بعد المكاسب التي حققها في التعامل مع الانسان والتاريخ : لماذا اليسار ، هنا والآن؟

ورقة عمل ندوة «في ضرورة اليسار»

استند اليسار المغربي منذ نشأته في منتصف القرن الماضي إلى مرجعية نظرية في التحرر والتقدم، وقد ترجمت خياراتها السياسية في الفكر وفي الممارسة بناء على أنماط تواصلها مع المعطيات، التي كانت تتجه لترسيخ قيم التحرر و التقدم في العالم العربي
وفي إفريقيا، وكذا في تفاعلها مع القوى
الحية في أوروبا وفي العالم.
اختار اليسار المغربي، منذ بداياته، مواجهة الفكر التقليدي المحافظ، محاولا استنبات مقدمات الفكر التاريخي والعقلاني في المجتمع المغربي. وشكلت الطلائع الأولى لحركة اليسار المغربي، الأفق المنفتح على مكاسب المعرفة المعاصرة في ثقافتنا. وضمن هذا الأفق التحرري تطورت صور حضور اليسار في المجتمع المغربي، سواء في الثقافة بمختلف تجلياتها أو في المجال السياسي. وقد قدم اليسار في غمرة بنائه لهذه التصورات، مجموعة من التضحيات الصانعة اليوم لتاريخه النضالي وروحه الداعمة لمختلف اجتهاداته
ومشاريعه في الإصلاح و التغيير.
لا تعتبر المواقف السياسية المنحازة اليوم لقيم التحديث السياسي، المدافعة عن قيم التعددية السياسية والثقافية في المجتمع، مواقف بعيدة عن الأمل في مجتمع أكثر عدالة، ولا ينبغي النظر إليها كخيارات لا علاقة لها بمكاسب فكر اليسار في التعامل مع الإنسان والتاريخ، بل إن العكس هو الصحيح، فمن أهم دروس الأفق اليساري في العمل السياسي، الحرص الذي يوليه لمبدأ المعاينة المستمرة للتحولات الجارية في التاريخ، وذلك من أجل تعقلها وبناء التصورات القادرة على تمثلها والتفكير في كيفيات مواجهتها بأساليب العمل السياسي والتاريخي.
ضمن هذا السياق، ينخرط اليسار المغربي بجميع فصائله وتياراته في المعارك القادمة في مجتمعنا، معارك الحداثة والتحديث السياسي، التي لا تلغي مشروع التفكير في العدالة الاجتماعية ولا تتجاوزه، ولعله في ظروفنا المعاصرة تنضج في نظرنا الشروط والمعطيات التاريخية، للتمكن من إعادة التفكير فيه بطرق وأساليب أخرى مطابقة لأوضاعنا الجديدة، ومطابقة في الآن نفسه، لمكاسب ومستجدات الفكر والتاريخ المعاصرين.
إن الانخراط في هذا التأسيس الجديد لمرجعيات اليسار لا يعتبر عودة إلى الوراء، بل إنه يعد امرأ مطابقا في كثير من جوانبه لمقتضيات الحاضر، وهو لا يغلق في تصورنا أبواب التفكير والعمل
من أجل العدالة وتكافؤ الفرص في مجتمعنا.
يستدعي دعم مشروع الحداثة السياسية، والتحديث الاقتصادي والاجتماعي، والعمل على مزيد من تحديث الذهنيات، نقد الدوغمائيات المتخيلة والواقعية، نقد الفكر الوثوقي بمختلف أشكاله، كما يستدعي توسيع دائرة الثقافة والتعليم باعتبارهما مقدمات إسناد ضرورية مساعدة على مواصلة التفكير في كل المبادئ والقيم النبيلة والسامية التي يتطلع إليها مجتمعنا، فبدون ترسيخ القيم المذكورة، تتضخم الأحلام دون أن تجد لها منافذ فعلية للتصريف التاريخي والتدبير العقلاني.
يمثل اليسار في المشهد السياسي المغربي، تيارا سياسيا يتميز بأدواره الهامة في بنية التعددية الحزبية، المعززة بخيارات وتضحيات مساندة لكثير من إيجابيات التعددية السياسية في بلادنا. وما يبرز نوعية الحضور الذي وسم به مشهدنا الحزبي السياسي طيلة عقود، يتمثل في صور الانفتاح والتواصل مع مختلف مكاسب الإنسانية في العمل والإنتاج والتقدم. صحيح أن واقعه اليوم عرف تراجعا ملحوظا في المعارك الانتخابية، إلا أن التراجع المشار إليه ليس قدرا ولا حتمية تاريخية، إن بعض صوره قابلة للتدارك وخاصة عندما يتوفر الوعي والإرادة بسياقات كل ما حصل، حيث يتم إعداد العدة المناسبة لمنازلة أسباب التراجع ومغالبتها.
إن مصير اليسار المغربي اليوم بيد المغاربة، إنه بيد الطلائع الجديدة المؤمنة بالإنسان والتقدم، الطلائع القادرة على بلورة البرامج والخطط التي تمكنها من استعادة الأدوار التي قامت بها في الماضي وتقوم بها اليوم في الحاضر، لتبرز جدارتها وشرعيتها في مواصلة بناء مقومات مغرب جديد.
نقترح في هذه الورقة جملة من المحاور المساعدة على التفكير في موضوع ضرورة اليسار من بينها:
1 – في تشخيص واقع اليسار المغربي
2 – اليسار المغربي، تحديات جديدة
3 – نحو إعادة بناء مرجعيات اليسار
4 – نحو يسار جديد مواكب لتحولات المغرب المعاصر
5 – نحو قطبية حزبية في ضرورة اليسار.

