قد تشكل الاقتصاد المغربي في ظل تبعية مفرطة نتيجة سنوات الاحتلال الفرنسي، وقد أثر هذا الواقع على تأخر بروز قطاع خاص مبادر، حيث أن النموذج
الاقتصادي الذي رسخته فرنسا كان يتمحور أساسا حول اقتصاد ريعي تبعي يلبي حاجيات الصناعات الفرنسية من المواد الأولية . فالمقيم العام الفرنسي الماريشال ليوطي كان يرغب في أن يتسم الاقتصاد المغربي بالتبعية لفرنسا .
لقد كانت الحاجة ملحة بالنسبة لدولة الاستقلال أن تترسخ عبر نفوذ متزايد للقطاع العمومي، ولم تكن هذه العملية ترتبط فقط بسد عجز القطاع الخاص، بل كانت لها أهداف أخرى ترتبط، فضلا عن تحقيق التنمية الاقتصادية، بالضبط السياسي والتحكم في تشكيل المجتمع الجديد والنخب الصاعدة في دولة الاستقلال وكان هذا التدخل من الزاوية التي تنظر إلى “البنية الاقتصادية ..كوعد للتقدم، وذلك يؤدي بالدولة إلى لعب دور المنتج والناشر للعلاقات السلعية. وفي نفس الوقت ضامنها. فالاقتصاد تتكفل به إدارة ممركزة، وينظر إليه كمورد لتطوير المجتمع وإرساء التعددية السياسية، وموكولة له أيضا وظيفة إضفاء المشروعية” ، فأمام التأخر التكنولوجي والضعف المؤثر في العنصر البشري الذي كان خارج دائرة اهتمام المستعمر الفرنسي الذي رعى استغلال 7 % من السكان الأوروبيين لحوالي 30 % من خيرات البلاد، وعبر احتكار حوالي 3 ملايين هكتار من الأراضي الخصبة، في حين كان أكثر من 3 ملايين و600 ألف فلاح مغربي بدون ملكية حسب الراحل إدريس بنعلي.
لقد أصبحت الدولة بعد الاستقلال المقاول رقم واحد، ففي نهاية الثمانينات كانت الدولة تملك أو تساهم بشكل رئيسي في  962 مقاولة تنشط في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي من الفوسفاط إلى الأبناك والفنادق ووصولا إلى توزيع الجرائد، باختصار كان المغرب يعيش عمليا رأسمالية الدولة، وظل القطاع الخاص قطاعا هامشيا، فالبعض اعتبر أن نمو القطاع العمومي في تلك الفترة كان ضمن ثقافة ليبرالية سادت مرحلة الستينات، تعتبر الأمر يدخل في إطار تجسيد للسيادة الوطنية خاصة في قطاعات الفلاحة ، الصناعات الرئيسية، قطاع الأبناك والتأمينات، قطاع الصادرات…وهذا الوضع كان يخدم مصلحة القطاع الخاص الناشئة على هامش رأسمالية الدولة بل اعتبر الأمر ضروريا مادام القطاع الخاص غير قادر على النهوض بالاقتصاد ، فعملت الدولة وفق التخطيط المركزي محددة الأهداف ومحددة في الزمان.

بعد ذلك سيدخل المغرب مرحلة التقويم الهيكلي ، حيث نموذج الدولة التابعة للمؤسسات المالية الدولي وذلك لعدة اعتبارات ووقائع طبعت الحالة الإقتصادية الوطنية والدولية، كان من بينها الخطاب الذي روج له الثنائي ريغان وتاتشر والذي كان يقوم على “الحد الأدنى من الدولة”، وعلى المستوى الوطني ارتبط الأمر بانهيار أسعار الفوسفاط والارتفاع الصاروخي في أسعار النفط، وهو ما دفع في إتجاه التفكير في خروج الدولة من عدد من القطاعات، البعض منها كان يستوجب ذلك، لكن البعض الآخر كان خطأ إستراتيجيا ندفع ثمنه اليوم، خاصة القطاعات التي لم تكن تعيش منافسة و تعتبر مصيرية بالنسبة للأمن الاقتصادي لبلادنا.
بعد مرحلة الخوصصة ستنهج الدولة سياسة المخططات القطاعية وتشجيع الإستثمار، ووضعت هدفا لولوج نادي الدول الصاعدة، لكن هل الواقع يسعف في تحقيق ذلك؟
في كل الدول النامية وتلك السائرة في طريق النمو، عملت الدولة فيها على خلق أبطال وطنيين في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبصفة خاصة القطاعات التي تحمل قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني، وهناك قصص نجاح كثيرة على المستوى الدولي يمكن أن تكون مرجعا في هذا الصدد، الشيء الوحيد الذي لم تلجأ إليه تلك الدول، هو أن تجعل من الإحتكار وسيلة لبناء تلك الأقطاب، بل سارعت إلى حماية المنافسة ودعم الرأسمال الوطني والإنتاج الوطني في مواجهة المنافسة غير العادلة، أيا كان مصدرها.
الاحتكار في المنطق الاقتصادي يقتل المنافسة، وعندما تغيب المنافسة، يصبح من العبث الحديث عن إقتصاد السوق والمناخ الليبرالي للأعمال، والأخطر من كل ذلك هو عندما تكون المؤسسات الاقتصادية التي تسعى إلى الإحتكار، هي نفسها من يشكل جزءا رئيسيا من السلطة التنفيذية، بحيث يصبح الحديث عن الإحتكار مرادف للحديث عن الفساد.
هذا الأمر هو موضوع نقاش محتشم في وسائل الإعلام، لكنه صاخب في الصالونات المغلقة، بما يؤشر عن حالة غضب جارف في أوساط المستثمرين.
ظاهرة الاحتكارات تهدد اليوم بشكل جدي قطاع التأمينات، وقطاع المحروقات..وهناك قطاعات أخرى قد تكون مستهدفة مستقبلا..ما يستوجب وضع نقطة إستفهام كبيرة، عن الهدف من بث بذور موت التنافسية في الاقتصاد الوطني، والثمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتوجب على بلادنا دفعه نتيجة ذلك.

*جريدة العلم

     الخميس  ابريل2016