خاض المغرب، ملكاً وحكومة وشعباً – كما تابع ذلك الرأي العام الدولي والأممي على حد سواء – معركة مزدوجة، سياسية ودبلوماسية، دفاعاً عن مشروعية موقفه في النزاع المفتعل حول وحدتنا الترابية من جانب، وذوداً عن الشرعية الدولية، كما تؤسسها المبادئ الحاكمة في القانون الدولي، وتؤطرها مقتضيات «ميثاق» الأمم المتحدة من جانب آخر.

1- وفي خضم هذه المعركة النضالية، المتواصلة الحلقات، فقد استوعب الرأي العام الدولي والأممي خطورة المواقف المنحازة التي عبر عنها السيد بان كي-مون أثناء زيارته للجزائر وتندوف، في لحظة غاب عنه فيها الوعي بحدود مسؤوليته، وبطبيعة مهمته كأمين عام للأمم المتحدة.
ولقد شكلت مواقفه تلك، وقد زاغت عن المسار الأممي الذي رسمه مجلس الأمن الدولي في التعاطي مع النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، سابقة مؤسفة في مسلكية ومنهجية عمل الأمانة العام للأمم المتحدة في تدبيرها لقرارات مجلس الأمن الدولي.
إنها سابقة ذات بعدين اثنين بالغي الضرر بسمعة وصدقية الأمم المتحدة. أولهما بُعد قانوني يتصل بتجاوز الأمين العام وفريقه المنخرط في «إخراج» زيارته للجزائر وتندوف- على النحو الذي تمت به هذه الزيارة – إنه بُعد يتصل بتجاوز المقتضيات القانونية في «الميثاق» المحددة لمهمة ودور الأمين العام للمنظمة الأممية.
وكما هو معلوم، فإن قوام هذه المهمة هو السهر على تدبير وتفعيل قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، والحرص – في كل الأحوال – على تعزيز العمل الأممي في مجال الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وكذا الانكباب على تسطير المقاربات، واقتراح المبادرات التي من شأنها الإعداد القويم للقرار الأممي، على مستوى مجلس الأمن أو على مستوى الجمعية العامة.
ثاني البعدين، في السابقة المؤسفة، هو بعد أخلاقي يتعلق بالتزام الموظف الأول في المنظومة الأممية، بمبادئ الحيادية والموضوعية والإيجابية في مقاربة النزاعات الدولية.

2- ومما لاشك فيه أن ما بدر من السيد بان كيمون من تصرفات وتصريحات في تندوف لم يكن يشكل سوى فصل جديد في مسلكية فريقه المكلف بملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
دأب هذا الفريق، وفي مقدمته المبعوث الشخصي للأمين العام، السيد كريستوفر روس، على اعتماد مقاربات، وابتداع مبادرات في تدبير مهمة تفعيل المسار الأممي لتسوية النزاع، طالما زاغت عن مسار الحل السياسي، وهو المسار الذي سطره مجلس الأمن منذ عام 2004، وعززه سنة 2007، في أعقاب تقدم المملكة المغربية بـ «المبادرة المغربية للتفاوض حول نظام حكم ذاتي لمنطقة الصحراء».
وقد كان السيد روس يتصرف وكأنه يريد أن يطوي، إلى الأبد، صفحة سلفه في المهمة، السيد بترفان ولسوم الذي وصل إلى قناعة راسخة، بعد سنوات من معالجة ملف النزاع، أجملها في إحاطته الشهيرة، أمام مجلس الأمن الدولي، في يناير 2008، بالقول إن «مسألة استقلال الصحراء الغربية خيار عديم الواقعية».

3- ويبدو أن الرهان الذي انطوت عليه تصرفات ومناورات فريق الأمين العام في تدبير ملف النزاع المفتعل، منذ عام 2012 بصفة خاصة، هو رهان قبر مقترح «الحكم الذاتي» الذي تقدم به المغرب، كأرضية تفاوضية لإرساء حل سياسي للنزاع.
ومما يدعو إلى الغرابة أن متابعة هذا الرهان، عبر سلسلة من الالتفافات والمناورات، تأتي لتعاكس المسار الذي حدده مجلس الأمن، ولتعاكس بالتالي دينامية تعزيز شروط الأمن والسلم والاستقرار في منطقة الشمال الإفريقي، وهي الدينامية التي حملها المقترح المغربي – «الحكم الذاتي» – وانخرط في سياقها المجتمع الدولي الذي دأب على توصيفها، منذ سنة 2007، بـ «الجدية والواقعية والمصداقية».

4- وباستحضار الملابسات والمرامي المحيطة والموجهة لفريق الأمانة العامة، المكلف بتدبير ملف النزاع، فإن الموقف يقتضي مواصلة التعبئة الوطنية من أجل فرض احترام وتفعيل معايير الشرعية الدولية في شأن قضايا ومسائل ذات الصلة الوثيقة بملف النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

