لقد تبين لنا من خلال الجزأين الاول و الثاني ان التجربة الدستورية المغربية لم ترقى الى مصاف التجارب الدستورية  الرائدة نظرا لعدم احترامها للمعايير الديمقراطية المتعارف عليها دوليا ، خصوصا انتخاب الجمعية التأسيسية لوضع الدستور و الجمعية الفرعية التابعة لها اتناء مراجعة الدستور وتعديله ،هذه الهيئة التي تشكل عن طريق الانتخاب العام المباشر من طرف الشعب ، او من خلال انتخاب ممثلي عن الشعب في هذا المجلس.

الأمر الذي يجعل دستور 2011  الناتج عن مخاض ولادة مشوهة امام ضرورة تقييم حصيلته  ، وطرح بدائل تقويمه ، حيث يطرح  بشدة السؤال الملح  التالي :هل فعلا كان لهذه التجربة الدستورية ل2011 دورا في اطفاء شعلة الربيع المغربي و إعادة الاستقرار للمجتمع و الى المؤسسات ام انه مجرد مسكن  مؤقت للوضع المتأزم في انتظار دستور اكثر تقدما و اكثر ديمقراطية ؟ و هو ما سنجيب عنه في هذا محور التالي  :

– تقييم التجربة الدستورية لسنة 2011 بالمغرب و دورها في اعادة النظام و الاستقرار للمجتمع :

لنا في التجربة التونسية خير مثال بعد ثورة الياسامين  حيث ان دستور الجمهورية التونسية 2014 هو دستور صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي التونسي في 26 يناير 2014 والذي تم إنتخابه في 23 أكتوبر 2011 بعد سنتين ونصف من العمل المتواصل ، تم ختمه في 27 يناير.. 2014 .(1)

ثم التجربة المصرية فبعد قيام ثورة 25 يناير وتنحي الرئيس السابق محمد حسني مبارك ، و بناءا على الإعلان الدستوري في مارس 2012، فإن الجمعية التأسيسية هي الهيئة المنوط بها إعداد دستور جديد لجمهورية مصر العربية، وقد نصت التعديلات الدستورية التي تمت في مارس 2011 علي أن يقوم البرلمان المنتخب باختيار أعضاء هذه الجمعية لوضع الدستور الجديد..كما نصت على أن يبدأ العمل على صياغة دستور جديد لمصر، بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأولى في مصر بعد الثورة.و قام حوار وجدل عميق استمر لمدة ستة أشهر حول مشروع دستور مصر الجديد “مشروع دستور مصر 2012″ بعد انتخابات الرئاسة المصرية في 2012، و تباينت ردود فعل الشارع المصري بين مؤيد ومعارض للمسودة النهائية لمشروع الدستور الجديد، الذي أقرته الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، حيث انتقدتها قوى المعارضة ، في حين أيدتها فئات شعبية أخرى. ومن ثم تم استفتاء الشعب المصري في استفتاء عام على مرحلتين يومي 15 و 22 ديسمبر 2012 علي الدستور الجديد لمصر “دستور 2012″ . وفي 25 ديسمبر 2012 حسم الشعب المصري خياراته مع الدستور وتم إقراره بموافقة نحو 64 % واعتراض 36 % من الذين ذهبوا للجان الاقتراع (32.9%)  (2) ثم بعدها أعلن وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي وقتها إنهاء حكم محمد مرسي  و تعطيل العمل بهذا الدستور بعد عملية انقلاب و عودة الحكم الشمولي الدكتاتوري.

ان تعين  الملك للجنة استشارية او مجلس دستوري مع تقييدهما بتوجهات ومبادئ عامة لا يجب ان يخرجوا عنها ،  سيجعل مضمون الدستور لا يرقى الى مستوى طموحات الشعب المغربي  و نضاله..ودلك من خلال تكريس الجمع بين السلطات الثلاثة في يد الملك و هو الامر الذي يضرب في العمق مبدأ الفصل المرن للسلطات ، و يجعل المؤسسة الملكية محط مسائلة امام الفاعلين السياسيين و الحقوقيين و امام عامة الشعب عن نتائج السياسات العمومية ، باعتبار ان له اختصاصات تنفيذية و تشريعية و قضائية .

