قال  رسول الله (ص) : “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ

وقال الإمامُ عليٌّ (ض): الفَقرُ في الوَطَنِ غُربَةٌ.

الفَقْرُ : العَوَز والحاجة..”

و”فَقْرٌ مُدْقِعٌ : شديدٌ مُذِلّ.”

والفقير شرعا هو الذى لايملك قوت السنة له و لمن يعول ..ولا يمتلك حتى القوة الكافية  لايجاد القوت بالعمل والكد ..

كما انه وفقا  لبعض المعايير التي تعتمد في زماننا هذا يتم تحديده  في علاقة بمؤشرات التمنية البشرية من مثل  مدى استفادة المواطنين الكادحين من  التغذية  والصحة والتعليم بالجودة المطلوبة وبالشكل المستدام

..والفقراء انواع منهم  من يخفي فقره ولا يظهره ويعيش بما تيسر له …ومنهم من يظهره ويضطر للتسول لتحصيل الصدقات والمساعدات  …ومنهم من يعمل  مقابل اجر زهيد لايكفيه منفردا -ناهيك ان كان رب اسرة – لسد الحد الادنى لحاجاته

…وما هو اشد من الفقر يطلق عليه عندنا  الفقر المدقع وهو يهم  من يعيشون دون عتبة الفقر، أي ان دخلهم اليومي يصل بصعوبة ل 10 دراهم مغربية يوميا   …

…والحديث عن الفقر يحيلنا على  مستوىات اخرى اساسية من تجلياته  مشتركة بين الناس  في العيش  بالبوادي النائية باعالي الجبال والمناطق القاحلة والبعيدة والمهمشة  التي تتصف بالهشاشة و ضعف في الموارد وانعدام لفرص الشغل وموسميتها ان وجدت وضعف ونقص مهول في الخدمات العمومية المختلفة من تعليم وصحة ونقل وشبكات طرقية وتواصل …الخ

كما ان حديثنا عنه لايكون دائما مرتبطا المال ..بل  يطلق ايضا على فقر في المعرفة و العلم ..و فقر النفس بما يجعل صاحبها او صاحبتها غير سوية ولا قادرة على التمييز والتحكم في الاقوال والافعال وردود الافعال .. و فقر في فهم حقيقة ونبل الدين والرسالات السماوية …وحتى الفقر في المعلومات والمعطيات والحقائق الموضوعية  عند الناس يسهل على البعض ممارسة التضليل من اجل الاخضاع والتحكم  …

ان  كل مظاهر  وتجليات الفقر والخصاص والحاجة والهشاشة ..الخ  تتشارك في المعاني والدلالات والنتائج السلبية …

فاذا ما اردنا ان نتعرف ببساطة  على الفقر فلنتامل الواقع جيدا بعقلنا وقلبنا وروحنا  ..ولنسال الكثير من الناس عن الاجور التي يتقاضوا.. وعن متطلبات حياتهم وعن الاسعار وعن  درجة اطمئنانهم على مستقبلهم ومستقبل اولادهم ..وهل مساكنهم لائقة ومتوفرة على الحدود الدنيا  للعيش ..؟وهل يستطيعون  معالجة انفسهم وابنائهم كيفما كان نوع المرض ..؟؟

..وحتى ان راجعنا بعض التقارير التي فقط تحاول تقريبنا من حقيقة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية وموضوع الفقر ببلادنا ..فنجدها تؤكد  على  انه لا يمكن لاي باحث او دارس موضوعي للفقر أن يختزل الاشكال كله في الموارد المالية… كما نجد منظمة الأغذية والزراعة بالامم المتحدة في احدى دراساتها تقول  “أن 5 ملايين مغربي لا زالوا يعيشون تحت عتبة خط الفقر، بأقل من دولارين في اليوم الواحد.. خصوصا في الوسط القروي… وإذا أصفنا إلى هذا المستوى الجوانب المرتبطة بالحماية الاجتماعية فيكفي أن نشير أن التغطية الاجتماعية لا تشمل سوى 36.8 بالمائة من مجموع سكان المغرب…”

..كما سبق أن سجل ” التقرير الوطني حول السياسة السكانية ” بالمغرب ان  (780.000) أسرة تعيش فقرا مدقعا في تجمعات سكنية غير لائقة…”

وبتفحص تقارير المؤسسات الرسمية المغربية والعالمية المنجزة مؤخرا ..وبتامل الواقع الحقيقي الذي لايمكن ان يحجب بتصريحات وخطب انفعالية ..نجد ان الدولة المغربية منذ نهاية التسعينات اشتغلت على ملف الفقر والهشاشة ..وعلى ذوي الدخل الهزيل والمناطق المهمشة والهامشية ..وفك العزلة بكل اشكالها عن العديد من المناطق  …فوضعت العديد من البرامج التنموية والاستثمارية ..واحدتت العديد من المؤسسات و الصناديق   للحد منه وتقليص اضراره ومخاطره وانعكاساته على التنمية المستدامة و الاستقرار والسلم الاجتماعي..ولم تعمد الى نفيه او التستر عليه ..

  ان الاحتكار و الغلاء وتحرير الاسعار والمنافسة غير العادلة والجشع والراسمالية المتوحشة .. وارتفاع وتعدد الضرائب والرسوم ..والمنافسة غير الشريفة وغير المتوازنة ..وسوء توزيع مردودية وعائدات الثروات والدخل الوطني .. وسوء التصرف والتبذير والريع بكل انواعه.. كما ان الحد من دور الدولة في خلق فرص الشغل وحماية الحق في الشغل  .. وضعف اجور العمال الفلاحيين والموسميين والعرضيين والاشغال الهامشية غير المؤطرة قانونا وو…ان كل هذا وغيره مفاتيح قوية لابواب الفقر واتساع الفوارق الطيقية وسبب مباشر لتجدد الحركات الاجتماعية المطلبية المشروعة.. وسبب في خلق اجواء عدم الاستقرار …
..
ان  مسؤولية الحكومة  واضحة لاغبار عليها لان سياساتها اليوم وبالامس القريب او البعيد وغدا هي التي تفرز وتؤسس للعدالة الاجتماعية والاقتصادية ومجتمع المعرفة والمنافسة الشريفة والبناء المؤسساتي والمجتمعي الديموقراطي قولا وفعلا ..او تفرز الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية والظلم الذي من اقوى مظاهره الفقر بكل انواعه.

قال تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا “سورة الروم

ان الدين عندما يتحدث عن بعض اسباب الفقر بارجاعها الى الفساد ..فالقصد  الاساسي فساد السياسات المعتمدة في تدبير وادارة امور الناس المعاشية والضرورية لكرامتهم وتطورهم وتقدمهم ..بفساد في  فهم الواقع المعيش واكراهاته على عامة الناس ..وفساد في منهجية  اختيار القرارات الملائمة مما يتسبب في  تعمق وتوسع دائرة الفقر  …

 قاله  ابن الأحنف في الفقر:

يمشي الفقير وكل شيء ضــده *** والناس تغلق دونه أبوابها

وتراه مبغوضاً وليس بمذنـب   ***ويري العداوة لا يرى أسبابها

حتي الكلاب إذا رأت ذا ثروة  *** خضعت لديه وحركت أذنابها

وإذا رأت يوما فقيرا عابــــرا   ***نبحت عليه وكشرت أنيابها

 

ونختم بقولة  للإمامُ عليٌّ (ض): الفَقرُ المَوتُ الأَكبَرُ.

*الاربعاء 27 ابريل 2016