ما إن استفاق العرب على حقائق العصر والمدنية (الأوروبية) الحديثة، وهَالَهُم ما عاينوه من وجوه الفوارق بينهم، و(بين) العالم الجديد، وكان ذلك قبل قرنين، حتى طَفِقت نخبتُهم الثقافية والمتنوّرة تبحث في أسباب كبوةٍ مدنيةٍ وانحطاطها، هي المدنية العربية الإسلامية، وفي أسباب صعودِ أخرى وظهورِها على العالم كلِّه. وكان أن أسفرت تلك الجولة المديدة من البحث، وقد امتدت على مدى ثلاثة أرباع القرن التاسع عشر، عن جملةٍ متداخلة من الأجوبة والدروس، يمكننا جمْعُها، على وفرتها، في جوابيْن رئيسَييْن العدْل والعلم، فالمبدآن هذان يفسّران لماذا يَعْمُر عمرانُ مجتمعٍ أو أمّة، فيكون لهما في التاريخ شأن، ولماذا يخْرب ذلك العمران، ويدبّ فيه الوهن والاضمحلال، فالأفول، ليخرُج والأمّة بذلك الأفول من التاريخ.
تاريخ العرب والمسلمين نظيرُ تاريخ الأوروبيين في الشهادة على ذلك، والعِلّةُ هي عينُها في الحاليْن. وهذا عبدالرحمن بن خلدون، الذي تجاهلته حضارتُه لخمسمئة عام، يدرك، مبكِّرًا، هذا القانون ويعبر عنه أفصح تعبير ممكن في عصره: يُؤْذِن الاستبداد بخراب العمران، وحين يَحُلّ بمِصْر من الأمصار تَنْحَطّ فيها الصنائع، وتَكْسد التجارات أو يرتفع الاحتكار، ويَعُمّ الغلاء والفساد وتزداد المُكوس، ويتوقّف الإنتاج، وتحصل الندرة في السلع، وتَقِلُّ المداخيل، وتعجز الدولة عن دفع رواتب الحامية (العسكر)، وتَضْعُف قدرتُها على دفْع أعدائها فتسقط، وفي الموازاة، يكمِّم الاستبدادُ الأفواهَ، وتَنْحَطُّ العلوم والمعارف وتسقُط في الاجترار والتكرار، وتنتشر الشروح والمختصرات، ويتوقف الاجتهاد والإبداع، ويتكاثر الدجاجلة وأهلُ ثقافة السحر والبَخْت، وتتقحَّل العلوم العقلية، وتتحجّر العلوم الشرعية، فتؤول الثقافة والفكر إلى ظلامٍ مديد…
ماذا حصل في تاريخنا، منذ القرن الرابع عشر الميلادي، غير ما توقَّعه ابن خلدون ونبَّه إليه؟ في المقابل، ماذا حصل في أوروبا، منذ القرن الخامس عشر، غير الذهاب في الاتجاه النقيض: في اتجاه العدل السياسي، وتقييد السلطة بالقانون، وتسريع وتائر الإنتاج، ونشر العلوم والمعارف ورعايتها، وحماية الحرية الفكرية والعقل والإبداع، وتأسيس المدارس والجامعات، وتسخير نتائج العلم في الإنتاج…إلخ؟ وما إنْ حصل الصّدام بين مدنيةٍ آفلة ومدنية صاعدة، منذ الهزيع الأخير من القرن الثامن عشر، حتى تبيّنَت نتائج كل من القانونيْن، في هذه المدنية وتلك، قانون السقوط وقانون الصعود، واتصال مسألتيْ العدْل والعلم، حضوراً وغياباً، بهما.
أدرك نهضويو القرن التاسع عشر، العرب والمسلمون، هذه الحقيقة. أقام لهم دليلاً عليها النموذجُ المدني في أوروبا، قبل أن يعيدوا اكتشاف الدرس الخلدوني والإصغاء إليه. ولكن، أيضًا، قام لهم من تاريخهم الحاضر البئيس ألفُ دليل عليه.
