من بين أهم المعايير لقياس التطور الديمقراطي في أي بلد، كيفية تصريف مبدأ الشفافية، ليس فقط على مستوى مواجهة الرشوة والفساد والمحسوبية بالشعارات والخطاب، بل ما هي القوانين والمساطر والإجراءات الإدارية، التي تسمح بالمراقبة الفعلية لتدبير الشأن العام والأموال العمومية.
لذلك يتطلب نظام الشفافية ترسانة من الوسائل القانونية والتنظيمية، حتى يصبح أمرا واقعا، وهو ما لم يتوفر في المغرب، لحد الآن، في الوقت الذي كان ومازال، شعار الحزب الذي يتزعم الحكومة، هو محاربة الفساد.
وتؤكد التقارير الدولية والوطنية، أن الوضع يزداد ترديا على هذا المستوى، حيث لم يحصل أي تقدم خلال ولاية هذه الحكومة، بل إن بعض مظاهر الفساد تضاعفت، كما تم تكريس نظام الزبونية في عدد من القطاعات العمومية. و كشفت تقارير صحافية عن ممارسات المحسوبية، أبطالها من حزب العدالة والتنمية، دون أن يقدم هذا التنظيم أي توضيحات للرأي العام على هذه الاتهامات، التي ذُكِرَت فيها أسماء وقُدمَت فيها معطيات.
وتتجلى خطورة الوضع، في هذا النموذج السلبي الذي ينتشر داخل المجتمع، سواء على مستوى تكريس قِيمِ استغلال النفوذ أو على مستوى تعزيز نظام الزبونية، الذي مازالت أعراضه تتفشى، رغم كل المجهودات المبذولة من طرف القوى الديمقراطية والهيئات الحقوقية وتلك المتخصصة في حماية المال العام والمطالبة بالشفافية.
ويمكن مقارنة الواقع المغربي، بما يحصل في عدد من البلدان الديمقراطية، حيث لا يمكن التستر على الفضائح المالية وعلى استغلال النفوذ، إذ سرعان ما تتحرك الميكانيزمات القضائية والبرلمانية، بالإضافة إلى الإعلام والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لأن الديمقراطية، أصبحت مقرونة بالشفافية، وبمحاربة الفساد والرشوة.
لايمكن أن نتصور تطور الديمقراطية في المغرب، ما لم يتم التوافق على استراتيجية وطنية، للقضاء التدريجي، على مجتمع الزبونية والريع واستغلال السلطة والنفوذ، أي لبناء مجتمع الشفافية وتكافؤ الفرص والمساواة بين كل المواطنين، من أجل التوزيع العادل للثروة وللإمكانات والمسؤوليات، في إطار واضح، بين الناس، وليس في كواليس العلاقات المشبوهة.
لم يكن هناك ما يمنع الحكومة الحالية، وخاصة الحزب الذي يتزعمها، من وضع هذه الاستراتيجية، فكل الشروط الدستورية متوفرة، وكل الظروف المجتمعية مهيأة، غير أنه فضل الابتعاد عن هذا الملف، لأنه لا يسعى فعلا إلى تغيير جذري وديمقراطية حقيقية، بل إلى التطبيع مع الوضع المشبوه، الذي هو جزء منه.

*بالفصيح

     الثلاثاء 19 ابريل 2016