“..وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ” سورة البقرة

“الحكمة” هي أعلى مراتب العقل، وقد عرّفها ابن القيم رحمه الله  بأنها :  «فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي»

و”الحَكَمَةُ”:” ما أحاط بحَنَكَي الفرس، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تمنعه من الجري الشَّديد، وتُذلِّل الدَّابَّة لراكبها، حتى تمنعها من الجِماح  ، ومنه اشتقاق الحِكْمَة؛ لأنَّها تمنع صاحبها من أخلاق الأراذل..”

لايمكن تصور الاسلام  بدون الحديث عن التعلم والتفكر والتذبر  والتذكر ….ولايمكن تصوره بدون وجود اعجاز لغوي متماسك ومتين للقران الكريم  في علاقة بمجالات الابداع والجودة في الشعر والنثر والامثال والحكم  التي كان يتميز بها العرب …ومناط ذلك ان كل الرسالات والصحف والكتب جاءت بلغة ولسان من بعثوا فيهم …قال تعالى  : “وَمَا أَرْسَلْنا مِن رسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” سورة ابراهيم

كما لايمكن تصور وجود وحي دون التاكد اليقيني من ان الله اصطفى من الناس  الانبياء الذين كانوا متميزين   بالحكمة والتعقل والنبل والشرف  وحسن الخلق والمنطق حتى قبل الرسالة …ولم يختر قطعا الظلمة والمتنطعين والمتجبرين والمفسدين وعديمي المروءة …فالله اصطفى ادم ونوحا و ابراهيم و موسى وعيسى ومحمد وكل الانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وجعلهم  جاهزين لحمل وتبليغ الرسالة على الوجه الامثل والاكمل ..

..ان الحاجة الى المعرفة  هي جزء جوهري من حقيقة الحياة والوجود البشري ..و لتكون  المعارف مستوعبة ومفهومة ومبنية بشكل سليم  لابد لها من اليات وادوات  منها العقل والسمع والبصر والاحساس والادراك والقدرة على الفهم والاستيعاب والاستنتاج والتركيب والتفسير مع امتلاك اللغة  وادابها امتلاكا يطوع الفكرة ويبلغها بكلام  ينفذ الى قلب المخاطبين كل حسب مستوى معارفه وملكاته …

..فمن قواعد  التربية والتعلم  المعرفة بالكتابة والقراءة .. فبهما يفهم ويحفظ  القران والحديث والفقه  والادب والفلسفة والتاريخ  والفلك والرياضيات …الخ ..وبهما يستطيع الانسان  ان يصبح متخصصا متمكنا في المجال الذي  يتلاءم مع ميولاته واهتماماته العملية  كالطب او الهندسة  او الحرف والمهن اليدوية ...

..ان اغلب العلماء المبدعين والمجددين والذين طوروا علوم الفلك والطب والهندسة والرياضيات و الفقه والتفسير ..الخ …هم من  المحبين للحكمة  المتمثلة في  الحقائق والقوانين والضوابط .. التي اودعها الله في كل مخلوقاته والموجودات والاكوان …

.. فمنذ الاف السنين  عرفت الفلسفة  بانها “محبة الحكمة”   وأُطلق على الفلاسفة “الحكماء” لأنّهم ينشدون الحكمة ويعملون من اجل تعلمها و تعليمها للناس …
قال الامام الشوكاني رحمه الله ..ان الحكمة هي : “الأمر الذي يمنع عن السفه  …و أن كل كلمة ، وكل مقالة تردعك عن السفه ، وتزجرك عن الباطل ، فهي حكمة” 

..انه لايجب ان  يسمح لاي كان  بان يقدح و يشكك في  قيمة وجدوى جملة من العلوم والمعارف او يقصد بعضها لارتباطه بالتنوير والعقلانية والمعرفة والوعي.. فيقدمها على انها لانفع مادي من ورائها ؟؟ ..لان في ذلك  تعطيلا للعلم وللتطور واساءة  لقيم العقل والدين ..

لهذا اعتبر الاسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم مسلمة  …وجعل العلم يسبق العمل لعلة لاتخفى على عاقل … وربط المسؤولية والمحاسبة والتكليف بالمعرفة والعلم … فنبهنا الله وحذرنا من ان نخوض في الكلام  من موقع المسؤولية وخارجها بجهل او نقص في العلم بحقائق الموضوع الذي نتكلم فيه مع الناس ..فنبني استنتاجات ونطلق اوصافا واحكاما تعسفية  شكلا وجوهرا  لن  تؤدي الا الى المزيد من التضليل والتحجر والسلبية وسوء الفهم  …

قال تعالى   منبها : ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ) الإسراء

وفي سياق اخر مدح سبحانه العلماء فقال  : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا  الألباب ) الزمر

وفي هذا الاطار .. (( ذُكِرَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم رجلان: أحدهما عابد والآخر عالم فقال عليه الصلاة والسلام فضلُ العَالِم على العَابِدِ كَفَضْلِي على أدْناكم ))رواه الترمذي..

قال الامام محمد الغزالي رحمه الله  « إنّ الانحطاطَ الفكريَّ في البلاد المحسوبة على الإسلام يثيرُ اللوعة ، و اليقظة العقلية في الأقطار الأخرى تثير الدهشة ».

 اننا في حاجة الى كل  مجالات المعارف والعلوم  كما اننا في حاجة إلى العلماء و الفلاسفة والأدباء والشعراء وكل المفكرين والمبدعين لان بهم نرقى سلم التطور  ونتقدم ..انهم حملة نور  المعرفة التي تفتح بها كل الابواب والطرق التي تجسد بها  الحكمة من خلق الله للانسان وتفضيله على الكثير من مخلوقاته   ..قال تعالى  : (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الإسراء.

*الخميس 14 ابريل 2016