من العبارات ما تستدعي مثيلاتها كما يقع في تداعي المعاني والأفكار!

حدث لي ما يشبه هذا عندما اطلعت لأول مرة، منذ سنوات، على مقالة الباحث « الاستراتيجي » الأمريكي هنتنغتون حول ما أسماه « صراع الحضارات ». لقد استدعت هذه العبارة في ذهني بسرعة البرق عبارة « صراع الطبقات »، ثم سرعان ما انساق خيالي مع المقارنة بين أطروحة هذا الرجل الذي أراد -في أواخر القرن العشرين- أن يفسر التاريخ، الماضي منه والآتي، بمقولة « صراع الحضارات »، وبين أطروحة ماركس الذي أراد الشيء نفسه، في أواخر القرن التاسع عشر، ولكن باستعمال مقولة « صراع الطبقات »!

افتتح ماركس « البيان الشيوعي » الذي أصدره هو وصديقه أنجلز عام 1848 بعبارة شهيرة قال فيها: « إن تاريخ جميع المجتمعات التي عرفتها البشرية حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات ». وقد توقع ماركس أن يشتد الصراع بين الطبقتين المستقطبتين للسكان في أوربا على عهده، طبقة الرأسماليين وطبقة العمال، لينتهي إلى انتصار الطبقة الأخيرة (البروليتاريا) وقيام مجمع بدون طبقات…

تذكرت نظرية ماركس، التي فقدت بريقها اليوم، عندما وجدت الأستاذ هنتنغتون HUNTIGTON يقرر في مقالته التي كانت أشبه بـ »بيان النظام العالمي الجديد » أن الصراع الذي عرفته البشرية وستعرفه مستقبلا سيكون عبارة عن « صدام الحضارات ». ومع أن الفرق شاسع جدا بين المجلدات التي عرض فيها ماركس نظريته في التاريخ والمجتمع وبين المقالة المحدودة التي عرض فيها هنتنغتون فكرته -ولم يتغير مضمونها عندما ضخمت لتكون كتابا- فإن هناك ما يغري بالقيام بنوع من المقارنة بين الخطاطة العامة التي تعرض نظرية ماركس -كما وردت في « البيان الشيوعي » مثلا- وبين العناصر الرئيسية في مقالة الباحث الأمريكي. إنها مقارنة لا تخلو من فائدة على الرغم من أنها ستكون سلبية، بمعنى أنها ستقوم، لسوء الحظ، على مقارنة أخطاء بأخطاء.

1- لقد نظر ماركس إلى الواقع البشري نظرة عمودية فاعتبر الطبقات المكونة للهرم الاجتماعي، في كل مجتمع، طبقات « عالمية » : فالبرجوازية في فرنسا هي نفسها في إنجلترا وألمانيا… والعمال طبقة واحدة أينما كانوا (« أيها العمال في جميع أنحاء العالم اتحدوا »). وهكذا جعل ماركس من المصالح الطبقية، الحقيقة الاجتماعية التاريخية الوحيدة. لقد أغفل إغفالا تاما الفروق القومية والإثنية والاختلافات الدينية والخصوصيات الحضارية والثقافية معتبرا جميع هذه الجوانب الأساسية في حياة المجتمعات البشرية مجرد مظاهر في بنية فوقية تحكمها القاعدة المادية للمجتمع -أي المصالح الطبقية- التي إذا تغيرت تغير الهرم الاجتماعي بأكمله… ولا يحتاج المرء اليوم إلى بيان خطأ هذه النظرة الأحادية، التعميمية. فالتطورات التي عرفها العالم طوال القرن العشرين وفي العقود الأخيرة منه خاصة، قد كشفت عن أن القومية والدين والخصوصيات الثقافية هي حقائق إنسانية متجذرة في أعمان حياة البشر، وأنها إن خف مفعولها في وقت من الأوقات، تحت تأثير عوامل معينة، فهي تعود بعد زوال هذه العوامل أو ضعفها، لتحتل مكانها كعناصر أساسية ثابتة في الحقيقة البشرية.

