ظلت إشكالية فصل الدين عن السياسة مدار صراعات إيديولوجية في المغرب منذ سنين بين العلماني الذي ينادي بفصل الدين عن السياسة وبين التيار الإسلامي المعاكس للفصل بين السياسة والدين .
لكن الملاحظ أن الخائضين في هذا الموضوع من وجهة إسلامية، يتكلمون فيه بقصور بالغ في تصور الحقائق حكما على المذاهب المعاصرة والنظم المستوردة فينكرون الديمقراطية جملة وتفصيلا ويعتبرونها كفرا بالإطلاق مع أنها تشتمل على مبادئ وأحكام هي من صميم الشريعة الإسلامية كمبدأ حماية المسؤولية وحق الشعوب في اختيار حكامهم عند المقدرة .
وأخيرا تبوأ هذا التيار سدة الحكم باسم الديمقراطية في أغلب البلدان العربية الإسلامية على إثر الحراك الشعبي الذي يطلق عليه الربيع العربي وتولي الحزب الإسلاموي العدالة والتنمية رئاسة الحكومة المغربية. أما بالنسبة للعلمانيين المعرضين عن الشرع مقيدين للمواثيق الدولية مع الوزن بميزانين والكيل بمكيالين وأنهكت جهودها الصراعات السياسية واستنزفت طاقاتها وقدراتها.
ولكن المشكل يكمن في سلوكنا الفردي وفي كوننا ابتلينا بعصابة من المفسدين الذين اهلكوا الدين واهلكوا الحرث والنسل وخربوا العقيدة والاخلاق والذوق الجميل للحياة وزاد في تعقيد الوضع وتعميقه تنامي استشراء الفساد الاخلاقي والعقدي والاداري والمالي، وبذلك اصبح الخوض في هذا الموضوع في الظرف الراهن شائكا والكلام فيه اقرب الى التأصيل النظري منه الى الواقع العملي لما يعترض طريقه من تحديات فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية. وهو ما ادى الى تفشي الفساد وتولي المسؤوليات من طرف الفاسدين البعيدين عن الاصلاح والنزاهة.
والواقع ان الحقل الديني هو نفسه حقل سياسي وايديولوجي. انه ساحة معارك مخاض بداخله صراعات الحكم والتملك بالغلبة. وان عودة الدولة الى الحقل الديني بقوة ووفق استراتيجية للهيمنة والاحتكار تعود منذ السبعينات لمواجهة المعارضة اليسارية ومحاربتها. اما في الوقت الراهن فإننا ازاء اكثر من تأويل وفهم ومقاربة للنص الديني وللفقه الاسلامي حتى اصبح الدين نفسه مجالا للصراع ليس فقط بين السلطة والاسلاميين بل ايضا بين الاسلاميين في البلد الواحد.
واذا كان الفصل بين الدين والسياسة غير قائم بين الدين الذي يروم تحقيق العدل وبين التوظيف المشين للدين ومصادرة حق الأخر المختلف كما انه لا بد من أن يكون هناك رفض واضح لاحتكار الدين واحتكار التكلم باسمه ورفض ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة.
فالدين للجميع كما في الوطن والسياسة والوطنية للجميع في إطار احترام الحريات الشخصية وعلى رأسها الحق في اختيار الدين او اللادين وهكذا فإن تحقيق الاصلاح السياسي بالانتقال الى الديمقراطية الذي استغرق طويلا في بلادنا رهين في بعض مستوياته بانجاز اصلاحات في مجال الفقه الديني، هذا وكان من الصعب اقناع المسلمين بالفصل بين السياسة والدين حيث اعتبروا ان هدف السياسة في الاسلام هو تحقيق العدل بين الناس وليس خدمة مصالح فئة او طائفة او طبقة معينة مصداقا لقوله تعالى في الاية 25 من سورة الحديد (( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)).