ما أكثر ما كتبه النهضويون العرب، في القرن التاسع عشر، في مسائل التربية والتعليم، منذ رفاعة رافع الطهطاوي في مصر، إلى محمد بلحسن الحجوي، في المغرب، والطاهر الحدّاد في تونس، مرورًا بخير الدين التونسي، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد فارس الشدياق، وبطرس البستاني، ومحمد عبده، وفرح أنطون… إلخ. وفي جميع ما كتبوه، كان الاتفاق ينعقد في ما بينهم على جملةِ يقينيات حول مكانة التعليم والتربية، في مشروع النهضة والتقدم، في مقدِّمها الأفكار التالية:
الأولى هي أنه لا نهضة لأَيّ مجتمعٍ أو أمّة، من دون العلم والسعي في تحصيله. المعرفة للنهضة كالطاقة للآلة المتحركة. ولا يكفي المجتمع أن تتوافر له الموارد الطبيعية الغنية كي ينهض ويتقدم، بل لا يكفيه أن يقيم النظام السياسي العصري، الذي لا مندوحة عنه، كي يتقدم، إن لم يقترن ذلك بإقامة أركان الإنتاج العلمي، وتوفير وسائل تحصيله وتعميمه. والعلم، عند النهضويين، ليس العلم الطبيعي والرياضي فحسب، وإنما أيضاً علوم المجتمع والإنسان، ثم المعارف العامّة، التي تُوسِّع المدارك، وتفتح الوعي على حقائق العالم الجديدة، وتحرِّر الإنسان من قيود الجهل والخرافة والتواكل. وبِقدر ما إن العلم، عندهم، يدخل في نسيج الإنتاج والصناعات، فيرفع من نِسَبها ومن نوعها، يدخل في تكوين المجتمع الحديث والدولة الحديثة والثقافة الحديثة، فيصنع الإنسان الجديد: الواعي والحرّ.
والثانية أن تحرير المجتمع، وخاصة نصف ذلك المجتمع (المرأة)، من التهميش، والجهل، والتواكلية، ورفع مستوى التربية الأسرية والوطنية، وتهيئة المواطن المشارِك مشاركة إيجابية في البناء الاجتماعي والسياسي والثقافي، والمدافِع عن الحقوق الفردية والاجتماعية، والممارِس للواجبات التي يفرضها الانتماء إلى الوطن والدولة، يمتنع من دون نشر المعارف، وتمكين الناس كافة منها.
أما الثالثة فهي أن المدرسة الوطنية أصبحت، في منظور النهضويين، المصنع الرئيسي لإنتاج المواطنين وتصنيع المجتمع الجديد.
بعد ما يقارب القرنين على ميلاد هذا الطموح النهضوي في كسب معركة المعرفة والعلم، من طريق التَمَدرس والمدرسة الوطنية، أين وصلنا؟ وما الذي أنجزته أجيال ستة من نخب المجتمع والدولة في هذا المضمار؟ مازال نصفُ «المواطنين» العرب أميّاً، بحيث ما وَلَج أبناؤهُ مدارس، ومَن ولجَها لم يَزِدْ تكوينُه فيها عن سنوات معدودات! ومازال ثلاثة أرباع خريجي الجامعات والمعاهد العليا عاطلاً عن العمل! ومازال الإنتاج محرومًا من الاستفادة من الكفاءات المتكوّنة حرمانَ الدولةِ ومؤسساتها منها! ومازالت أعداد هائلة من الخريجين المتميزين تتدفق على بلدان الغرب، التي تقدّم لها الحوافز وتوفِّر لها الفرص! والأنكى والأمرُّ أنّ مستوى التكوين والتعليم المدرسي والجامعي، يتدهور وينحَطّ نتيجة السياسات التعليمية، الارتجالية والخرقاء، المنتَهَجَة! فأين واقع معارفنا ومدارسنا وجامعاتنا ممّا تطلّع إليه الجيل النهضوي الأوّل؟!

*عن موقع اكسير

     الاثنين 2 ماي 2016