وقد لا يقل عن الخطأ الذي ارتكبه ماركس ذلك الذي يرتكبه من يجعل من هذه العناصر- التي تدخل عادة في مفهوم الهوية بمعناها الاجتماعي الواسع الذي يشمل الانتماء السلالي والدين والثقافة الخ – الحقيقة الوحيدة، فينظر إلى التاريخ والمجتمع من منظور معاكس تماما لمنظور ماركس، ويرى فيما يزعم أنه « صدام الحضارات » ما رآه ماركس من قبل في « صراع الطبقات »، معتمدا النظرة الأحادية القائمة على تعميم عنصر بعينه وإغفال العناصر الأخرى. لقد ظهرت مؤخرا فكرة « نهاية التاريخ »، التي تعني « انتصار » النظام الليبرالي وانتهاء الصراع بين الطبقات والأنظمة الاجتماعية الممثلة لها. وقد قام حول هذه النظرية جدل واسع: إذ كيف يمكن أن يكون التاريخ قد انتهى وحياة البشر ما زالت، كما كانت، بكل تناقضاتها وأسباب الصراع فيها؟ وها هي فكرة « صدام الحضارات » تعيد الحياة للتاريخ، ولكن لا بوصفه صيرورة وتطورا إلى الأمام، كما كانت تؤكد الماركسية، وقبلها فكر عصر الأنوار عموما، بل بوصفه صداما تناحريا يتم على مستوى أفقي، وكأن الحضارات جزر معزولة وسط بحر متلاطم الأمواج بفعل رياح عاصفة لا غاية لها ولا هدف، الشيء الذي يجعل من « الصدام » المزعوم بينها حركة في نفس المكان، حركة صدام واصطدام لا تحمل أي تقدم للبشرية.

2- لقد انطلق ماركس كما هو معروف من تحليل المجتمع الرأسمالي في أوربا على عهده ثم عمم النتائج التي توصل إليها على جميع البلدان والحقب التاريخية، فارضا هكذا النموذج الأوربي للمجتمع الرأسمالي في القرن التاسع عشر، كإطار مرجعي، للماضي والحاضر والمستقبل، منطلقا في ذلك من مركزية أوربية واضحة، جاعلا من مصالح الطبقة العاملة الأوربية -التي قال عنها إنها ستحرر بعد انتصارها العمال الكادحين في جميع أنحاء العالم- الهدف الأسمى للتاريخ. وبالمثل اعتمد هنتنغتون الغرب (أوربا وأمريكا) منطلقا ونموذجا ومرجعية: فـ « صدام الحضارات » هو « صدام » بين حضارة الغرب والحضارات الأخرى، وبالخصوص منها الإسلامية والكونفوشية. فـ « الغرب » يؤخذ هنا كـ « أنا » موحد، بل وحيد، والباقي يؤخذ كـ « آخر » يقبل التعدد في ذاته، ولكنه واحد بالنسبة « للغرب ». ومع أن هنتنغتون يسكت عن « المصالح » في مقدمات تحليله فإنه ينتهي إليها في نتائجه، إذ يدعو الغرب إلى العمل على الحفاظ على مصالحه داخل عالم، بل عوالم « الآخر »… ! ولنا أن نتساءل: هل مصالح « الغرب » مصالح واحدة موحدة فعلا؟ وهل التباين والاختلاف، بين مصالح الدول الغربية أقل خطرا من التباين والاختلاف بين مصالح هذه الدول ودول أخرى إسلامية أو كونفوشية؟ وإذا كان من الممكن تجنب الصدام بين الدول الغربية، بعضها مع بعض، وبينها وبين اليابان، رغم تناقض مصالحهما، فما الذي يمنع من بناء علاقات سلمية بين الغرب ودول العالم جميعا وهي تابعة بالغرب أو مرتبطة به ارتباط تبعية أو مصلحة؟

