اوقع الإسلام السياسي بما هو الاستيعاب السياسي للدين “أو تسييس الدين وتديين السياسة” سواء كان ذلك تفعله المؤسسة السياسية الرسمية أو الجماعات والأحزاب الدينية السياسة والدين والثقافة في أزمات عطّلت فرص الإصلاح والتفكير الحرّ والنقدي في مسائل الدين والتراث، وفي التفكير للخطاب الديني القادم نحتاج أن نبحث عن الاستراتيجيات والأسس الفكرية التي بني عليها الخطاب الديني السياسي، ورغم أنها حالة تشمل كثيرا من التطبيقات والممارسات الرسمية والجماعاتية، فقد ارتبط هذا المشروع “الإسلام السياسي” بالإخوان المسلمين، سواء في مشروعهم المستقل أو في تحالفاتهم السياسية مع حكومات عدة، أو في توظيفهم للمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية لأجل بناء وتكريس فهم جديد معاصر للإسلام، وهو خطاب رغم جوانب الحداثة والقوة فيه؛ فقد ألحق ضررا بالغا بالقواعد المنظمة لعمل الدول والمجتمعات ودور الدين وموقعه في حياة وسلوك الدول والمجتمعات والأفراد،.. ويمكن هنا ملاحظة مجموعة من الإشكاليات التي أنشأها الإسلام السياسي،..

*دمج الديني بالإنساني، ودمج المقدس بالتاريخ والتراث

يحمّل “الإسلام السياسي” مشروعه السياسي والتنظيمي والاجتماعي أبعادا دينية، حيث يبدو أنه الدين الصحيح أو التطبيق الصحيح للدين، مثل الحكم الإسلامي والمجتمع الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والإعلام الإسلامي، والتعليم الإسلامي، وأسلوب الحياة الإسلامي، ويظهر القائمون عليه فيما يقدمون من مؤسسات وأفكار عملية بديلة لما هو قائم أنهم يقدمون الإسلام ويطبقونه عمليا ومؤسسيا، وتستقطب مؤسساتهم التي ينشئونها أو يدعمونها من بنوك ومدارس وجامعات ومكتبات وصحف ووسائل إعلام ومسابح وفنادق ومحلات تجارية مختلفة وأقراص الكترونية للنشيد والأفلام والمحاضرات وملابس وأطعمة قطاعا واسعا من المتدينين الذين يتحولون إلى قاعدة اقتصادية اجتماعية وتنظيمية، وتكون المؤسسات نفسها موردا ماليا للإنفاق والتشغيل وتتشكل علاقات اقتصادية ومصالح معقدة ومتشابكة.

ويتوسعون في تطبيق أساليبهم وأدواتهم في العمل بالاعتماد على مبادئ وأحكام دينية، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الإسلام، فيقدمون أنفسهم وجماعاتهم ومؤسساتهم، باعتبارها فريضة دينية اقتضتها الضرورات والمبادئ الإسلامية في الدعوة والتبليغ، ويكون أيضا للجماعة وقيادتها ولاية دينية وشرعية في التأثير والقرار والاستخدام في الانتخابات النيابية والعامة أو في التأييد بشكل عام، يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال إلى كتب مثل الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية/ صادق أمين، والطريق إلى جماعة المسلمين،تأليف حسين بن علي جابر، وجند الله ثقافة وأخلاقا، والمدخل إلى جماعة الإخوان المسلمين تأليف سعيد حوى، إضافة بالطبع إلى مئات الكتب ورسائل الماجستير والدكتوراه، والتي تحاول تقديم تصورات معاصرة أو مناهج دراسية في الأنظمة السياسية والاقتصادية على أسس إسلامية.

ويقدم دعاة الإسلام السياسي من الجماعات والمؤسسات الدينية أنفسهم دائما مدافعين عن التراث الديني، باعتباره هو الدين وعن التاريخ كله، باعتباره مقدسا لا يجوز نقده او المساس به وفي هذه المصداقية التي يكتسبونها بالدفاع عن التراث والتاريخ ينشئون أيضا تحالفات اجتماعية ورسمية وهيمنة على الرأي العام وإرهابا لغيرهم، إذ يمكن بسهولة اتهام أي خصم أو منافس بالإساءة إلى الدين أو الرموز الدينية أو التاريخية من غير دليل كاف ليتحول إلى عدو للإسلام، ويتعرض للإقصاء والاتهام.

