من أخطر ما ورد في خطاب الملك بالرياض، أثناء المشاركة في القمة الخليجية هو التنبيه إلى أن مخططات التفكيك التي راحت ضحيتها العراق وسوريا واليمن وليبيا، ستنتقل إلى المغرب.

وقد جاء في الخطاب أن «المخططات العدوانية، التي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب» .
سيجد كثيرون، في الخطاب زوايا عديدة للمعالجة.

هناك من سيعتبره قراءة للأوضاع العربية شرقا وغربا، بعد الربيع العربي.
إذ بعد قرابة خمس سنوات، قدم الملك، باعتباره رئيس دولة، وقائد بلد يعيش بالقرب من دوامة النار والإعصار قراءته لموجة الربيع العربي.

ولنا هنا أن نقف مطولا عند ما قاله عن تبعات الربيع العربي، إذ حدد زاوية النظر إليه بالقول أن “ما تم تقديمه كربيع عربي ، خلف خرابا ودمارا ومآسي إنسانية ، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية ، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة لدول أخرى كالمغرب، من خلال المس بنموذجه الوطني المتميز”.

هناك أولا ربط بين موجة التغيير وتفكيك الدول
وهناك ثانيا استمرار مخطط التمزيق..
وثالثا ، هذا المخطط يستهدف المغرب والتمزيق قادم!

لا أحد سيعتبر القراءة الملكية هروبا من التغيير أو من الآمال التي ارتبطت بتغييرات كثير منها كان ضروريا في فتح آفاق جديدة للشعوب،لأن المغرب استطاع أن يدبر موجة الربيع بالحكمة، وبتفاعل إيجابي لقي الاستحسان والتنويه داخليا وخارجيا.
وقد دبر المغرب الربيع داخل جدرانه كما أنه دبره في حديقة الجيران، من خلال السعي إلى المشاركة في إيجاد حل للأزمة الليبية.. والسعي للحفاظ على وحدة الدولة، في الوقت الذي يستميت هو في الدفاع عن وحدته.

لكن الخطير في تقدير العبد الضعيف لربه وشعبه، هو أن القراءة الملكية تربط بين القرار الدولي وبين التغيير، عبر الفوضى”، فما كان رغبة شعبية في إيجاد متنفس داخلي، تحول إلى ذريعة لتفتيت الدول أكثر مما هو نية في مساعدة الشعوب على إنضاج ربيعها!
لقد وضعت الأنظمة بلدانها في معادلة الاستحالة السياسية، حيث لم تسر علي خطوات التدرج في الإصلاح وبناء الديناميات السياسية القادرة على إيجاد حل سلمي للتناقضات السياسية، وإيجاد الميناء الديمقراطي الذي يساعدها على حل مشاكلها في السلطة والثروة، ..الخ!

ولم تكن الشعوب في حالات كثيرة ، قادرة على التدقيق في وصفات التغيير ، ولا في نوايا المدافعين عنه داخليا وخارجيا، بقدر ما كان توقها إلى التحرر غالبا على فهم تركيبات المعادلة المعروضة عليها.

لم يثبت أن الدول بمستوى قوة الأنظمة، لهذا انهارت الدول مع انهيار أنظمتها، ولم تستطع الوقوف نظرا للتماهيات الكبرى بينهما، لكن ذلك سرع وتيرة تفكيك الشعوب والدول على حد سواء!

رابعا: دافع المغرب عن نموذجه في الحل وفي التغيير وفي التفاعل الإيجابي مع الإرادة العميقة لشعب قاد إحدى أشرس المعارك من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وتغيير طبيعة النظام بدون التضحية بالبلاد، لكن القراءة الملكية ،كشفت عن الحسابات الخاصة بالقوى العظمى، وقد عبر الملك بالوضوح التام عن ذلك بالقول إن العالم العربي يمر بفترة عصيبة . فما تعيشه بعض الدول ليس استثناء ، و إنما يدخل ضمن مخططات مبرمجة ، تستهدفنا جميعا» .

إنه كلام يعني بأن المخطط لن يقف عند ليبيا في شمال إفريقيا، وأن الصحراء تتحول بإرادة قوية من قوة عظمى إلى بؤرة لتصدير التمزيق والتوتر إلى المغرب.

هذا العنوان مضمونه واضح:لقد انتقلت القضية من تدبير الحرب الباردة إلى تدبير الفوضى الخلاقة، كما نظّرت لها كوندوليزا رايس، عقيدة أمريكية للتحكم في العالم.

إن الخطاب يقدم قاعدة وزاوية لكي نعالج كل المستجدات وتقدير كل التحركات السياسية وكل الخطط الداخلية وأيضا للتموقع ، لا يمكن أن تكون هذه قاعدة التفكير عند ملك البلاد ورئيس دولتها ، ولا تكون قاعدة لدى النخب والفاعلين والمثقفين والأحزاب والنقابات في «تقدير الموقف»!

بمعنى آخر:إذا كان الوطن مستهدفا وإذا كان المخطط هو تصدير الحروب الأهلية والدواعش إليه، لأجل تفتيته كما هو حاصل في ليبيا والعراق وسوريا، فلا شيء يمكن أن يكون أكبر من حمايته والحفاظ عليه، وكل شيء يتم تقديره على أساس هذه القاعدة!
إن القراءة الوطنية لما يحدث هي القراءة الجيدة والحصن الذي يتم به تقدير كل ما يعرض على البلاد من مخططات سياسية وترابية وتحالفات.

*عن صفحة الكاتب

      الجمعة 22 أبريل 2016