بغض النظر عن التطورات التي ستعرفها قضية الأساتذة المتدربين، فإن بلاغ رئاسة الحكومة، الذي قرر منع الإنزال الوطني، الذي أعلنت عنه تنسيقيتهم، يمكن اعتباره وثيقة تاريخية. كيف ذلك؟

أولا، لقد استعمل ورقة «المس بالأمن العام»، وهو تبرير عام وفضفاض، تلجأ إليه السلطة لمنع أي شيء، دون تبرير مخاوفها من كيفية المس بالأمن العام، فهو سيف ديموقليس، يظل قائما ومسلطا فوق رقبة كل الحركات الاحتجاجية.
والجواب على هذا التبرير بسيط، لأن الأساتذة المتدربين، سبق لهم أن نظموا مسيرات وطنية، دون أن يلحق أي أذى بالأمن العام، بل هم الذين لحقهم الأذى وسالت دماؤهم، على يد قوات الأمن، ومنعوا من السفر، في ضرب تام لحرية التنقل، أي أن الذي مس الأمن العام، هي السلطات.

ثانيا، يسير البلاغ أبعد من كل هذا، حيث يهدد «بالتصدي» وبتحميل «المسؤولية في ذلك لكل المحرضين والجهات الساعية لتأجيج الوضع واستغلال المطالب الاجتماعية»، ليس فقط «لهذه الفئة»، أي الأساتذة المتدربين، بل «وغيرها»، أي لكل الفئات الأخرى المحتجة أو التي ستحتج من بعد!

فهو يعلن عزمه، بكل وضوح، على التدخل العنيف ضد الأساتذة المتدربين، وضد الحركات الاجتماعية الأخرى، ويحمل المسؤولية للأحزاب والنقابات وكل منظمات المجتمع المدني والشخصيات التي تساند هذه الحركات.

البلاغ بهذه الصياغة وهذا المضمون، ينتمي إلى جنس بلاغات القرن العشرين، التي كانت تتلى في الإذاعة والتلفزة المغربية، والتي يتذكر المغاربة، حملات القمع الرهيب التي كانت ترافقها. فالعقل الذي صاغه لا يقرأ دستور 2011، و لا القوانين المعمول بها في مجال الحريات، بل مازال يعيش في تلك العهود، التي اعتقدنا أنها أصبحت وراءنا.

التبرير الإضافي للمنع، يتمثل في الإدعاء بأن «الحركات الاحتجاجية لتنسيقيات الطلبة الأساتذة أصبحت مجرد وسيلة لجهات معينة تشتغل في العمق وتتحين الفرصة لخلق الفوضى».

يوجه البلاغ تهمة السعي إلى خلق الفوضى، لكل الهيئات التي ساندت وانخرطت في هذه القضية، والتي تمارس حقها الدستوري والسياسي، للمشاركة في الحركية الاجتماعية، متجاوزا بذلك كل الحدود والقوانين والأعراف الديمقراطية.
لم يبذل رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، مجهودا كبيرا في صياغة هذا البلاغ، بل أخذه من أرشيف سنوات الرصاص ونفض عنه الغبار ونشره.

*بالفصيح

  الخميس 14 ابريل 2016