أصبحت الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية خاضعة لمعطى جديد، لم يكن يتصوره أحد قبل في نهاية القرن الماضي، بعد أن تطور استعمال التكنولوجيات الحديثة، حيث تم تعميم نموذج غير مسبوق في ترويج الأخبار، ظاهره يبدو أنه يتجه نحو الشفافية والوضوح، غير أنه كلما تعمق المرء في تحليله، تَبَيّنَ أن الأمر أعقد من ظاهره.
لقد سادت، في بداية ظهور ما سمي بالطرق السيارة للانترنيت، دعاية تبشيرية، تعلن عن بزوغ فجر الشفافية والنصاعة والوضوح، مع إمكانية تطور مُرادِفِها، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. غير أن الطرق لم تكن سيارة بالشكل الذي تم تصوره.
الإشكال العميق الذي سيفرض نفسه، يتعلق بالقدرة على التحكم في هذه الطرق السيارة، حيث أفرزت المعطيات قوة جديدة، تتمثل في المحركات الكبرى، وبالخصوص «كوكل»، التي مدت خراطيمها الأخطبوطية، لتستولي على الغالبية العظمي مما يروج عبر التكنولوجيات الحديثة، وبالتالي القدرة على تكييف مضمونه.
بعد تطور الشبكات الاجتماعية، تعقدت الأمور إلى حد لا يتصور، حيث فُتِحَ الباب أمام المساهمات المتعددة والمختلفة للمواطنين، في نشر الأخبار وتوزيعها والتعليق عليها… مما خلق الانطباع بإمكانية تطور المشاركة الديمقراطية الفاعلة واقتسام المعلومة البناءة وتكريس حرية التعبير. لكن التجربة أكدت نسبية هذا الانطباع.
كل الأفكار المسبقة التي تم التبشير بها حول العهد الجديد، الذي ستخلقه التكنولوجيات الحديثة والطرق السيارة للانترنيت، ثبت أنها لم تكن بالبهجة التي تمت الدعاية لها، فقد تمكنت القوى المعادية للديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان، من استغلال هذه الفتوحات الجديدة في مجالات التقنية، لتوظفها لصالحها، لتوطيد سيطرتها غير الديمقراطية.
كما أثبت الواقع أن القوى المتحكمة في العالم، تتوفر على إمكانات استخباراتية هائلة، تمكنها من الحصول ، بشتى الطرق، غير الشفافة وغير النزيهة، على بعض المعطيات، التي تسربها بالشكل الذي يخدم أهداف سياساتها، تُعَمّمُ ما تريد وتخفي ما تريد، في تناقض تام مع مبدإ الشفافية والوضوح، الذي بشرت به الدعاية المرافقة للطرق السيارة والتكنولوجيات الحديثة.
لذلك، لا يمكن الجزم، بأن الصبيب الضخم من «الأخبار»، الذي يُقْصَفُ به المواطن يوميا، يعني أن الحقيقة أقرب إليه، بل يمكن القول إن القريب منك بعيد.

*بالفصيح

     الاربعاء  13 ابريل 2016