أولاها: وتتصل بضرورة إعادة هيكلة البعثة الأممية، المينورسو، بما يمكن من تكييف مهمتها مع وجهة المسار الأممي الذي حدده مجلس الأمن الدولي، منذ أبريل 2007، على طريق معالجة النزاع.
وفي هذا الصدد، فإن مهمة الفريق السياسي-المدني الذي كان مكلفاً، منذ سنة 1991، بملف «تحديد الهوية» وفقاً لمتطلبات مسار تنظيم «استفتاء» الساكنة الصحراوية، قد أصبحت غير ذات موضوع، طالما أن مجلس الأمن قد استبـدل مسار «الاستفتاء» الـذي استحالت إمكانية تطبيقه – للأسباب المعروفة – بخيار «الحل السياسي»، التفاوضي، الذي أصبح يشكل الإطار الشرعي الذي فيه المسعى الأممي.
ومن ثم فإن قرار الخارجية المغربية بترحيل الفريق السياسي-المدني في بعثة المينورسو هو إجراء موضوعي يفرض نفسه، بل كان يفرض نفسه منذ ربيع 2007. وفي حالة ما إذا أصرت الأمانة العامة للأمم المتحدة على الاحتفاظ بهذا الفريق، بذريعة تمكين المينورسو من كامل «قدراتها»، فإن تحديداً جديداً لمهمته، وصياغة ملائمة لدوره، بما يتوافق مع منطق المسار الأممي في معالجة النزاع، ويتفاعل مع متطلباته، بات يفرض نفسه بكل تأكيد..

ثانيها: ويتعلق بوضع الساكنة الصحراوية المحتجزة في مخيمات تندوف-لحمادة منذ ربيع عام 1976.
وفي هذا الصدد، فإن تصعيد مطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالعمل الواجب على معالجة الوضع المزري، اللاإنساني، المفروض على الساكنة الصحراوية المحتجزة بمخيمات تندوف منذ أربعين سنة أمسى يفرض نفسه.
وفي هذا المضمار، فإن الأمم المتحدة، والمجتمع الدولي مطالب:

ا- إما باعتبار وضعهم الحقيقي كضحايا «تنقيل قسري»، تعسفي (Déportation) اقترفه الجيش الجزائري في إطار مخطط سياسي، رمى، ويرمي إلى اتخاذهم رهائن للمساومة بهم في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
وفي هذه الحالة يتعين فرض تحريرهم بدون تأخير، وطرح المسؤولية الجنائية الدولية لأولئك الذين ارتكبوا جريمة “تنقيلهم القسري” وحرموهم من حريتهم الجوهرية، وسلبوا حقوقهم الإنسانية الأساسية.
ب- وإما اعتبارهم “لاجئين” – كما تروج الدعاية الجزائرية/البوليسارية – مشمولين بالمعايير والمقتضيات القانونية الدولية، الإنسانية، المؤسسة والمؤطرة لوضع “اللاجئ”.
وفي هذه الحالة يتعين توفير الحماية الدولية لهم، وفق المبادئ الإنسانية الأساسية المعتمدة، والعمل على تفكيك المعسكرات التي تحشدهم، وإنهاء الحصار العسكري المضروب عليهم، السالب لحقوقهم الإنسانية ولحرياتهم الأساسية.

ثالثها: وتتصل بوضع «المنطقة العازلة»، الواقعة خارج الجدار الأمني، وهو الوضع الذي سعت زيارة السيد بان كي-مون لـ «بئر لحلو»، رفقة قيادة البوليساريو، إلى تغيير طابعه، كمكون تكتيكي في منظومة الدفاع المغربية عن الأقاليم المسترجعة، ليصبح، في منطق ومدلول هذه الزيارة «الأممية» ومراميها السياسية، «قطاعاً محرراً» في قبضة البوليساريو، وهو المدلول الإشكالي الذي يطعن في منطق وصدقية المسار الأممي في معالجة النزاع.
ومن أجل احتواء عواقب ما أقدم عليه الأمين العام للأمم المتحدة من تصرف غير مسؤول، من شأنه الإيحاء بتزكية سياسية «أممية» لادعاءات خصوم وحدتنا الترابية، يبدو من الأهمية بمكان إطلاق حملة سياسية-دبلوماسية مكثفة لتوضيح طبيعة ووضع «المنطقة العازلة» (Zone tampon)، والتذكير بأسباب نزول إقامتها على جزء من الأراضي المغربية المسترجعة، وهي الأسباب التي تنصب على المقتضى الدفاعي، والمرمي السلمي في استراتيجية المغرب الدفاعية.
رابعها، وتحيل إلى عناصر الفشل في مقاربات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في ملف النزاع، السيد كريستوفر روس.
ومما لاشك فيه، فإن انفجار الأزمة السياسية-الدبلوماسية مع الأمين العام، بسبب مواقفه اللامسؤولة، قولاً وفعلاً، لدى زيارته إلى الجزائر وتندوف، ليعكس بالملموس فشلاً ذريعاً لمهمة مبعوثه الشخصي في تفعيل المسار الأممي الذي أقره مجلس الأمن الدولي لمعالجة النزاع.
وحرصاً من المغرب على التشبث بالشرعية وعلى ممارسة ضبط النفس، ورغبته الدائمة في التعاطي بجدية وحسن نية مع الجهود الحثيثة لمجلس الأمن الدولي، وهي الجهود الرامية إلى إرساء حل سياسي، تفاوضي للنزاع، فإن المطالبة الحازمة بإنهاء مهمة السيد كريستوفر روس، كمبعوث شخصي للأمين العام، تصبح ذات موضوع، فضلاً عن كونها إجراءً ضرورياً لإرساء علاقات إيجابية وبناءة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، من شأنها المساهمة في فتح فصل جديد من التعاون والتفاهم، يتأسسان على الثقة والموضوعية وحسن النية، ويتحليان بفضائل الممارسة القويمة، الجديرة بدبلوماسية وأعراف المنتظم الدولي.