*الانتقاء والتبسيط

يقدم الخطاب الديني السياسي المعاصر نفسه إلى الجمهور في أمثلة ونماذج رمزية مبسطة من التاريخ الإسلامي، مثل قصص الأنبياء والعلماء والدعاة والخلفاء، وفي تكرار هذه القصص والنماذج وتقديمها بأسلوب عصري مضاف إليه المؤثرات والتعليقات أو في عرضها عرضا مسرحيا أو تصويريا يظهر رواد الخطاب وكأنهم يستأنفون هذه النماذج والحالات المؤثرة والمعروضة عرضا ممتعا ومثاليا، وفي ذلك أمكنهم مواجهة وإضعاف الاتجاهات والمؤسسات العلمية والروحية التي كانت تقدم الدين على نحو تقليدي فيه مشقة وملل في حين أنهم يقدمون الدين بقدر واسع من المتعة والتبسيط والتسلية! ويمكن ملاحظة هذه الاستراتيجية في عدد كبير من الكتب المتداولة، والتي يؤلفها بعضهم او غيرهم، مثل ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، والسيرة النبوية وغزوات الرسول/ محمد أبو فارس، وجوانب مضيئة في تاريخ الأتراك العثمانيين/ زياد أبو غنيمة، وعالم وطاغية (سعيد بن جبير والحجاج) مسرحية ليوسف القرضاوي، وحياة الصحابة، وشهداء الإسلام في عصر النبوة/ النشار، … وكتب أخرى كثيرة مبسطة ومصورة للناشئة والأطفال.

*تطوير المبادرات

حولت الكثير من المبادرات الفكرية والشعارات والرموز الجديدة، مثل الدولة الإسلامية والحاكمية والولاء والبراء والتميز والحل الإسلامي والإعجاز العلمي والأنظمة الإسلامية إلى مؤسسات ودراسات علمية وأطروحات جامعية أو مناهج ومؤسسات تعليمية، فقد استطاع نشطاء ومفكرو “الأسلمة والتدين السياسي” عبر عملهم في الجامعات والتعليم بعامة وفي استقطاب أعداد كبيرة من الجامعيين، والذين قدموا أطروحات جامعية ومشاريع وبرامج لتطوير مبادئ وأفكار دينية أولية إلى دراسات ووجهات نظر وبرامج متماسكة وصلبة في التعليم والاقتصاد والإعلام والفقه والفكر والعقيدة والدعوة، كما قدموا مبادرات مؤسسية لـ “الأسلمة” في المعرفة والعلوم والاقتصاد والتعليم والسلع والأسواق وأسلوب الحياة، وتطورت هذه الدراسات والمبادرات مع الزمن إلى شبكة واسعة يشارك فيها بالإضافة إلى الجماعات والمؤسسات الدينية عدد كبير من أصحاب المصالح الاقتصادية والسياسية.

*”أسلمة” الحكم والسياسة والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية

يتكئ الإسلام السياسي في برامجه ومكتسباته العامة والانتخابية والاجتماعية وفي مخاطبة الجماهير إلى مشروع إسلامي عصري بديل وملائم في الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ويدعم هذا الخطاب تجربة طويلة في الدعوة والعمل المؤسسي المنظم، وفي ذلك صار الإسلام السياسي يمثل شرعية دينية وسياسية، ويظهر كل من يعارضه بأنه يحارب الإسلام، وقد استطاعت الجماعات السياسية الدينية بناء حالة من الثقة بمشروعاتها وشخصياتها ودعاتها تفوق المشاريع والتطبيقات الرسمية، رغم أنها أيضا مستمدة من الشريعة الإسلامية أو مطابقة لها.

*إعادة صياغة الإسلام الشعبي والرسمي

أنشأت الجماعات الدينية السياسية بالمشاركة مع المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية والتجارية فهما وتطبيقا للدين وجرى تكريسه في الكتب والإعلام والمناهج التعليمية في المدارس والجامعات وفي التطبيقات “الدينية” العصرية لمؤسسات وأعمال ومنظومات كثيرة، ويجب القول إن الفهم المعاصر للإسلام كما هو متداول ومطبق في الفضاء العام الشعبي والرسمي هو في واقع الحال الفهم الإخواني السياسي للإسلام، ثم اقتبسته وطورته جماعات وشخصيات ومؤسسات سلفية في نموذج قريب من النموذج الإخواني، واقتبسته وطورته في مسار آخر الجماعات المتطرفة والمسلحة والقتالية مثل التكفير والهجرة والجهاد والقاعدة وداعش.