في هذا الحوار الذي أجرته جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، مع كمال عبد اللطيف الكاتب والباحث المغربي، وأستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط، المحاضر في العديد من الجامعات ومؤسسات البحث داخل المغرب وخارجه، والخبير في بعض الجامعات ومؤسسات البحث العلمي العربية والدولية، يجيب عن الأسئلة الحارقة المتعلقة باليسار، مفهومه بشكل عام، ماهية اليسار المغربي، ما معنى أن يكون الإنسان يساريا اليوم؟، وهل هناك ضرورة اليوم لليسار؟، تعمدنا طرح الاسئلة بشكل مقتضب، لأن ننعرف جيدا على أن في جعبة ذ كمال عبد اللطيف الزخم الوفير في هذا الموضوع وكيف لا، وهو صاحب مجموعة من المؤلفات في الفكر السياسي العربي، منها على سبيل المثال لا الحصر، «مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات» و»الإصلاح السياسي في المغرب، التحديث الممكن، التحديث الصعب» و»أسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات» و»صورة المرأة في الفكر العربي، نحو توسيع قيم التحرر».، كما قد طرحنا سؤالا خامسا على محاورنا يتعلق بالحلم الأبدي «لشعب اليسار» المتمثل في الوحدة، لكنه اعتذر عن الإجابة بما أنه قد كتب مقالة خاصة بهذا الموضوع، سننشرها ضمن الملف الاسبوعي بالجريدة عن اليسار.

* السؤال الأول: هل يُمكن أن تُعَرِّف مفهوم اليسار؟
* يُحيل مفهوم اليسار في مختلف صُوَّر تداوله في المشهد السياسي، إلى أفق في الفكر وفي الممارسة، والأفق هنا مَشْرُوعٌ في العمل مفتوح بدوره على أبواب عديدة، إنه أفق مُشْرَعٌ على فتوحات المعرفة والسياسة ومكاسبهما في التاريخ، بل نستطيع أن نقول إن اليسار في ثقافتنا السياسية عبارة عن تيارات يُخْصِب بعضها البعض الآخر، ويتجاوز بعضها البعض الآخر في عمليات من التركيب المتواصل.
تَشَكَّل اليسار في المشهد السياسي المغربي في إطار خيارات سياسية مُحدَّدة، وقد بلور طيلة مساره الطويل طريقة في العمل، تُبرز كيفيات تعامل القِوَى الحية مع أشكال الصراع المتجدِّدة في مجتمعنا ومشهدنا السياسي. إلاَّ أن المُتَابِع لمواقف تيارات اليسار من إشكالات الإصلاح والتحديث في بلادنا، يُدرك جيداً أن المواقف اليسارية المتعدِّدة في الوضع الراهن لتعدُّدية اليسار، تشدُّها كثير من أوجُه التقارُب في الرؤية وفي الفهم، كما تُوَحِّدُها الأهداف التي ترسمها مجتمعةً للحاضر والمستقبل.
نلاحظ أمراً آخر يُقَرِّب التيارات اليسارية بعضها لبعض، يتعلق بالنواظم الفكرية المرجعية ومعجم اللغة السياسية، حيث يمكن أن نُسَجِّل أيضاً أن أغلب التيارات اليسارية المغربية تحاول التخلُّص من تَخَشُّب وتَصَلُّب لغتها، وذلك بحكم أن إيقاع التطوُّر الذي يسود اليوم مجتمعنا بدرجات متفاوتة، لم يعد يَسمح بالحديث بلغة ومفاهيم يُفْتَرَض أن تكون موضوع إعادة نظر، حيث لا يُعْقَل أن تستكين تيارات الثقافة اليسارية إلى منطق ومفردات تنتمي في أغلبها إلى زمن آخر، مُغفلة المتغيرات الجديدة والآثار الناتجة عنها في مجتمعنا المتطوِّر والمتفاعِل مع ما يجري في العالم.

