يرى عبد السلام العزيز الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الاتحادي أن اليسار حاجة مجتمعية، داعيا شعب اليسار إلى العمل والنضال، كل واحد من الموقع الذي يشتغل فيه، في انتظار توحيد اليسار في حزب له تأثير في المجتمع واتخاذ القرارات لصالح مبادئه ولصالح الطبقات والشرائح التي دافع عنها . ورأى العزيز في حوار أجرته معه جريدة «الاتحاد الاشتراكي» أن هذا اليوم لن يطول أبدا، وعلى كل واحد أن يعمل من جانبه من أجل تحقيق هذا الهدف.
ويتطرق القيادي في حزب المؤتمر الوطني الاتحادي في هذا الحوار أيضا، إلى العديد من النقاط المرتبطة بالديمقراطية وبتنامي القوى المحافظة في المغرب، وإلى الإكراهات التي يعيشها اليسار المغربي، وسبل التغلب عليها، إلى غير ذلك من النقاط التي أثارتها معه جريدة «الاتحاد الاشتراكي».

* تحدثتم خلال ندوة «في ضرورة اليسار»عن الأزمة التي يعيشها هذا الأخير في العالم و التي دفعته إلى التخلي عن عمقه الاجتماعي، و صعود تنظيمات أصولية معادية له،أين تتجسد ،في نظركم ، مظاهر هذه الأزمة ؟
*إذا لاحظنا المجتمعات التي يسيرها اليسار، خصوصا في أوربا، وعلى وجه أدق اليونان، فهناك ،كما تعرف، يسار راديكالي يجد صعوبة في تطبيق برامجه التي لها علاقة باليسار. بالإضافة إلى المد النيولبيرالي القوي، وهناك أيضا المؤسسات المالية الدولية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، واليسار، في الواقع منذ عهد فرانسوا ميتران، لم يستطع تطبيق برامجه، ولم يجد لحد الآن، الطرق والسبل لذلك. مما جعله يفقد قواعده ومناصريه،خاصة، داخل الطبقة العاملة. هذا الإشكال له علاقة بسيطرة الرأسمالية بالخصوص على كل شيء، وهي التي تحدد السياسات.

* ألا ترى معي أن هذه الأزمة وهذه الإشكالية تعود أساسا إلى غياب التنظير في هذا الباب؟
* هذا هو الوجه الثاني للأزمة، إذ ليس هناك مجهود نظري يجيب عن هذه الإشكالية، ورغم ما يسمى بالخط الثالث لطوني بلير الذي تم التسويق له ،لكن في آخر المطاف ذهب في اتجاه السقف الليبرالي، وهناك التجارب الخاصة بأمريكا اللاتينية، التي تبقى تجارب رائدة، ويجب الالتفات إليها، لأن وضعنا يشبه إلى حد ما الأوضاع هناك، لكن يجب أن يكون هناك مجهود نظري وذاتي،
و هذه مهمة الاقتصاديين والمثقفين المرتبطين باليسار، الذين عليهم أن يقوموا بدورهم في هذا الباب.

* لكن في الحالة المغربية ماهي ،في نظركم، الأسباب التي أدت إلى تراجع اليسار؟
* هناك اعتبارات متعددة، وليس اعتبارا واحدا فقط، طبعا ،هناك المد الأصولي في العالم العربي، الذي بدأ منذ الستينات، إذ تم التسويق للوهابية، كما أن الدولة المغربية ودول أخرى شجعت هذا المد ضد اليسار، هذا جانب فقط، وهناك أيضا اعتبارات مرتبطة بذواتنا،إذ أننا لم نتفوق في تدبير أوضاعنا وخلافاتنا، ولا نحاور بعضنا البعض، و هناك أيضا تجربة التناوب التوافقي التي كان لها تأثير على اليسار في المغرب، بالإضافة إلى وضع التشتت الذي نعيشه، وكيفما كان الحال فإننا نعتبر التنظيمات انتقالية، والأساس هو البرنامج الواضح والمرجعية كذلك. مع اعتماد التوافقات بين المناضلين اليساريين لتدبير القضايا المطروحة، ولا يمكن أن يستمر الوضع على ما هو عليه اليوم، وإذا بقي كذلك فالكل سيندثر، والجميع سيكون مآله التهميش.

