نظريا، ما يجمع اليسار أكثر مما يفرقه، غير أن التفرقة التي يعيشها، هي أكبر وأوسع، حيث يصبح جمع شمله، أمرا شبه مستحيل، ولو على بعض المشاريع المحدودة.
وإذا كان هذا هو واقع الأمر اليوم، فإنه من المفيد التفكير الجدي، في خطورته، ليس على قوى اليسار، فحسب، بل بالخصوص على مستقبل المغرب.
و لمناقشة هذا الموضوع، نستحضر تجربة التيارات الرجعية والمحافظة، التي، وإن تنوعت مساراتها التنظيمية، واختلافاتها السياسية ومرجعياتها الإيديولوجية، إلا أنها تتوحد بشكل لاَفِت للنظر، وتذوب تناقضاتها بسرعة مذهلة، عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مشروعها الثقافي والفكري، في المجتمع.
غابت هذه الخاصية على قُوى اليسار، حيث تراخت ردود فعلها، ووَهَنَت حيويتها الفكرية، التي كانت تتميز بها، في الوقت الذي كانت إلى سنوات خَلَتْ، تقود الفكر والثقافة وتنتج المفاهيم المتطورة، وتفرض بقوة المنطق والعلم، منهجها العقلاني.
كانت قوى اليسار تدرك أهمية المعركة الفكرية، لذلك كانت تعطي للمثقفين مكانتهم المتميزة، في هياكلها القيادية وفي مختلف تنظيماتها، لأن القيمة الاعتبارية والمعنوية كانت تسبق أيَّ قيمة أخرى، تنظيمية كانت أو انتخابية.
أثبتت التطورات التي يعرفها المغرب، أن الحاجة إلى اليسار، تظل مقرونة بالحاجة أيضا إلى حرية الفكر والثقافة، وإلى الدفاع عن الفن والإبداع، خاصة بعد أن توضح المشروع المجتمعي الذي تسعى إليه القوى الرجعية، والذي يستمد روحه من تراث فكري ديني، تراكمت عليه، خلال قرون، كل مقومات التخلف والانغلاق والماضوية واللاعقلانية.
فمن هي القوى التي يمكنها أن تواجه هذا التيار الجارف، الذي استفاد من كل مظاهر الجهل والأمية والتقليد، والتأويل المتخلف للنصوص الدينية؟ إنها نظريا قوى اليسار، المؤهلة لرفع شعلة حرية الفكر ونور العقل والتصدي بكل شجاعة، لثقافة الخرافة والتبرير والظلامية والتخلف الاجتماعي.
إذا كانت القوى اليسارية، حاليا، عاجزة عن إيجاد أرضية لتوحيد صفوفها حول برامج سياسية واجتماعية، فإنه من الممكن أن تبدأ بإعادة الوحدة، على المستوى الثقافي، فقط، في إطار التصدي للمشروع المجتمعي الرجعي، الذي تعمل مختلف التيارات الإخوانية والسلفية، المعتدلة والجذرية، على بسط سيادته في العقول والإرادات.

*بالفصيح

        الجمعة 29 ابريل 2016