وقال ابن القيم الجوزية في تفسير الاية: ( كان الهدف من بعث الرسل اقامة العدل بين الناس بعد التوحيد) والذي يحقق به العدل فهو الاسلام ولو لم يرد به القرآن ولم تأت به السنة . وبهذا يكون القرآن الكريم قد قارب بين التوحيد والعدل . واذا تحقق التوحيد يظل العدل مطلبا للمسلمين منذ انتهاء الخلافة باعتبار زمنها بعد زمن الرسول (ص)احسن الازمنة التي تحقق فيها العدل بنسبة كبيرة، وهو ما أشار اليه الرسول (ص) بقوله ( ان اخير القرون هي التي كنت عليه انا واصحابي والذين يولونهم).
وفي المقابل توجد نخب لا تقبل هذه المقاربة بين العدل والتوحيد إما لأن لها مقاربة وتقويما مختلفا للتاريخ وتحديدا لتلك الفترة التي يعتبرها المسلمون فترة مرجعية نتيجة إسقاطات ومقارنات بين ما نعيشه اليوم في العالم العربي الاسلامي وبين الواقع الذي عاشته اوربا منذ القرون الوسطى وعصر النهضة وما عرفته من أحداث تاريخية ومآس وحروب دينية وصراعات بين الكنيسة ومعارضيها لعدة قرون انتهت بانكفاء الكنيسة وتسليمها بأن الدين لله والوطن للجميع اي سلمت بعلمانية الدولة وفصل الدين عن السياسة .
وفي هذا الاطار لا بد من الاشارة الى ان لا رهبانية في الاسلام من جهة وان الغرب لم يتقدم إلا بعد التخلص من نظام الكنيسة الذي يعتمدها نظام الحكم لممارسة الظلم والاستبداد، ووصل به الامر الى محاكمة الحمير . أما الوصل والفصل بين الدين والسياسة، فقد ابرزت اشكالية في العالم العربي الاسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بسبب الهجمة الاستعمارية على الوطن العربي الاسلامي وعلى أثرها حاول بعض المصلحين المسلمين من رواد النهضة كالكواكبي ومحمد عبده والافغاني وغيرهم الاجابة حول سبب تأخر المسلمين وتقدم الغربيين وعما اذا كان الدين هو السبب. ومن ثم بدأت الاشكالية الحل والفصل مطروحة من جديد وبحدة بعد الحروب التي خاضتها الشعوب ضد المستعمر الاجنبي وكللت بجلائه وتم الشروع في بناء الدولة القطرية في تحقيق النماء والتقدم والديمقراطية وتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية الاسلامية.
إلا ان الهزائم التي منيت بها امام العدو الصهيوني خصوصا هزيمة 1967 وعلى اثرها تم طرح الاشكالية من جديد والبحث عن الحل، وهنا جاءت الاجابة من الشعوب كما كان الامر في العالم الغربي في السابق حيث اصبح الدين في نظر القوى اليسارية اداة في يد حكام رجعيين يتخذونه خدمة لمصالحهم ليس إلا، في حين يرى الاسلاميون ان الحل يكمن في العودة الى الدين، وبذلك تحولت الخلاصات الى جدال وصراعات مستمرة، إلا ان من المؤكد من هذه الخلاصات انه لم يستفد منها العالم العربي الاسلامي بقدر ما سهلت على خصومها من الغرب الرأسمالي والشيوعي مأمورية بعضها ببعض مستغلين تناقضاتهما والتي عادة ما تكون هامشية.
وكانت النتيجة تموقع دعاة فصل الدين عن السياسة في القضايا الفكرية مستحضرة بالأساس التجربة الفرنسية التي شكلت قطيعة بين الديني والسياسي والحال ان فرنسا وغيرها ظلت في تشجيع الفئات التبشيرية وتنشر المسيحية في الدول التي استعمرت او ستستعمر في افريقيا واسيا وذلك بزعامة الماسونية التي اخترقت هؤلاء واولئك ومهدت لتأسيس دولة اسرائيل في الشرق الاوسط في فلسطين بدلا من اوغاندا في افريقيا وصارت دولة الصهاينة جسما غريبا في الشرق الاوسط حيث تفصل بين الشرق الاسلامي بغربه مما يستحيل معه تحقيق الوحدة وتمكنت الماسونية التي تشكلت من زعماء ال صهيون من اختراق العالم وانظمته بجماعاتها التي تتحكم في الاقتصاد واغلبية دول العالم وتوجه سياساتها وافتعال الفتن والحروب ليسود شعب الله المختار كما اخبر به في الاسرائيليات حسب زعمهم.