* في ظل هذه الأوضاع التي يعيشها اليسار، والتراجعات التي يعرفها، هل حصلت القناعة في نظركم من طرف الجميع بهذه المسألة، في الوقت الذي يسجل أن هناك وعيا من طرف القواعد التي تناقش هذا الموضوع فيما بينها. لكن بالمقابل يسجل غياب ذات القناعة لدى القيادات، إلى أي درجة تتفق مع هذا الطرح؟
* بالعكس، القيادات لديها هذه القناعة، ونحن في قيادة حزب المؤتمر الوطني الاتحادي وفي فيدرالية اليسار لدينا هذه القناعة، الإشكال أن هذا النقاش يجب ألا يكون قبيل الانتخابات، النقاش يتطلب الوقت الكافي، والاجتهاد والحراك، وبالتالي يتطلب مسافة زمنية هادئة، لكن مع كامل الأسف لم يحدث هذا، صحيح أن هناك من هو منظم في أحزاب، لكن هناك الكثير ممن يوجدون في واجهات أخرى، ولم يعد لهم أي ارتباط بالأحزاب ،كل ذلك يتطلب مجهودا ووقتا، ويجب أيضا التخلص من الأنانيات.
– إذا كان الوقت غير كاف، وأن النقاش يأتي قبيل إجراء الانتخابات مما يصعب معه فتح نقاش في الموضوع كما جاء على لسانكم، هناك أرضيات أخرى، يمكن أن يتم فيها تجسيد الوحدة بين أبناء اليسار، منها الواجهة النقابية والمجتمع المدني والحقوقي…
– هذا الأمر ممكن ، لكنه مرتبط أيضا بعامل أساسي و هو الثقة في السياسة ، كما يجب أن نتواضح حول كل النقاط التي نتهم فيها بعضنا البعض، فإذا كانت الاستراتيجيات مختلفة وكذلك التصورات ،فإن التنسيق الميداني سيصعب، لقد كانت لنا تجربة في التجمع اليساري الديمقراطي التي لم تعط الأكل المتوخى منها، لوجود استراتيجيات مختلفة، إذ في العمل الميداني كل طرف سيحاول تفعيل استراتيجيته لصالحه، ممكن أن يكون هناك تعدد في التنظيمات، لكن الأساسي أن تكون هناك رؤية واستراتيجية موحدة،لكن الأساسي أنه لدينا رؤية واحدة ماعدا ذلك يُدبر

* هناك الآن، من يسوق لمقولة نهاية الايديولوجيا ،خاصة في المغرب، ألا ترى معي أن المستهدف بالدرجة الأولى من وراء ذلك هو اليسار؟
* الايديولوجيا لن تنتهي أبدا، مازال هناك صراع اجتماعي وصراع طبقي، وصراع توجهات، هذه المقولة تم ترديدها في العالم، غير أنها ليست صائبة، لكن الصراع اليوم تغير، ويتطلب فتح نقاش، وهناك مبادئ أساسية بالنسبة إلينا كيسار تم التراجع عنها، هذا الصراع يجب أن يكون مبنيا على مصالح الشعوب وعلى المصالح الطبقية،لكن للأسف، لم نعد نفصل بين مصالح الطبقة العاملة مثلا والباطرونا، أكيد أن الصراع حاليا ليس هو صراع القرنين 19 و20، لكن يجب أن نؤمن بالصراع السياسي والايديولوجي والطبقي والاقتصادي، وإذا تخلينا عن ذلك فلن تصبح لدينا أي مشروعية،و هناك أيضا صراع من أجل الحداثة والديمقراطية، وهذا يتطلب كما هو معروف، البنية الايديولوجية، فالحكومة الحالية والتيار الغالب فيها ،مثلا، يطبق السياسة النيوليبرالية ويخدم مصالح شرائح معينة، لكنه مغلف بايديولوجية دينية.
فتدبير هذه الحكومة الاقتصادي واضح جدا،و فيه ضرب لكل شيء، التعليم مثلا، كما يصرح بذلك الوزير الداودي… الخ، هذه سياسة وراءها مصالح شرائح معروفة، وعلينا نحن أيضا أن ننطلق من مصالح الشرائح التي نعبرعنها.

* في ظل تراجع اليسار المغربي ،كما جاء على لسانكم، ظهرت قوى أخرى خاصة محافظة ورجعية استغلت هذا الترهل، هل الأمر ذاتي أم موضوعي؟
* بغض النظرعن القراءات الممكنة، والتي هي صحيحة في جزء منها ، نجد أن جزءا كبيرا من المصوتين على اليسار قاطعوا العملية الانتخابية، وجزءا آخر صوت على هذه القوى المحافظة انطلاقا من (الخطاب الأخلاقي) ثم هناك المشكل الذي حدث في المغرب ما بعد سنة 2007، حيث حاولت الدولة إنشاء حزبها (حزب البام) الذي جاء ،كما يدعي، لمحاربة هذا التوجه لكنها أخطأت كثيرا ، فعمليا وموضوعيا، قام هذا الحزب بتغذية هذا التوجه المحافظ بشكل غير مباشر، بمعنى أن الناخب المغربي أصبح يرى أن المحافظين وحدهم قادرون على الوقوف في وجه هذا الحزب الجديد، و قد ظهر الأمر جليا في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، كما أن ما حدث في تكوين مكاتب الجماعات سنة 2009، جعل المغاربة يتعاطفون أيضا مع هذا التوجه، مثل ما حدث للاتحاديين في الستينات والسبعينات الذين كانوا يتعرضون للقمع، لكن المغاربة كانوا يتعاطفون معهم، كما تم استغلال خطاب المظلومية.

