة التي كانت تقوم عبر تاريخنا العريق باستثمار الحس الإحساني العام المترسخ في مجتمعنا في توفير مستلزمات تأطير و تدبير مختلف القطاعات الاجتماعية و من ضمنها خاصة التعليم و الصحة، إلى جانب المرافق الدينية التي كانت تؤدي هي ذاتها أدوارا تعليمية، و نعني بها مؤسسة الوقف ، هذه المؤسسة التي مكنت إحدى وزاراتنا(وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ) من أن تحقق اكتفاءها المالي و يزيد، حتى أصبح يقال عنها أنها أغنى وزارة، خصوصا مع اعتمادها نظاما للتمويل الذاتي جدير بالاقتداء، يقوم على خلق أملاك ذات العائد ملحقة بمرافقها أو بمعزل عنها.
ـ ثاني هذه العوائق يتعلق بالوضع «غير اللائق « (بالمعنى المتداول لدينا في المجال العمراني) للإدارة المدرسية بسبب عدم استكمال بنياتها التنظيمية والقانونية؛ هذه الأداة التي يفترض أنها تشكل القيادة الميدانية الموكول إليها الإشراف العملي على تنفيذ الفعل التربوي و على خلق الشروط الضرورية لتحققه بالشكل المطلوب، و هي بالتالي أداة الإنجاز الرئيسية التي يتوقف عليها التفعيل الناجز لأي إصلاح؛ هذه الأداة و بهذه الأهمية، يتوجب ، اعتبارها مكونا أساسيا و قاعديا في منظومة التدبير اللاممركز إلى جانب الأكاديمية و المديرية الإقليمية (النيابة ) لا يمكن إغفال دورها في نظام الحكامة التي يعتبر الميثاق أنها تمثل «جانبا أساسيا من جوانب تجديد نظام التربية والتكوين» ، حكامة «مدعومة بأجهزة و هياكل قادرة على إرساء الدينامية المرغوبة في إطار اللاتمركز واللامركزية والا ستقلالية المؤسساتية » كما تراها الرؤية الاستراتيجية.
لإبراز معالم الوضع المشار إليه يكفي أن نشير إلى أن إدارة المؤسسات المدرسية لا يُوفّر لها التأطير البشري اللازم ففي مؤسسات التعليم الابتدائي تقتصر فيها تركيبة هذه الإدارة على شخص المدير وحده، و في أحسن الأحوال قد يعيّن إلى جانبه كاتب أو كاتبة، و أن هيئة الإدارة في المستويين الابتدائي و الثانوي (الإعدادي و التأهيلي) لم تمكّن بعد من هوية مهنية مكرّسة بإطار قانوني ، بخلاف ما عليه حال الفئات المهنية الأخرى، فالمدير و الناظر و الحارس العام يمارسون مهامهم كمجرد مكلفين بمهمة ( = مسخّرين)؛ و طبعا فإن مثل هذه الحالة لا تمنح لأي منهم وضعا اعتباريا لائقا و لا تمنح للمدير بحكم مسؤوليته، شخصية قانونية تمكنه من تحقيق استقلالية المؤسسة التي يديرها وفق ما تستهدفه مبادرات الإصلاح التعليمي ذاته، شخصيةٌ تُجرّؤه على المبادرة و تحفزه على الابتكار كما توفر له القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب و بكل ثقة و اطمئنان . ذلك مع العلم بأن هذا الوضع الملتبس جعل الكثير ممن يطلبون مناصب في الإدارة المدرسية يفعلون ذلك في كثير من الأحيان، نشدانا لما يتصورونه عبئا أخف من الممارسة الصفية، و بالتالي فإنهم يقْدمون على ذلك بدون أي حافز تربوي و بدون إدراك واع لخصوصية و جسامة المهام و المسؤوليات المرتبطة بهذه المناصب، مع ما يكون لذلك من عواقب على طبيعة أدائهم.