اما دعاة فصل الديني بالسياسي فظلوا واستكانوا وتموقعوا في بروجهم المشيدة مصرين على ان الاسلام دين ودولة لا ينفصلان والحصيلة كانت ضياع فرص تاريخية لتحقيق الانتقال الى الديمقراطية وفشلوا في التأسيس لمجتمع الحرية والعدالة والكرامة الانسانية.
اما بالنسبة للمغرب فقد كنا وما زلنا نعود الى ذلك الاستقطاب المشؤوم الديني في مقابل العلماني واصبحنا سجناءه الى الآن .
وكل مرة نواجه تحديا او نتناول موضوعا خلافيا، فكان يسود الانطباع كأننا ازاء مغربيين متناقضين متصارعين، الأمر الذي يهدد امن ووحدة البلاد والعباد ويمس باستقرارها، حدث هذا على سبيل المثال في قصة ادماج المرأة في التنمية ومدونة الاسرة، وها نحن نواجه في الظرف الراهن مسألة المناصفة في الارث. وفي هذا الصدد، فقد سبق لي ان تناولت المسألة في احدى مقالاتي التي تنشرها جريدة الاتحاد الاشتراكي، أشرت من خلالها الى ان المسألة التي يوجد فيها نص قطعي في القرآن لا يقبل الاجتهاد . وان الارث تولى الله سبحانه وتعالى قسمته في الاية 11 الى الاية 15 من سورة النساء وذلك بقوله (( يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين الى قوله ومن يعصى الله ورسوله وتعدى حدود الله فله عذاب مهين )).
اما ما عدا ذلك فيجوز فيه الاجتهاد خاصة في الفروع دون الخروج عن الاصول انطلاقا من قوله تعالى في سورة الانعام ((لا مبدل لكلمات الله)) وقوله ايضا في سورة الحجر (( انا نحن نزلنا الذكر وان له لحافظون )) ويقصد بالذكر القرآن الكريم وهو كلام الله الذي تضمن بوضوح جميع الاحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات ومرجع لحقوق الانسان وحرية المعتقد الخ .
وان الخطاب القرآني موجه للإنسانية جمعاء لا فرق بين المسلم وغير المسلم ولا فرق بين الاسلامي وبين العلماني.
اما فيما يخص الاشكالية المتعلقة بالفصل بين السياسة والدين، فأود التذكير بأن الاتحاد الاشتراكي نظم ندوة خلال صيف 2014 حول الدين والمجتمع، وكانت الاشكالية موضوع مداخلة استاذنا المحترم الدكتور احمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسني، اشار فيها انه من الصعب الفصل بين الدين والسياسة حيث ان الفصل قد يؤدي الى تسييس الدين، اماعند الفصل بينهما فستعم الفوضى المجال الديني والافتاء فيه، ولا يمكن تحقيق كل من الوصل او الفصل الا في مجتمع ديمقراطي يملك وعاء معرفيا في الدين والسياسة الخ .
وانطلاقا مما سبق ذكره، فإن الجدال والصراع الدائر حاليا في المغرب حول إعادة النظر في طريقة توزيع الارث بين الذكور والاناث الذي تنادي به بعض النسوة ويحظى بمساندة من بعض النخب الفكرية والسياسية ومعه جزء قليل من الرأي الشعبي، فقد اصطدمت بمواجهة من التهديد والتنديد والاستنكار الى درجة التكفير، في حين انبرى المعارضون لمطالب النسوة وأطلقوا العنان لاتهام كل من يعارض هذه المطالب ووصفوهم بالجمود والتخلف والرجعية والظلامية واعداء المشروع الديمقراطي الحداثي.