فالملك حسب دستور 2011  رئيس الدولة و هو المسئول عن تعيين رئيس الحكومة و الوزراء و اعفائهم وكونه رئيس المجلس الوزاري و رئيس السلطة القضائية .. حيث يمارس سلطة تشريعية عن طريق اصدار الظهائر سواء الموقعة بالعطف مع رئيس الحكومة او التي تعتبر ضمن الاختصاص الذاتي للملك  مثلا كحقه في حل مجلسي البرلمان (المادة 51 من الدستور) ، وان يطلب قراءة جديدة لكل مشروع او مقترح قانون ، ومن صلاحيات الملك ايضا  بكونه امير المؤمنين انه هو رئيس المجلس العلمي الأعلى ، و الملك كذلك هو القائد الاعلى للقوات المسلحة الملكية -و ليس  القوات المسلحة الوطنية أي انها خاضعة للسلطة الملكية و ليس الشعبية – و يرأس المجلس الاعلى للأمن ، يعتمد السفراء و يوقع المعاهدات مع بعض الاستثناءات كالمعاهدات التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة  ، و يعين الملك ايضا رئيس المحكمة الدستورية التي تتألف من 12 عضو 6 يعينهم الملك و 3 اعضاء منتخبين من مجلس النواب و 3 منتخبين من مجلس المستشارين ..

ان هذه الاختصاصات الواسعة للمؤسسة الملكية تجعلها امام محك المحاسبة ، و نظرا لكون النظام الملكي بالمغرب        وراثي و ليس انتخابي ، يجعل الملك بعيد عن المسائلة الشعبية الانتخابية ، و هو الامر الاخطر حيث يعرض النظام الملكي امام شكل واحد من المسائلة ألا وهو الثورة عليه من خلال المظاهرات و الاحتجاجات الشعبية و هو ما حصل طيلة التجربة الديمقراطية المغربية منذ 1908 الى 20 فبراير 2011 .. و رغم ان المنحازين يصفون هذه المظاهرات بأنها ذات مطالب اجتماعية و اقتصادية فقط ، فإنهم بدلك يحاولون تغطية الشمس بالغربال و يضحكون على انفسهم و على الملك ايضا .. لأنه من في نظرهم المسئول الاول عن نتائج السياسة العامة في البلاد اليس من يملك جميع الصلاحيات…

فاذا كانت للملك صلاحيات و اسعة في جميع الاتجاهات في دستور 2011 و اكثر منها في الدساتير الممنوحة السابقة فمن هو المسؤول و المخاطب في نظركم من طرف هذه المظاهرات التي كما اشرنا انها كانت حتى قبل الاستقلال الى اليوم ، أليست الملكية هي الثابت و الحكومات هي المتحول ؟ أليست الحكومات المتعاقبة خاضعة للتعيين بما فيها الحكومة الحالية التي يسيرها الاسلاميين برئاسة  السيد عبد الإله بنكران و الدليل هو نسبة التقنوقراط بداخلها وعلى رأسهم و زير الداخلية الحالي …

اننا نعلم ان الملكية بالمغرب هي رمز لوحدة المغاربة ، و ارث تاريخي عظيم ، و لها رمزيتها ودلالاتها في وجدان المغاربة ، و المحافظة على هذا المكتسب واجب و ضرورة لابد منها ،  لدى يجب ان تبقى بعيدة عن المسائلة الشعبية من خلال توسيع صلاحيات رئيس الحكومة المنتخب و جعله يتحمل المسؤولية الكاملة على السياسة العمومية امام المنتخبين…

و ازالة الغموض الحاصل اليوم الذي يؤرق الجميع حيث هناك من يراوغ و يقول بأن هناك حكومة ظل و هناك عفاريت ، تماسيح ، دولة عميقة ، عودة التحكم ، جيوب المقاومة… كلها تعابير مبهمة لم تجرؤ على وضع الاصبع فوق الداء .. ان تحديد المسؤوليات يجعل المنتخب امام المسائلة الشفافة و النزيهة الخارجة عن ارادة المخزن في مواجهة  محاسبة صناديق الاقتراع.

