من المؤكد أن الإشكالات التي يطرحها الإرهاب، في المجتمعات، التي عانت من آثاره الإجرامية، متعددة ومعقدة، وما تعيشه بعض البلدان، حاليا، مثل فرنسا وبلجيكا، من حالة خوف مستمر، تضاعفه الإجراءات الأمنية المتخذة، التي أصبحت جزءا من حياة الناس اليومية، تُضَيِقُ عليهم حرية الحركة والتصرف، وتؤثر في منظورهم للمهاجرين وأبنائهم القادمين من أصول إسلامية.
ويمكن القول، إن الكثير من التحاليل الصحافية والإعلامية، وبعض الكتابات، سارت أغلبها في إتجاه البحث عن الأسباب، في أوضاع «الجاليات» العربية، وخاصة المغاربية، في هذه البلدان، وفي معتقداتها الدينية، والفضاءات التي ترتادها، والأحياء المهمشة التي تعيش فيها، ومشاكلها الإقتصادية والإجتماعية والتربوية…
هذه العناصر جيدة في التحليل، ويمكن أن تساعد على الفهم، غير أن أمرين إثنين، يمكن أن يساهما بشكل أعمق في إدراك مختلف الأبعاد التي تطرحها آفة الإرهاب. أولها، رفض التوجه العام الذي سارت فيه الحملات والدعاية التي رافقت التظاهرات والتفسيرات المتسرعة التي حاولت ربط ماحصل بفئة من الشباب من ذوي الأصول الإسلامية، وأشارت بأصبع الإتهام للديانة الإسلامية نفسها.
ونحيل هنا على الكتاب الجيد الذي نشره المؤرخ والديمغرافي، إيمانويل طود، Qui est Charlie?، الذي حلل فيه المؤشرات الجغرافية والإيديولوجية والعُمْرِيَةُ، للمشاركين في التظاهرة الكبرى، التي نظمت في باريس، بعد العملية الإجرامية التي إستهدفت الصحيفة الساخرة. وخلص أن أغلبهم من المناطق التي طغى عليها التدين الكاثوليكي، حيث لم تشارك المناطق المعروفة تاريخيا بالدفاع عن الجمهورية والعلمانية، كما لم تشارك الطبقات الشعبية والعمال وأبناء الأحياء الهامشية، الذين أصبح بعضهم من زبناء تطرف “داعش”، وأدان ما سماه ب”الهيستيريا الإعلامية” التي قدمت الإسلام كبش ضحية. وإعتبر أن فرنسا تعيش في ظل “نيو جمهورية”، لا تريد إدماج سوى نصفها من مستويات التعليم العالي والطبقات الوسطى والمُسِنِين.
ثانيها، أن الأبحاث والتحقيقات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية، في مختلف البلدان، تقف عند حد الكشف عن أصول المتهمين وإنتماءهم الديني وسوابقهم الإجرامية وإرتباطاتهم التنظيمية، لكنها لا تكشف عن موضوعات مثل، كيف يدخل ويخرج المقاتلون؟ من يسلحهم؟ من أين يأتي السلاح؟ من هي الدول المسؤولة عن بقاء “داعش”، وتزويدها بالأسلحة والسيارات وتسهيل تهريب البترول وتوفير شبكات الإتصال الإلكتروني؟… عند هذا الحد تقف الهيستيريا الإعلامية.

*بالفصيح

     الاثنين 11 ابريل 2016