ولا شك ان هذا كله يعتبر في حد ذاته اشكالية الوصل والفصل بين السياسة والدين. وفي نظرنا فإن هذا الصراع جاء في ظرف يجتازفيه المغرب مرحلة تاريخية دقيقة سواء ما يتعلق بقضية الوحدة الترابية وتطوراتها على ضوء تصريحات الامين العام للأمم المتحدة والتي وصف فيها المغرب بأنه بلد محتل لصحرائه المسترجعة كما ان أمن البلاد واستقراره مهدد من طرف التنظيمات والشبكات الارهابية التي يتم الكشف عنها في مختلف المدن اضافة الى الازمة الداخلية التي تعيشها البلاد في ظل الحكومة الحالية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. يأتي هذا الصراع ايضا في خضم الاوضاع التي تعاني منها اغلب البلدان العربية الاسلامية ودول الجوار .
لذلك، فإذا كان اجماع المغاربة على تمسكهم بالوحدة الترابية فإن المصلحة العليا للبلاد تقتضي ان نجعل حدا لمسألة الوصل والفصل بين الدين والسياسة مسألة إجماع المغرب في غنى عنها . ويكون الاتفاق والتسليم بالإجماع اننا في المغرب مجتمع واحد وانه حافظ على التعدد والتنوع عرقيا ولغويا و مرجعيا. وقد آن الأوان ان نستوعب هذا التنوع والتعدد بما يساهم في بناء صرح الديمقراطية ببلادنا وصياغة حداثة مبدعة لا حداثه مقلدة يقوم عليها المشروع المجتمعي للأمة المغربية.
وفي هذا الصدد، يجب اي يفهم الاسلاميون انه ليس بمقدارهم اسكات الاصوات العلمانية باتهامهم بتهديد عقيدة المغاربة او المس بتعاليم الاسلام السمحاء . كما يجب ان يفهم العلمانيون انه ليس بوسعهم اسكات اصوات الاسلاميين ونعتهم بنعوت قدحية . وعلى المعسكرين اذن ان يفهما ان المغرب وطن للجميع وبالتالي ما احوجهم جميعا الى الجلوس عمليا والاتفاق والتوافق بما يدعم لحمة الامة المغربية ويوحدها .
ومن المؤكد ان الاصلاح كل لا يتجزأ وان تحقيق الاصلاح السياسي بالانتقال الى الديمقراطية في بلادنا رهين في بعض مستوياته بانجاز اصلاحات في مجال الفكر والفقه الديني. واصبح من الضروري تأهيلهما لمسايرة الثورة المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها البشرية في القرن الواحد والعشرين.
ويبدو من الصعب على من تعرف على المفردات الاولى للسياسة من القرآن الكريم : المستضعفون – المستكبرون – الشورى – العدل وكذلك من تعرف على الفقه السياسي عند الماوردي والشاطبي والفارابي مثلا اقول من الصعب اقناع هؤلاء بالفصل بين السياسة والدين . وبذلك يبقى الاصلاح السياسي رهينا بإصلاح الحقل الديني والعكس صحيح لا يمكن الفصل بينهما نظرا للربط بينهما في الاصلاح.
اما الذي لا يجب القبول به فهو توظيف الدين في السياسة لتحقيق اهداف سياسية كما لا يجب تسييس الدين واتخاذه اداة لإضفاء الشرعية على النظام الحاكم باسم الدين لحماية مصالحه كما تتخذه جماعات وتعتمده في مرجعيتها لتنفيذ مخططات لأعداء الدين اما عن جهل او عن سوء الفهم ما انزل الله به من سلطان ويجب الاعتراف به في واقع امتنا العربية الاسلامية في الوقت الراهن.
وختاما يجب التذكير بما جاء في الاية 256 من سورة البقرة وذلك بقوله تعالى ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)).

*الجمعة 08 أبريل 2016