3- يمكن للمرء أن يذهب في المقارنة إلى أبعد مما تقدم، فيلاحظ أن التشابه قائم أيضا في « الاستثناءات » و »التحالفات » : لقد جعل ماركس من البرجوازية والبروليتاريا قطبين للصراع قطريا وعالميا. أما القوى الأخرى الواقعة بينهما (الفلاحون، الطبقات المتوسطة، المثقفون) فهي قوى حليفة، بالفعل أو بـ »القوة »، إما للبرجوازية وإما للبروليتاريا. ومثل ذلك فعل صاحب فكرة « صدام الحضارات » بالنسبة لقوى حضارية تقع خارج « الغرب » وخارج « آخر »هِ، المتمثل في الشرق الإسلامي والكونفوشي، فاعتبر بعضها قابلة للانضواء تحت لواء الغرب أو تريد هذا الانضواء، مثل اليابان وروسيا، بينما استبعد قوى أخرى، أو همشها، رغم قربها من الغرب حضاريا (على صعيد الدين واللغة والثقافة) مثل أمريكا اللاتينية. وهكذا فالتشابه على صعيد مكونات القاعدة (أو القانون) يستدعي تشابها مماثلا على مستوى الاستثناء (أو الحالات الشاذة). وغني عن البيان القول إنه إذا كانت « القاعدة » لا تستند على أساس معقول فإن الاستثناء سيكون هو الآخر غير معقول، غير مبرر! فما الذي يجعل الصين أقرب إلى العرب والمسلمين من اليابان؟ وما الذي يجعل اليابان أقرب إلى الغرب منها إلى الصين، هل الحضارة والثقافة أم المصالح؟

ومع أن الاختلاف عميق وواسع جدا بين نظرية صراع الطبقات وفكرة صدام الحضارات، سواء على مستوى التحليل أو على مستوى الدوافع والأهداف (جعل ماركس هدفه الإيديولوجي هو تحرير الإنسانية بينما لم يتردد هنتنغتون في حصر هدفه في الدعوة إلى الحفاظ على مصالح الغرب) فإن النموذج الإيبستيمولوجي في كلتا النظرتين -وهذا ما يهمنا هنا بالدرجة الأولى- يبقى هو نفسه. إنه النموذج المهيمن على الفكر الغربي، نموذج « الأنا » التي لا تتعرف على نفسها إلا عبر « آخر »، تختاره أو تشكله وتصنعه بالصورة التي تجعله قابلا لأن يقوم بالوظيفة التي تريدها منه، وظيفة تأكيد « الأنا » لنفسها وبَنْيَنَةِ كيانها.

يمكن للباحث أن يكتشف رسوخ هذا النموذج الإيبستيمولوجي في العقل الأوربي منذ فجر تاريخه : فمنذ اليونان والعقل الأوربي لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، فبارمينيدس مثلا لم يستطع الكلام عن « الوجود » إلا من خلال طرح « اللاوجود » ولا الحديث عن المتناهي إلا من خلال اللامتناهي. وعندما قام تلميذه زينون الإيلي للدفاع عن أطروحات أستاذه بنى حججه على فكرة « أن كل سلب تَعَيُّن ». وسيأتي سبينوزا في العصر الحديث ليؤكد العكس ويقول « إن كل تعيُّن سلب ». ولم يفعل هيجل شيئا آخر سوى أنه جمع بين فكرة زينون وفكرة سبينوزا ليؤسس الديالكتيك عليهما فيقرر: « كل تعين سلب وكل سلب تعين »! وهذا النوع من الترابط بينهما هو الذي يصنع « التركيب » الذي يتحول بدوره إلى أطروحة تستدعي نقيضها، وهكذا دواليك… ومن هنا أهمية النفي عنده وفي التقليد الفلسفي الأوربي عموما: فالإثبات لا يقوم إلا عبر النفي، والأنا لا تتحدد إلا عبر الآخر، وكما قال سارتر: « الآخر ضروري لوجودي « . وفي الجملة فالعقل الأوربي لا يرى العالم إلا من خلال تقابل الأطراف، كتقابل الأنا والآخر، تقابل تضاد وصراع. وهكذا فسواء تعلق الأمر بالمثالية (هيجل) أو بالمادية (ماركس) أو بالوجودية (سارتر) أو بغيرها من مذاهب الفكر الأوربي، فإن الوجود، ميتافيزيقيا كان أو سيكولوجيا أو اجتماعيا، ينظر إليه على أنه صراع بين أضداد. بل إن اللاهوت المسيحي نفسه يحكمه التقابل والصراع بين « الخطيئة » و »الخلاص »، بين الابن والأب الخ. وللموضوع بقية.

*عن مجلة الازمنة