وتحول خطاب الإسلام السياسي إلى إسلام شعبي يحمله عدد كبير من الأفراد والفئات الاجتماعية، وفي بعض الدول تحول أيضا إلى مظلة اجتماعية وسياسية لفئات سكانية ترى نفسها محرومة أو مهمشة أو لها مطالب سياسية أو اجتماعية خاصة بها وتبحث عن شركاء وحلفاء يحملون مطالبها، ولم يعد الإسلام السياسي برنامجا يخص جماعة محددة أو تدعو إليه مجموعة من أعضاء الجماعات المؤمنين بجماعتهم وبرنامجهم، ولكنه أصبح فكرة اجتماعية وسياسية سائدة ومنتشرة يؤمن به كثير من الناس من غير الإخوان المسلمين، وحتى معارضو الإخوان ومخالفوهم، بل وتنتجه وتطوره مؤسسات رسمية واقتصادية واجتماعية لا علاقة لها بالإخوان المسلمين.

وباعتقادها أنها باقتباس وتقليد أسلوب ونموذج الإخوان المسلمين يمكن أن تكتسب المؤيدين أو الشرعية ساهمت الحكومات والمؤسسات الرسمية والاجتماعية في نشر وتمكين النموذج الإخواني، وصار الإخوان المسلمون يحصدون مكاسب وأرباح صافية مما تنتجه وتقدمه الوزارات والمؤسسات الرسمية والاجتماعية، وهي تحسب نفسها تقدم بديلا للإخوان، ولكن في إغفالها أن الإخوان فكرة ونموذج (soft ware) وليس أشخاصا (hard ware) فقد أعادت في الواقع إنتاج الإخوان وساهمت في خدمتهم وانتشارهم.

*تدمير اتجاهات وأوعية التدين السابقة، مثل الروحي والتصوف، والعلمي (المذاهب الفقهية)

في إنتاج الخطاب الديني المصاحب للدولة الحديثة والجماعات الدينية الحديثة قدم الخطاب الديني السياسي نموذجا عصريا لتطبيق الدين يجمع بين المعرفة العلمية وبين الالتزام الديني، واستعانت حكومات عربية عدة بالإخوان المسلمين والسلفيين السياسيين، لتحديث المناهج الدينية وتخفيف غلو الجماعات السلفية التقليدية أو مواجهة السلطة الدينية والاجتماعية للجماعات الصوفية والمؤسسة الدينية الرسمية في مرحلتها وصيغتها السابقة للدولة الحديثة، واستطاعوا بسبب الإمكانيات الكبيرة التي وضعت بين أيديهم وفي سلسلة من الأعمال والتدريب والابتعاث أن ينشئوا مؤسسات تعليمية وعامة تجمع بين الحداثة والتطبيق أو الانسجام الديني، ورغم أن معظم الحكومات العربية استبعدت الإخوان المسلمين كأفراد من قيادة التعليم والمناهج والمؤسسات الدينية والإعلامية؛ فقد ظلت أفكارهم وأساليبهم في فهم الدين وتطبيقه هي السائدة والمتبعة حتى لو كان ينفذ ذلك بعدهم مخالفون أو حتى أعداء للإخوان المسلمين.

وكانت أكبر التحولات في فهم الدين وتطبيقه بالإضافة إلى المناهج والمؤسسات والأسواق المؤسلمة هي انحسار المذاهب الفقهية والمؤسسات والاتجاهات العلمية التقليدية في تعليم الدين وتطبيقه وفهمه، والجماعات الصوفية والطابع الروحي للالتزام الديني، صحيح أنها مؤسسات جمدت وفسدت في المرحلة السابقة لقيام الدولة الحديثة، ولكن السلطات السياسية بدلا من تطوير وإنعاش هذه المؤسسات قامت بتدميرها وساعدت أعضاء وقادة الجماعات الإسلامية الحديثة لإنشاء حالة دينية سياسية واجتماعية جديدة.

واليوم، فإن الدول والمجتمعات في مواجهتها وأزمتها مع التطرف والعنف والكراهية لن تكون قادرة على المواجهة الفكرية إلا بخطاب ديني جديد … والحال أنه خطاب ديني في مواجهة خطاب آخر، وأما ما تحسبه المؤسسات الرسمية والمجتمعية من مواجهة مع التطرف مما تقوم به، فلا يؤدي في الواقع إلا إلى إحلال جماعات ومؤسسات محل جماعات ومؤسسات أخرى، وذهاب متطرفين ومجيء متطرفين آخرين بلا فرق جوهري في الفكر والممارسة المغذية والمنشئة للعنف والتطرف.

*عن موقع مؤمنون بلاحدود

 نشر بها 30 مارس 2016