* هناك مفارقة غريبة في المغرب، فإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن كل قوى التحرر في العالم هي التي حكمت بلدانها بعد الاستقلال، إلا في المغرب، كما أن التقدميين هم من دافعوا عن الديمقراطية والحرية، ويكفي العودة إلى ملفات هيئة الإنصاف والمصالحة، لنجد أن كل الملفات التي عولجت تتعلق بالتقدميين،لكن بعد أن تم تحقيق هذه الإصلاحات وغيرها، نجد أن قوى أخرى هي التي استفادت من هذا الأمر، و بدأت في تدبير الشأن العام عوض تلك التي ناضلت من أجل ذلك؟
* علينا أن نتوجه إلى ذواتنا ونراجع أخطاءنا،لا ننسى أيضا أن الدولة فاعل في المجال السياسي والحزبي ،على أي حال، هناك اختيارات لكن علينا ألا نحمل المسؤولية للآخر فقط، علينا أن نقر أننا أخطأنا خاصة في 30 سنة الأخيرة، بالإضافة إلى أن خطابنا لا يتماشى والممارسة، كما أننا لم نتعلم بعد الجهر بما يمكن أن نكون قادرين على إنجازه بوضوح ،خاصة، في ظل ثورة الاتصال الحاصلة في الوقت الحالي . فعلينا أن نكون أكثر وضوحا مع المغاربة، مدافعين عن مصالحهم بمعيتهم، وإذا كنا نريد المشاركة في الحكومة علينا إخبار المغاربة بذلك من قبل، ويجب أن تكون البرامج أيضا واضحة وصادقة هذه هي الديمقراطية، علينا أن نكون أوفياء لشعاراتنا

* هل هناك حاجة مجتمعية إلى يسار موحد وقوي الآن؟
* نعم هناك حاجة مجتمعية رغم أن هناك إكراهات ومعيقات، فيها ماهو ذاتي وفيها ماهو موضوعي، في اعتقادي علينا أن نعمل جاهدين على توحيد اليسار.

* لنعد إلى ما يسمى بالربيع العربي، الكل يتذكر أن شعار الإصلاح السياسي والدستوري وغيره، شعار رفعته حركة 20 فبراير، وهو شعار مبادئ لقوى اليسار، لكن بعد أن هدأت العاصفة نجد قوى أخرى لم تشارك ولم ترفع أي شعار هي من تدبر الشأن العام الآن.هل شعب اليسار ساذج إلى هذه الدرجة؟ وأستسمح عن هذا الوصف.
* ليس الأمر متعلقا بالسذاجة أبدا، صحيح أن المطالب والشعارات المرفوعة هي لليسار، لكن التأطير الميداني لم يكن اليسار فيه مؤثرا لاعتبارين اثنين، الأول، ضعف اليسار وأن القوى اليسارية لم تدخل لتأطير ذلك، المسألة الأخرى ترتبط بالدولة التي تأكدت أن القوى الإسلامية هي التي كانت منظمة.
أما في انتخابات سنة 2011 فقد كان الحزب الحالي الذي يقود الحكومة هو من سيحتل المرتبة الأولى طبعا ، حتى أن السلطة اشتغلت لصالحهم في العديد من المناطق رغم أن التقديرات لم تكن تتجاوز 80 مقعدا، لكن هذا الحزب حصل على 107 مقاعد.
و لا يجب أن ننسى أن هذا الحزب يشتغل في الواجهة الإحسانية وهذا إشكال كبير، هذا شيء معروف، خاصة في مجتمع الحاجة والخصاص، مما يفسد العملية الانتخابية، فالعمل الإحساني يفسد العملية الديمقراطية، كما أن الآخرين كذلك يستعملون المال خلال مدة الانتخابات، أما نحن في اليسار فلا يمكن أن نسير في نفس الاتجاه ونقوم بنفس العملية سواء العمل الإحساني أو توزيع الأموال، فالحلول المجتمعية تكون بالتنمية والاقتصاد والأفكار، من أجل تنمية بلادنا للقضاء على الفقر.

* ماهي رسالتك إلى شعب اليسار؟
* نتمنى أن يضطلع كل واحد بدوره في أي واجهة كان فيها، يجب أن نناضل في انتظار أن نتمكن من تأسيس الحزب الذي نطمح إليه جميعا، حزب يجمع كل قوى اليسار، حزب يكون له تأثير في المجتمع و يتخذ القرارات لصالح مبادئنا ،ولصالح شعبنا ولمصلحة الطبقات والشرائح التي ندافع عنها،ولن يطول الوقت قبل أن يأتي هذا اليوم، وعلى كل واحد منا أن يعمل من جانبه من أجل بلوغ هذا الهدف المنشود.