ـ ثالث هذه العوائق هي طبيعة العلاقة غير المتوازنة القائمة بين التعليمين العمومي و الخاص، تلك العلاقة التي لا تعكس تصور الرؤية الاستراتيجية التي تعتبرهذا القطاع « شريكا للتعليم العمومي في التعميم الشامل و المنصف للتعليم مع التأكيد على ضرورة التزامه بمبادئ المرفق العمومي » و ذلك مما يقتضي في نظرنا ،العمل على إعادة النظر في حالة التبعية التي لا زالت تربط التعليم الخصوصي بالتعليم العمومي على مستوى التأطير التربوي، و بالطبع فإن ذلك لا بد أن يكون بشكل تدرّجي و وفق أجندة محددة و مُلزِمة ؛ مثل هذا الأجراء تفرضه دواع منها:

1ـ انتفاء السبب الذي كان وراء إقرار هذه التبعية كإجراء تحفيزي استدعته خصوصيات مرحلة التأسيس في مسار هذا القطاع، و هي مرحلة أضحت أكثر من متجاوزة بالنسبة إليه، بعد أن اكتسب (القطاع) من القوة ما جعل علاقته بالتعليم العمومي تفقد سمة الشريك الداعم، لتتحول إلى علاقة المنافس و المزاحم بشكل يضع مستقبل المدرسة العمومية موضع تساؤل.
2 ـ أن هذا النوع من التبعية أدى مع مرور الوقت، بما يرتبط به من ريع يتحصل عليه المدرس من عمله في المؤسسة الخاصة، إلى جعل هذا العمل يكتسب لدى هذا الأخير صفة المهمة ذات الأولية و ذلك، على حساب عمله الرسمي في المؤسسة العمومية التي يرتبط بها مهنيا. مثل هذا الوضع بما ينتج عنه من تسرب لإمكانات الفعالية و الأداء الناجع من الوعاء العمومي إلى الوعاء الخاص هو الذي يشكل «التسرب» الحقيقي الذي يعاني منه نظامنا التعليمي،علما بأنه قد بلغ في بعض الحالات حدا تحولت معه الأقسام الدراسية الرسمية المسندة للمدرس ، إلى مجرد فضاء لاقتناص الزبائن.
3 ـ أن إعادة النظر في هذه التبعية بالشكل الذي أشرنا إليه، سيساهم بلا شك في خلق مناصب شغل إضافية.
و من البديهي أنه لكي يتحقق ذلك بشكل سلس لابد أن يكون في إطار إصلاح متوافق عليه، يراعي حق المدرس بالتعليم الخاص في التمتع بنفس الحقوق المكفولة لنظيرة في التعليم العمومي ، كما يراعي في ذات الوقت مصالح المستثمرين المشروعة في القطاع المعني، علما بأن الرؤية الاستراتيجية تلامس بعض الحلول في هذا الاتجاه(3).

أخيرا، وعودا إلى العبارة المحبِّطة التي صدرنا بها هذه المحاولة نشير إلى أنه رغم ما يقال عن تردي أداء المؤسسة العمومية فإن هناك، مدارس عمومية تحقق نتائج في مستوى لا يقل جودة مما تحققه أفضل المؤسسات الخاصة، ذلك مما يدل على أن الأمر مرتبط بطبيعة إداراتها المدرسية و بالمؤهلات الشخصية لمديريها، و مع أن ذلك يجعل من هذه الظاهرة الإيجابية مجرد حالة استثنائية فإنها تشكل بلا شك دليلا على أن واقعنا التعليمي رغم ما يقال عنه ينطوي على إمكانيات جد مهمة لتفعيل وإنجاح مقتضيات الإصلاح، بشرط أن تُوفر لذلك كل المتطلبات المؤسّسية الضرورية لتحويل ذلك الاستثناء إلى سمة جماعية، و من هذه الشروط ما ذكرناه عن ضرورة استكمال البنية القانونية والتنظيمية للإدارة المدرسية، ذلك مع العلم بأن إحداث مسلك للإدارة التربوية في مراكز تكوين مهن التربية سيشكل بلا ريب رافدا مهما لتحقيق ذلك.