وبعد مرور قرابة خمس سنوات على اعتماد دستور 2011 ، اتضح ان هذه الوثيقة الدستورية تعاني من صعوبة      و قصور على مستوى التنزيل السليم لمضامينها ،  فنجد ان الولاية التشريعية شارفت على النهاية ولكن مجموعة من القوانين التنظيمية التي تعتبر جزء مكمل للدستور لم يتم المصادقة عليها الى حدود الساعة وهو ما يخالف مضمون المادة 86 من الدستور حيث تنص صراحة على وجوب عرض مشاريع القوانين التنظيمية وجوبا على مصادقة البرلمان في اجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الاولى التي تلي صدور  الامر بتنفيذ الدستور .. نظرا لضرورة مروره  اولا من مداولات  المجلس الوزاري الذي يتألف من رئيس الحكومة و الوزراء برأسه الملك ، حيث ينعقد بمبادرة من الملك او بطلب من رئيس الحكومة .. (المادة 48 من الدستور) ..

لأن الدستور فرض  المصادقة على جميع القوانين التنظيمية ، وعددها 24 قانونا تنظيميا”،   منها 19 قانونا تنظيميا، 15 قانونا تنظيميا صادق عليها مجلس النواب ، وأربعة في الطريق إلى المصادقة ، ويتبقى خمسة قوانين تنظيمية أخرى، من أهمها القانون التنظيمي المتعلق باللغة الأمازيغية ، والآخر الخاص بتنظيم الحق في الإضراب ، والقانون التنظيمي المتعلق بمجلس الوصاية ، والقانون التنظيمي المتعلق بلجان تقصي الحقائق ، والقانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون. ..

أما في ما يتعلق بالمؤسسات المحدثة بموجب الدستور ، التي لم يتم عرض مشاريع النصوص القانونية المتعلقة بها على مسطرة المصادقة ، ويتعلق الأمر على الخصوص ، بالمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة ، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي .

الامر الذي يدعو لتساؤل لماذا طيلة خمس سنوات من اعتماد الدستور لم يتم تفويض ولو مرة واحدة للسيد رئيس الحكومة ترأس المجلس الوزاري نيابة عن الملك وفق جدول اعمال محدد  كما هو منصوص عليه في المادة 48 من الدستور  ؟

لقد ساهم دستور 2011 مرحليا في اخماد شرارة الربيع العربي من خلال الاصلاحات الدستورية الجديدة و المتقدمة شيئا ما عن دستور 1996 وما قبله التي مكنت البلاد من الاستقرار السياسي و الاجتماعي و الأمني .. ولكنها و بعد خمس سنوات من اعتماد هذه الوثيقة الدستورية يتبين ان هناك عدة تراجعات في تنزيلها و عودة التقنوقراط للحكومة و خرق قواعد الدستور وعدم تفعيلها وعدم القدرة على الخروج من عباءة الدساتير السابقة .

ان عودة الاحتجاجات السلمية للشارع و قمعها يعتبر خرقا لحرية الاجتماع و التجمهر و التظاهر السلمي المنصوص عليها في الفصل 29 من الدستور..   و تدمر فئات مختلفة من المجتمع من الاوضاع الاجتماعية والمزرية مما يدل على ان هذه الوثيقة الدستورية لم يكن لها الوقع و الاثر الايجابي المتوخى منها لتحقيق غاياتها الاسمى و التي تتلخص في الرفع من جودة الحياة و المواطنة الحقة  و بناء دولة الحق و القانون .

ان فشل تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعودة  اعتقال الصحافة و متابعتهم ، و عزل القضاة سواء لتعبرهم عن حريتهم في الرأي  المنصوص عليه دستوريا او انتقاما منهم على احكامهم ،  و عودة تلفيق التهم بالفساد الاخلاقي و المالي للمعارضين قصد قتلهم سياسيا..مما يدل على ان هذا التعاقد الدستوري كان مجرد مسكن مؤقت الاوضاع التي يعيشها الشعب المغربي.

مما يدعو الى طرح و بإلحاح الاشكالية الاساسية حول ما هي الضمانات و الاجراءات المتبعة و المساطر التي يجب اتباعها والجزاءات المترتبة اثناء مخالفة وخرق وعدم تفعيل النظام و السلطات الثلاث لمقتضيات هذا الدستور، وهل المغرب في حاجة ماسة الى مجرد تعديل ومراجعة  دستورية اخرى ، ام الى تأسيس دستور جديد ، يمكن المغرب من اقلاع و تقدم ديمقراطي حقيقي منسجم مع الاوضاع السياسية العامة الداخلية والتحديات الدولية لهذا العصر ، تجعله في مصاف الدول المتقدمة ديمقراطيا.

وهو ما سنتناوله في الجزء الرابع و الاخير انشاء الله.

*ك

    الخميس 7 أبريل 2016