حدّدت العقلانية التقليدية العقل بأنه مبادئ مطلقة ومحكمة عليا تملي القواعد، وتسنّ المناهج، وتميّز الصواب من الخطأ. إلا أن الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة، التي تتابع منتوجات العقل في مختلف جهاتها، بينت أن العقل، على العكس من ذلك، محايث للمجال الذي يعمل فيه، لصيق به، لا ينمو إلا في أحضانه؛ فهو يبني ذاته بناء، ويحوّلها عندما يصنع الأدوات النظرية والتقنية التي يعقل عن طريقها العالم الطبيعي، ويدبّر بواسطتها الشأن البشري.

العقل تقنيات ذهنية تختصّ بها ميادين معينة للتجربة والمعرفة، وقدرة على القيام بعمليات وفقا لقواعد. هذه القواعد والتقنيات تتحول بدلالة الموضوعات التي تنصبّ عليها، واللغة التي تستعملها، وهي تتوقّف على مستوى تطور التقنو-علم، وترتبط بالتاريخ الاجتماعي والسياسي.

لا ينمو العقل إذن، إلا في حضن أشكال المعقولية. ولا إمكان لعزل أشكال المعقولية هذه عن أدوات العقل وتقنياته؛ لكنها لا يمكن أن تُعزل كذلك عن الأخطاء التي يحاربها العقل، والعثرات التي يلاقيها، والعوائق التي يتجاوزها، والمقاومات التي يصارعها. فالعقلانية لا تتأسس في سلم وطمأنينة، بل هي دوما وليدة نضال وصراع. إنها ليست عقلا جاهزا ومبادئ يُبدأ بها ويعمل وفقها، وإنما «عقلنة» ومسلسل مفتوح لغزو أشكال اللامعقول.

غير أن هذه العوائق التي تقف حجر عثرة أمام العقلنة لا تظل هي هي، فهي ما تفتأ تتجدد. وقد حملت أسماء متنوعة حسب الحقب وحسب الفلاسفة وحسب المجالات، فاتخذت اسم الفكر الأسطوري تارة، واسم العوائق الإبستمولوجية تارة أخرى، كما ضُمّت تحت اسم الأيديولوجيا في أغلب الأحيان.

فما هي العوائق التي يواجهها العقل اليوم؟ وماذا يستطيع حيالها؟

عندما نتكلم عن عوائق متجددة، فلا يعني ذلك بالضرورة أن العوائق التقليدية تمضي وتزول: لا يعني ذلك أن المعرفة العلمية صارت تتم في جو المسالمة والهدنة، كما لا يعني أن عالمنا غدا متحررا من كل طابع أسطوري، وهو لا يعني بالأوْلى أنه عالم بلا أيديولوجيا، عالم «ماتت فيه الأيديولوجيا» كما يقال. إن كل هذه العوائق تظل حيّة فاعلة، إلا أنها لا تعمل إلا على تغيير حلتها.

التلوّن وتغيير الحلة يصدقان أكثر ما يصدقان على العوائق الأيديولوجية بطبيعة الحال، إذ إن الأيديولوجية هي صاحبة التلوّن ولبس الأقنعة بلا منازع. على هذا النّحو، فإن العوائق الأيديولوجية غدت تعمل في عالمنا على غير النحو الذي عملت به إلى حدّ الآن. فإذا كانت الستّينيات من القرن الماضي قد قابلت بين «العلم والأيديولوجيا»، أو بين «الحقيقة والأيديولوجيا»، فلأنها كانت تعتبر أن الآلية الأيديولوجية تتمثل أساسا في كونها إعادة إنتاج لعلائق الإنتاج، وكونها أداة قلب وتشويه، وكونها آلة لصنع الأوهام تعمل جاهدة على ترسيخ عقيدة بعينها، وقوفا ضد كل روح انتقادية. أما اليوم، فليس في إمكاننا أن نقابل بين العقل والأيديولوجية إذا اقتصرنا على هاته المعاني عن الآلية الأيديولوجية. ذلك أن هاته الآلية لم تعد اليوم تتمثل في قلب الواقع ولا في تشويهه، ولربما ليس أساسا حتى في تغليف تناقضاته، وإنما أصبحت تتمثل في «خلقه». لا نقول إنها تخلق الواقع، وإنما تخلق «ما يعمل كواقع»، إلا أن ما يهمّ في «عالم الفرجة» هو بالضبط هذا «الذي يعمل كما لو…»، هذا الذي يتشبّه فيتشابه فيشتبه ويخلق الشبهات.

لقد أصبحت الآلية الأيديولوجية اليوم، تمثُل في جعل الواقع مفعول ما يُصوّر به وما يقال عنه. الأيديولوجية هي ما يجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد الدائم على أنها كذلك. المنطق المتحكم هنا منطق غريب وجديد يمزج بين الحلم والواقع، ويخلق الواقع الذي يتنبأ به فينبئ عنه. على هذا النحو تغدو الأيديولوجية لبّ لاواقعية الواقع، لبّ «سريالية الواقع». لعل هذا ما يجعل واقعنا اليوم يفقد شيئا من الواقعية، يجعله واقعا سرياليا، واقعا فوق-واقعي sur-réel، واقعا يتلبس الوهم ويتحول إلى فرجة وسنيما.

لا عجب إذاً أن تغدو الشاشة اليوم صورة عن هذا الواقع، إن لم تكن هي الواقع ذاته في مباشرته وحيويته وحياته، مع ما يتمخض عن ذلك من تحوّل لمفهوم الحدث نفسه، حيث تغدو الأحداث الجسام وقائع متنوعة، تغدو «منوعات» كما يقال، منوعات يجترها الإعلام كي يحشرنا في الراهن ويغرقنا فيه.

لا يمكن الحديث اليوم عما يقف حجر عثرة أمام العقل من غير التوقف عند هذه الآلية الأيديولوجية في حلتها الجديدة، وهي آلية تتخذ مطية لها الإعلام كي تفعل فعلها وتجعل الواقع واقعا سرياليا.