كل تحرك محلي أو إقليمي أو دولي ضد قضيتنا الوطنية، ولو كان في بداياته المحتشمة أو المتذبذبة، هو تحرك خطير ينبغي تقويمه بالجدية المطلوبة لوأد مفاعيله السلبية في مهدها والعمل، ما أمكن، لعرقلة تطوره ،إلى أن يصبح تحركا فاعلا ووازنا بشكل سلبي على واقع ومستقبل قضية المغرب الوطنية ،وحظوظ التوصل إلى حل سياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

هذه القاعدة العامة في النظر إلى كل التحركات المناوئة لوحدة المغرب الترابية وسيادته على كامل ترابه الوطني تصبح ذات أهمية قصوى، ينبغي أن تتصدر أولوية الأولويات بالنسبة للشعب المغربي وقياداته الرسمية والشعبية ،عندما يتعلق الأمر بتحركات تجري داخل دول أو مؤسسات دول وشعوب لعبت أدوارا وازنة في نشأة عدد من الظروف الحيوية لبروز المشاكل المرتبطة بقضية وحدتنا الترابية بالأساس، وفي مقدمتها اسبانيا بخصوص قضية أقاليمنا الجنوبية المسترجعة منذ أكثر من أربعين عاما، إلا أنه قد تم افتعال نزاع إقليمي حولها لا تتوقف فصوله عن التناسل بسبب الموقف الجزائري المعادي والمغذي لكل أسباب استمراره حيّا ،وقاتلا لكل بصيص أمل في رؤية دول المغرب الكبير تتقدم على طريق بناء مؤسساتها التنسيقية والوحدوية، الكفيلة بحل كل النزاعات بين تلك الدول ،في سياق احترام الأسس التي قامت عليها تلك المؤسسات ،وفي مقدمتها اتفاقية مراكش، المعلنة لتأسيس اتحاد دول المغرب العربي.

مناسبة هذا الكلام،هي إقدام عدد من نواب الأحزاب السياسية الاسبانية على توقيع بيان يدعو الحكومة الاسبانية، الدولة الاستعمارية القديمة لأقاليمنا الصحراوية، إلى إعادة النظر في موقفها الرسمي من النزاع ، وتبني أطروحة الانفصاليين والجزائر،وبذل كل الجهود الممكنة لإعادة إحياء خطة الاستفتاء حول تقرير المصير، بدلا عن الحل السياسي المتفاوض عليه، الذي تبناه مجلس الأمن الدولي منذ عدة سنوات من جهة، وتأييد مساعي الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية، الرامية إلى توسيع مهام بعثة المينورسو، لمراقبة قضايا حقوق الإنسان في أقاليمنا الجنوبية من جهة ثانية، وتبني قضية المعتقلين السياسيين المزعومين بسبب النزاع حول الصحراء من جهة ثالثة .

ولعل خطورة موقف النواب الإسبان تكمن في ثلاث مسائل أساسية :

أولاها كون عدد النواب الموقعين على البيان يتجاوز المئتين بحسب ما تناقله بعض وكالات الأنباء العالمية، وهو حجم هائل من النواب المنتمين إلى طيف واسع من الأحزاب السياسية الاسبانية، مما يعني أن هناك اتجاها اسبانيا يحاول تحويل قضية الصحراء المغربية إلى عنصر ضاغط على القيادة السياسية الاسبانية و فرض توجهات دبلوماسية وسياسية عليها تتعارض و موقفها الرسمي والذي التزم، إلى حد الآن، بمقتضيات وتوجهات مجلس الأمن الدولي ،الرامية إلى إيجاد حل سياسي متفاوض عليه، كما لم يبد أي موقف سلبي من مبادرة الحكم الذاتي أرضية للحل السياسي للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.

أما المسألة الثانية، فتتجلى في تزامن هذا التحرك الاسباني مع الأزمة السياسية ،التي عمد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون إلى إثارتها مع المغرب من خلال تصريحاته الاستفزازية حول الوضع الحالي للصحراء المغربية، الأمر الذي نجمت عنه مضاعفات سياسية عديدة خاصة على مستقبل بعثة المينورسو ،التي طرد المغرب عددا هاما من عناصرها ،كما أغلق مكتب الداخلة للتنسيق العسكري مع بعثة الأمم المتحدة، كما تزامن مع الضجة المفتعلة من قبل دول أفريقية ومنظمات إقليمية مؤيدة للأطروحة الجزائرية،والتي عملت على استعداء الأمم المتحدة على المغرب والدعوة إلى إدراج قضية الصحراء المغربية تحت البند السابع ،لفرض تصور تلك الدول والمنظمات على المغرب ،للنيل من وحدته الترابية وسيادته الوطنية على كامل أقاليمه جنوبا وشمالا.

كل ذلك بدعوى عدم امتثال المغرب المزعوم لقرارات الشرعية الدولية.

وتأتي مسألة تبني قضية العناصر المسؤولة عن جرائم رجال الأمن المغربي العزل في مخيم أكديم ازيك (2010) المدانين قضائيا وفق أحكام القانون المغربي، وزعم كونهم معتقلي رأي أو معتقلين سياسيين في المغرب لتشكل القضية الأساسية الثالثة التي ينبغي أخذ مراميها ومقاصدها بعين الاعتبار، لأنها تؤشر على أن تحرك تلك القُوى الاسبانية وغيرها من بلجيكية و فرنسية ليس تحركا عفويا، وإنما هو تحرك منسق على مختلف المستويات، الأمر الذي يتطلب من المغرب عدم التهاون في التعامل معه إعلاميا وسياسيا ودبلوماسيا ،للحد من مفاعيله السلبية.

وذلك لن يتأتى طبعا سوى عبر تبني سياسة هجومية، تتوخى الاستفادة القصوى من رصيد المغرب في علاقاته مع أصدقائه في مختلف أنحاء العالم ،والتقدم في ربط مستوى تطوير العلاقات مع عدد من القُوى والدول بمدى التزامها بالحد الأدنى من الموضوعية والحياد بخصوص النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، وتفعيل الدبلوماسية الشعبية والحزبية، بما يتناسب و ضرورات ومتطلبات هذا الهجوم المضاد خدمةً لقضايانا الوطنية، وحماية لها من عبث الأعداء والخصوم، في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.

*عن جريدة الاتحاد

       الثلاثاء 19 ابريل 2016