إن قيمة الفكرة الاتحادية و إسقاطات مدلولها السياسي لا يمكن اختزالها في شخص واحد مهما تعددت مؤهلاته و لا في عائلة بعينها مهما احترمنا رمزيتها، فهي في جوهرها فكرة ” أولاد الشعب ” . و بالتالي لا يمكن لأي طرف تنصيب نفسه وصيا على المشروع الاتحادي الوطني و جعله ” أصلا تجاريا ” خاضعا لمضاربات الأسواق و مرتهنا للعبة المال و المناصب. لقد عملت بعض المركبات الانتهازية على الركوب على التاريخ الحافل بنضال القوات الشعبية و تم احتكار المشروعية التاريخية من قبل فلول العائلوقراطية التي وظفتها ضد أولاد الشعب كآلية من آليات كبح قيم التحرر و الوضوح القيمي ، محاولة بذلك خنق مطالب الجيل الجديد الداعية إلى خلق ثورة ثقافية مناهضة للتسلط و الطغيان و تحطيم أصنام التقليد التي تنحتها فلول العائلوقراطية . و رغم مسلسل الإقصاء الممنهج ( منع مرشح أولاد الشعب الرفيق عبد المجيد مومر الرئيس المؤسس للتيار من الترشح للكتابة الأولى خلال المؤتمر التاسع على سبيل الذكر لا الحصر ) ، إلا أننا داخل التيار ناضلنا بصمود من أجل زعزعة أركان العقول المتحجرة و رفض التوافقات الفوقية الداعمة للاستبداد الحزبي و حروبه الابتزازية الخاسرة. هذا و قد عمل التيار كذلك على الانخراط الطوعي و الفعال في مرحلة التغيير الذاتي المؤسس على منهاج التجدد الفكري الحداثي، الذي يروم تحقيق الوثبة السياسية بغية الخروج من حالة الاحتباس التنظيمي و الوصول لمرحلة الانعتاق المعرفي و توفير بنية حزبية ترحب بالاختلاف الذي لا يصل إلى خلاف يؤدي إلى الانقسام و التشتت. غير أن المركبات المصلحاتية التي استفادت من ريع العشرية الحكومية لم تستطع إدراك أهداف التيار الشبابي مثلما لم تتمكن من مجاراة حركية التجدد الاتحادي الحداثي بل تفتت عقولها عند قوة التمظهرات المعرفية للتيار و لم تجد هذه الأوليغارشية غير سلاح الإقصاء عوض اعتماد أسلوب المناظرة من خلال مقارعة الفكرة بالفكرة . و أمام غزارة العطاء المبدع لتيار أولاد الشعب ركنت فلول التسلط التنظيمي و التيار العائلوقراطي إلى أصولية مؤد لجة تنشر الخوف بدلا عن الأمل ، و تجتر صراعات الماضي أكثر من فتحها لنقاش فكري عميق حول اختيارات الحاضر و استقراءات المستقبل.

لذا فإن ما يعيشه حزب الاتحاد الاشتراكي اليوم وجب النظر إليه من زاوية أنه صراع جوهره العودة إلى الاستوزار مهما كان ثمنها أو شكلها أو مسمياتها ، دون أن يكون الموجه المعتمد هو البرنامج المجتمعي المجيب على أسئلة المرحلة الحالية. في حين أننا داخل تيار أولاد الشعب نشدد على ضرورة التحول من زمن التعددية الحزبية إلى زمن التعددية السياسية وفق فلسفة الحداثة الشعبية . فقد ظلت فكرة الحداثة داخل المنظومة الحزبية والسياسية تعتمد دائما و أساسا على عملية ” الاستيراد الغبي ” لشكل واحد أوحد من أشكال التنوير رغم أن الحداثة مفهوم معرفي يتعدى آليات النقل و الترجمة إلى إبداع تنوير ينطلق من الثقافة الشعبية ، تنوير مجدد نستطيع معه إحقاق التغلغل الشعبي و الانتقال من دمقرطة الدولة و الصراع حول شكل النظام السياسي نحو دمقرطة المجتمع الذي وجب أن يشكل الحاضنة الحقيقية للاختيار الديمقراطي الذي أضحى مكسبا دستوريا . كما أن استقواء قوى التدين السياسي بالشارع سببه الأول وجود نخب متعالية على الشعب لم تستطع أن تستلهم دعائم الحداثة من عمق المجتمع بسبب خوفها الظاهر من تحرر الطاقات الايجابية لبنات و أبناء الشعب بكل طواعية و مسؤولية بعيدا عن الإكراه كيفما تنوعت تلويناته .

إن الطرح السياسي لتيار أولاد الشعب ” الاختيار الحداثي الشعبي ” هو تصور منفتح مدرك لنسبية حقيقته إلا أنه غير خاضع لفردانية المصالح الضيقة ، كما أنه انعتاق متحرر من نرجسية الطهرانية و لا يرى مسار التحول الديمقراطي وفق نظرة أحادية. إنه تراكم معرفي غايته إنضاج مقومات المشروع الحداثي الوطني المتكامل و تجميع مكونات الصف الحداثي داخل قطب شعبي بتنسيق المبادرات و الوصول للانتشار الأفقي الواسع وفق مبادىء العقلانية البناءة و الاعتدال المجيد وليس استنساخ تجارب و نماذج أجنبية لن تفيد الوطن إلا في تعزيز صف دعاة الغلو و التعصب و التطرف و الانغلاق.

لذا فتفعيل الحوار الداخلي بات اليوم حاجة طارئة تفرضها الظروف الصعبة التي حزب الاتحاد الاشتراكي و معه مجموع الاتحاديات و الاتحاديين. حوار يتم فيه تغليب روح التعاون و الشراكة من أجل حزب لجميع مناضلاته و مناضليه دون تعالي أو إدعاء التسامح بمنظور إحساني . فالديمقراطية و الحداثة تحتم التخلص من هوس الأنا الحزبية المريضة للتمكن من مجاراة الزمن الدستوري الذي كرس للمساواة و القطع مع ثقافة الزعيم الملهم والسياسي المتعالي على أولاد الشعب باعتبارهم رعاع وخدم ومفعول بهم ، و ما يتولد عن ذلك من احتقان شعبي و ضرب عميق للخيار الديمقراطي الذي يحتم التعاقد و احترام إرادة المناضلات و المناضلين . الاختيار الحداثي الشعبي هو الجواب.