* السؤال الثاني: ماذا عن اليسار المغربي اليوم؟
* قبل الحديث عن اليسار المغربي اليوم لابد من الإشارة إلى أن واقع العمل الحزبي في المغرب يُعَدُّ مُحَصِّلَةً لتجربة طويلة في مجال الصراع السياسي، وأن كثيراً من عيوبه ولَّدَتْها تدخُّلات السلطة في تركيب الخرائط المنسجمة مع آلياتها في العمل المساعد على المزيد من الهيمنة، وخاصة في سنوات القهر والتسلُّط، وأن الأحزاب الوطنية والتقدمية الكبرى، ظلت تعاني طيلة تاريخ نضالها المستميت من الاختراقات المنهكة، كما أن مناضليها تعرضوا لأصناف من المهانة والهوان في السجون والمنافي.. لا يعني هذا أننا نُبَرِّئ الفاعلين في المجال الحزبي اليساري من عيوب موضوعية في آلة العمل الحزبي وآلياته، قدر ما نريد الاحتراز من نقد لا يراعي مختلف الشروط التي ساهمت في تراجع العمل الحزبي، والشروط التي ساهمت في عدم تطوير الديمقراطية الداخلية داخل هياكل الأحزاب ومؤسساتها المختلفة.
ننظر إلى اليسار السياسي المغربي ومساراته المعقَّدة، باعتباره أفقاً منغرساً في تلافيف المجتمع المغربي. وتكشف مختلف تجلياته في تاريخنا المعاصر طيلة ستة عقود، ما يوضح عمق الأواصر التي نسج في محيط التربة المغربية، إن بياناته، مؤتمراته، ومذكرات رجالاته، ومختلف التضحيات التي رافقت وجوده واستواءه فاعلاً وشاهداً على تاريخ متواصل من النضال والفعل المسؤولين، ودون إغفال مآزقه وأزماته، حيث يشهد كل ما سبق ذكره أن اليسار بَنَى أولاً وقبل كل شيء أفقاً في الفكر والسياسة، وقد تميَّزا معاً بروحهما التاريخية الساعية إلى التعلُّم من فتوحات ومكاسب عصرنا، في مختلف مجالات الحياة.
نعتبر أن أسئلة الانتظارات السياسية والثقافية في مجتمعنا، تدعونا أكثر من يوم مَضَى، إلى البحث في كيفية تجاوُز مظاهر الخَلَل الحاصل في الجبهة اليسارية في مشهدنا الحزبي، حيث نفترض أنه لا يُمكن أن يستعيد اليسار قُوَّتَه في مشهدنا السياسي دون تشخيص جَيِّد ودقيق لأعطابه، ودون سَعْيٍ لإعادة بناء مرجعية الخيارات المناسبة لأسئلة الحاضر وتحدِّياته الكبرى.
عندما نُشَخِّصُ مظاهر حضور اليسار في مشهدنا السياسي، نجد أن عناصر الوحدة والتنوُّع القائم بينها، تَتمثَّل أولاً في كونها تُواجه مجتمعة معركة ذات ملامح واضحة ومحدَّدة، إنها تُواجِه الفكر المحافِظ المُهَيْمِن على الأذهان، كما تُواجه مظاهر عديدة من تسلُّطية النظام السياسي في بلادنا، وذلك رغم المكاسب والضمانات العديدة الحاصلة منذ نهاية القرن الماضي، حيث ساهمت كثير من الجهود والإجراءات السياسية في حصول انفراجات هامة في المجال العام وفي مجال الحريات على وجه الخصوص.
تبرز أعطاب اليسار في التشرذم الذي لا مبرر سياسي له، أما الأعطاب البنيوية الأساس، فتتمثَّل في التقصير الكبير في موضوع بلورة التصوُّرات والمفاهيم المرتبطة بنوعية التحوُّلات الجارية في المجتمع المغربي، حيث تُواصل كثير من القِوَى اليسارية تحليل صوَّر الصراع المتجدد في مجتمعنا بمصطلحات ومعطيات لا تحيط بالظواهر في تحوُّلها المتواصل، كما تُواصل ذهولها في موضوع القيام بمقتضيات التعبئة المطلوبة بالآليات المكافئة للتحوُّلات الحاصلة في المجتمع وفي التاريخ.

 *السؤال الثالث: ما معنى أن تكون يسارياً اليوم؟
* يُمثِّل اليسار في المشهد السياسي المغربي تياراً سياسياً يتميَّز بأدواره الهامة في بنية التعدُّدية الحزبية، المعزَّزة بخيارات وتضحيات مساندة لكثير من إيجابيات التعدُّدية السياسية في بلادنا. وما يبرز نوعية الحضور الذي وَسَمَ به مشهدنا الحزبي السياسي طيلة عقود، يتمثَّل في صوَّر الانفتاح والتواصل مع مختلف مكاسب الإنسانية في العمل والإنتاج والتقدُّم. صحيح أن واقعه اليوم عرف تراجعاً ملحوظاً في المعارك الانتخابية، إلا أن التراجع المشار ليس قدراً ولا حتمية تاريخية، إن بعض صُوَّرِهِ قابلة للتدارك وخاصة عندما يتوفر الوعي والإرادة بسياقات كل ما حصل، حيث يتم إعداد العُدَّة المناسبة لمنازلة أسباب التراجع ومغالبتها.
إن صلابة التحديات التي يواجه اليسار في محيط العمل الحزبي في مشهدنا السياسي، تعادلُها صلابة أخرى ترتَّبت عن تجربة اليسار نفسه في العمل السياسي، نحن نشير هنا إلى تركة الخلل التنظيمي التي تحملها كثير من أجنحته وتياراته، كما نشير إلى عدم قدرة كثير من مُكَوِّنَاتِه على تجاوز إرثها التقليدي في كيفيَّات التعامُل مع تحوُّلات المجتمع والقيم في مجتمعنا، إضافة إلى كل ذلك، يُواجِه اليسار جملة من الأحكام المُسْبَقَة عن تياراته وعن معاركه ولغته، دون أن يُكَلِّف نفسه عناء الالتفات إلى صراعات الراهن، وهي صراعات تحمل في بعض أبعادها جوانب مُحَدَّدة من تَرِكَة عقود من أخطاء اليسار التاريخية في التصوُّر والممارسة.
لنتوقَّف على سبيل المثال أمام أسئلة تحديث الذهنيات، أسئلة تحديث الدولة والمجتمع. ففي هذه الموضوعات بالذات يمكن لليسار المغربي أن يُبادِر ببناء التصوُّرات والأفكار، ويُعَمِّم الأوراش والملتقيات، التي تفكر في كيفيات التحديث المكافئ والمُطابِق للتحديات التي يواجهها مجتمعنا اليوم، حيث ينتعش الفكر المحافظ بصورة غير مسبوقة في حاضرنا. لم نُدْرِك بصورة تاريخية أن سؤال العدالة والاشتراكية تستوعبه تاريخياً أسئلة التحديث والمواطنة وحقوق الإنسان. كان الأستاذ عبد الله العروي قد نَبَّه منذ ما يزيد عن أربعة عقود، إلى أن الأوضاع في المغرب تشبه أوضاع روسيا وإسبانيا وإيطاليا والبلقان، في أزمنة تَعَرُّف هذه الأخيرة على مقدِّمات الفكر الماركسي، الأمر الذي جعله يُقِرُّ بضرورة إيلاء جهد وعمل متواصل من أجل تحديث مجتمعنا، تحديث قِيَّمِه في المدرسة والجامعة والمصنع والمقاولة، وتحديث تنظيماته السياسية والنقابية، ومختلف مؤسسات العمل المدني.

*السؤال الرابع: هل هناك حاجة اليوم لليسار؟
* يتمثَّل الخطأ الأكبر الذي تقع فيه بعض المقاربات التي تفكر اليوم في مآلات اليسار المغربي، في محاكمتها للراهن بعيون الماضي، متناسية أن شروط العمل الحزبي اليوم، تحكمها متغيِّرات جديدة نفترض أنها شملت وتشمل نظام وآليات العمل السياسي الحزبي، في عالم ومجتمع لم تعد حدودهما واضحة تماماً، الأمر الذي يتطلَّب نوعاً من التفاعل المفضي إلى بناء خيارات جديدة، وقِيم مكافئة لصوَّر التحوُّل التي يعرفها مجتمعنا، وتنعكس بطريقة أو أخرى على مشهدها السياسي. وهذه المقاربات تساعدنا عند القيام بها على إدراك الحاجة الماسة إلى اليسار وإلى أدواره في تقوية وتعزيز آليات الانفتاح على مكاسب عصرنا.
ويُمكن أن نشير هنا إلى أن ما منح اليسار قوته في تاريخنا، هو نوعية تجذُّره في التربة الاجتماعية المغربية، فقد ساهمت طلائعه الأولى في الانخراط في بناء شعارات ومعارك الحركة الاستقلالية المغربية، الأمر الذي ساهم في ترسيخ حضورها التاريخي في مجتمعنا. نحن نشير هنا إلى الإرهاصات القوية للتقدُّمِيِّين المغاربة، الذي ساهموا في تأطير حركة التحرير المغربية، وأسسوا الأفق التقدُّمي في قلب الحركة الوطنية، أفق أخويات التحرير والتقدُّم.
يرتبط حديثنا عن راهن اليسار المغربي بأسئلة الانتظارات السياسية في واقعنا، والأدوار المرتقبة منه في باب توسيع وتدعيم منطق الفكر التاريخي في ثقافتنا وفي مجتمعنا. فنحن نسلِّم بأن لليسار في التاريخ سمة بارزة تميِّزُه عن باقي تيارات الفكر والسياسة في مجتمعنا، إنه سليل نظرة تعتمد أولاً وقبل كل شيء، مبدأ المُعايَنَة التاريخية للظواهر والأحداث، قصد فرز نوعيات الصراع الدائرة في المجتمع.
يمكن أن نضيف إلى ما سبق أن سؤال التحديث في بلادنا لا يُعَدُّ اليوم مفتاحاً لتيار سياسي بعينه، إنه سؤال يتعلق بطور من أطوار تحوُّل المجتمعات البشرية في التاريخ، ولأن المغرب يُواجِه اليوم محاولات في نشر أفكار قادمة من أزمنة خلت، فستكون مختلف طلائعه وعلى رأسها اليسار بمختلف تشكيلاته أن يُدافِع بِشراسة عن التحديث باعتباره الطريق المناسب لإبداع حداثة ذات صلاتٍ بصيرورة تطوُّر الفكر والمجتمع والسياسة في بلادنا. إنه في هذه الحالة لا يتراجع عن أي خيار من خياراته، ولا يتخلَّى عن أفق العدالة وتكافئ الفرص، بل إنه ينخرط في تهييء الشروط التي تُعَجِّل بالاقتراب من الأفق المذكور. إن اليسار المغربي وهو يُواجِه التيارات المُحافِظة وينخرط في الدفاع عن كونية القيم التاريخية والعقلانية في عالمنا، بجانب تنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني الحقوقية والثقافية، يصنع سمة من سمات تَمَيُّزِه عن اليسار الأوروبي واليسار العالمي. وهنا تُصبح قوته مُتَمَثِّلة في المعطيات والنماذج التاريخية التي سيستحضر ويبني داخل دوائر الصراع الحاصل اليوم في مجتمعنا.
عندما نتحدث اليوم عن أهمية اليسار وضرورته، فإننا نتحدث عن خيار سياسي مشدود إلى طموحات تاريخية كبرى ومتنوعة، طموحات تُعادل وتكافؤ تطلعات مجتمعنا للتغيير والإصلاح، وذلك بعد كل التجارب التي تحققت أو أخفقت في التاريخ. إننا لا نتحدث عن وصفة سحرية، ولعلنا نتحدث بالذات عن طريق مفتوح على ممكنات الإبداع السياسي البشري في التاريخ، ذلك أن أسئلة التاريخ وتجاربه تُعَدُّ في نظرنا الإطار الأنسب لمعاينة طموحات البشر وآمالهم، بل وصراعاتهم المتواصلة، من أجل بناء مجتمعات أكثر عدلاً وأكثر توازناً.

*عن جريدة الا تحاد

نشر بها يوم 27مارس 2016